الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193الرجوع إلى "الثقافة"

٢ رأى شوبنهاور، في التاريخ

Share

أوضحت في المقال السابق رأي شوبنهاور في التاريخ . ويتبين منه ان شوبنهاور يرى ان التاريخ باعتباره وسيلة  من وسائل فهم الطبيعة الإنسانية أقل قيمة من الشعر ، وان التاريخ ليس علما بالمعنى المتعارف ، وان محاولة بنائه وإيجاد بداية له ووسط ونهاية محاولة ليست بذات قيمة فهل يجرد شوبنهاور التاريخ من كل فضيلة وينكر عليه أي فائدة ؟ وماذا بقي للتاريخ بعد أن دحره الفن ونفاه من حظيرته العلم ؟ الواقع ان شوبنهاور عاد ففرق بالتاريخ وعز عليه ان يتركه هكذا مدفعا مصدودا ، فرد إليه بعض اعتباره ، وأفسح له مجالا يستطيع ان يعيش فيه موفور الكرامة .

وذلك أنه يقرر أن التاريخ للجنس البشري بمثابة العقل للفرد ؛ فالعقل يرفع الإنسان عن مرتبة البهائم ولا يجعله محصورا في الحاضر محدودا بالمحسوس ، ويمكنه من ان يرسل نظره إلي الماضي الأوسع آفاقا والأبعد إعراقا . والإنسان حلقة في سلسلة هذا الماضي ومنه نشأ ودرج ، وبتأمله الماضي يستطيع ان يفهم الحاضر فهما مستقيما ، بل يستطيع كذلك أن يستخرج النتائج عن المستقبل ، والحيوانات على خلاف ذلك ، فإن معلوماتها مجردة من التفكير ، ولهذا السبب لا نستطيع الخروج عن نطاق الحاضر . والأمة التي تجهل تاريخها تشبه الحيوانات في رأي شوبنهاور ، لأنها تظل حبيسة في الحاضر ومادمت هذه الأمة لا تعرف تاريخها ولا تصل حاضرها بماضيها فهي لا تستطيع ان تفسر الماضي ، ولا أن تفهم نفسها ، وتعجز كذلك عن

النظر إلي المستقبل ، فلا تعرف كيف تواجهه ؛ ولا تصبر الأمة شاعرة بنفسها عارفة بوجوها إلا بالتاريخ ؛ فالتاريخ هو الوعي العقلي للنوع الإنساني ، وهو للأمة بمثابة الوعي المدبر المتصل للفرد ؛ وأي كلمة في معلوماتنا التاريخية تعد كلمة في وعي الإنسان المستذكر ؛ ونحن عندما نقف أمام نصب من تلك الانصاب التي بقيت بعد كرور ازمتها وتصرم حضارتها واندثار معناها وخفاء دلالها مثل الاهرام والمعابد والمقاصير الأثرية ، يلتبس علينا امرها ، وتذهلنا الحيرة ، ويطير يبلينا التعجب ، ونشبه الرجل ينهض من نومه ويسير وهو فاقد الوعي عندما يستيقظ في الصباح ويشاهد مافعله في غفلته الليلية اللامنتهية . وبالتارخ تصبح الإنسانية كلا مرتبط الأجزاء موصول الأول بالآخر ، وهذه هي القيمة الحقيقية للتاريخ ، ومصدر عنايتنا بالتاريخ

هو أنه اهتمام ذاتي بالنوع الإنساني . وكما أن الأفراد في حاجة إلي اللغات للتفاهم والتخاطب فكذلك الإنسانية في حاجة إلي الكتابة والتسجيل للتفاهم وتبادل الأفكار بين الماضي والحاضر ، وبهذه الوسيلة يبتدي وجودها الحقيقي ؛ فالكتابة تحتفظ للإنسانية بوحدة الوعي ، هذه الوحدة التي يحاول الموت على الدوام أن يقضي عليها ويزيل معالمها وبهذه الكتابة نستطيع أن نستعيد ما طاف برءوس القدماء من أفكار ، وتجد الدواء لرأب صدع الإنسانية التي يحطمها الدهر من الحين إلي الحين ، ويوزع وعيها الكلى على عدد

لا يحصي من الأفراد الزائلين ؛ فالتاريخ يناهض قوة الزمن الدائمة الكر والإسراع ، وبين يديه تقر عواصف النسيان وتتراجع أمواجه ، وهو لا يستعين على ذلك بالكتابة وحدها وإنما بالآثار الحجرية كذلك ، والذين شادوا الأهرام ، وأقاموا الأعمدة الحجرية ، ونحتوا قبورهم في الصخور ، وبنوا الهيا كل والمعابد والقصور ، واستنفذوا في ذلك قوة آلاف البشر لمدة سنين ، لم يحصروا نظرهم في حياتهم الفردية القصيرة التي كانت لا تمتد حتى تمكنهم من رؤية

نهاية البناء . ومن الواضح أن غايتهم الحقيقية كانت محاولة التخاطب مع الأجيال التالية والاتصال بأعقابهم ، وبذلك تتم وحدة الوعي الإنساني ، وقد كان الهندوس والمصريون القدم والرومان يتحرون في مبانيهم ان تبقى الاف السنين ، لان حضارتهم السامية كانت تجعل أفقهم واسعا رحيبا . وذلك في حين أن مباني العصور الوسطى والعصور الحديثة لم يقصد بها في الأغلب الأعم البقاء الطويل ؛ ومرجع هذا الاعتماد علي الكتابة بعد أن عم انتشارها بابتكار فن الطباعة ، ومع ذلك لا نزال نري في مباني العصر الحديث رغبة حافزة في محاولة الكلام مع الخلف ، وقد اراد المصريون القدماء ان يجمعوا بين المحاولتين ، محاولة التخاطب عن طريق البناء ورفع النصب ومحاولة التخاطب عن طريق الكتابة والتسجيل ، فكانوا يكتبون على الآثار الحجرية  الكتابه الهيروغليفية ، بل كانوا يضيفون الرسوم خشية ألا يفهم الهيروغليفي

هذا هو رأي شوبنهاور في التاريخ ، وتقديره لدراسته ، وهو على ما به من خير وشر جدير بالنقد والمراجعة ، وقد كان شوبنهاور مدفوعا إلي حد ما بمنطق فلسفته إلي تنقص التاريخ ، وإلي ان يري فيه مجرد تتابع الوقائع وتوالي الحوادث التي لا تكشف عن خطة مدبرة ولا غاية منشودة ، ومحاولة إرادة الحياة المجنونة العمياء أن تؤكد نفسها عبثا وباطلا . وقد يبدو لأول وهلة ان الفلسفة التى تبحث إرادة الحياة وتحاول إبراز آثارها ومن بينها الإرادة البشرية ، كان من حقها بأن توجه العناية إلي فلسفة التاريخ ، لأننا في التاريخ نتبين طبيعة الحقائق والمثل التي تحاول الارادة البشرية خلقها وتحقيقها ؛ ولكن التاريخ في رأي شوبنهاور متصل بحركة الزمن ، وحركة الزمن عند شوبنهاور شئ ذاتي مثل المكان وسائر المقولات .

وشوبنهاور لا يري في التاريخ تطورا ولا تقدما ، وإنما مجرد انتقالات ، ولو لمح فيه ترقيا وتطورا لكان في ذلك

ما يسوغ عنده وجود الالم في الحياة ، لان كل انتقال في الحياة من حالة إلى حالة يصحبه عيوب ونقائص برغم ما قد يكون له من فوائد ومزايا ، ومنشأ هذه الآلام المتاعب التي تعانيها الإنسانية على الدوام في الملامة بين نفسها وبين الإحوال المستجدة ، وربما كان التشاؤم في كثير من الحالات علة من العلل التي تلازم عصور الانتقال ، ولكن شوبنهاور رفض أن يواجه هذه الحقيقة . وعصرنا الحاضر مثلا عصر اضطراب وتقلقل ؛ وقد علل العلامة ما كدوجال هذا الاضطراب بتقدم العلوم الطبيعية وتخلف العلوم الاجتماعية ، ومن ثم عجزنا عن الملاءمة بين أنفسنا وبين الأحوال الحديثة التي خلفها التقدم الصناعي والرقي العلمي ؛ ولكن هذا

الاضطراب لن يستمر إلي الأبد ، لأن طبيعة الحياة تأبي ذلك وتحاول في كل مأزق أن تجد لها مخرجا ، وليس التاريخ هو مجرد مجهود الإرادة الهوجاء ، وإنما هو محاولة تحديد غاية للحياة الإنسانية وتحقيق مثل اعلي منشود ، ورأي ارسطو في تفضيل الشعر على التاريخ الذي يعتز به شوبنهاور ، ويكثر من التلويح به لإرهاب خصومه وإقحامهم ، هو في الواقع رأي يعجب الإنسان لصدوره عن مفكر عظيم مثل أرسطو المعروف بصدق نظراته في السياسة والاخلاق ، وربما كان سببه ان التاريخ الذي كان مكتوبا في عصره كان جاة مملا أو ما ذهب اليه اشبنجلر من نقص الحاسة التاريخية عند اليونان عامة

اشترك في نشرتنا البريدية