الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 943الرجوع إلى "الرسالة"

٢ - رحلة إلى ديار الروم

Share

ولما وصلنا، ألقينا لديهم عصا التسيار، وفى ثانى يوم الإقامة  عندهم، حال توالى رؤيتنا برهم ورفدهم ، قصدت زيارة سيدى  سيلان. وممن مشى فى الركاب جمع من الأحباب منهم محمد سعيد  السلفيتى ، وتوجهنا صحبتهم إلى  (سعسع)  وبعد الغدا سرنا إلى    (صفد)  وزرنا ابن حبيب والمغارة ، وختمنا الربعة الشريفة،  وتغدينا عند قاضيها إسماعيل أفندى ، ذى الوثبة المنيفة ، ودعانا  واليها للعشا، وسرنا منها قبيل العشا، وقطعنا  (الخيط) صحبة  أولاد مراد، وودعناهم عند  (عين الذهب)  الفائقة عين العسل،  وسرنا إلى خان (حاصبية)  ومنه أتينا (أكمام)  وسرنا إلى قرية    (راس العين)  فرأيناها منتزها يسر لا خاطر والقلب والعين ، وبتنا  عند رجلها الشيخ محمد، واجتمعنا فيها برجل مصرى يسمى  بالشيخ على، له فضيلة فى العلم بها مليء ، وفى الصباح بعد وداع  رب المنزل والضيف، سرنا كأنا نسير في وادي عوف. وعندما  وصلنا (المزة)  نزلنا بساحة حلوة ، ووردت علينا أحباب أعزة ،  منهم الصهر النبيل الشيخ إسماعيل، وابن العم ذا الوفا المنلا  مصطفى، والصديق احب الأحوال السمان الشيخ عبد الرحمن  السمان، وغيرهم من أعيان ونزلت لدى الصهر المحترم من أجل  الأخت وأولادها الحرم، وبقية الجماعة فى دار قريبة منا، وورد  كثير أحباب السلام ، حتى حبست فى البيت عدة أيام ، وبعد  أن أقام الحجاج حسن أياما وأخذنا ما يحتاج إليه من الهدية تماما،  وزار الصالحية ورجالها، وقصد أعيانها وابطالها، طلب الإذن  بالعودة الأحمد، وتوجه فحرك السواكن يوم وداعه، وتوجه  صحبته الشيخ أحمد الباقانى والخ الحاج سلامة الرامينى1 والأخ

المراعى للعهد الحاج حسن الجماعيلى والحاج محمد الكفرعينى وبعد  توجههم إلى البلاد، بهدية للبيت والأولاد، اجتمعت بالوزير  المشير جناب سليمان باشا2 ذو القدر الخطير، وكنت سمعت  الخالص والعام يثنون عليه بحسن الالتئام مع أهل الشام، فأكرم  بما لا مزيد عليه من إكرام. حباه الله مزيد الإنعام.

(وممن اجتمع بنا المحب المجد الذكى محمد جلبى بن مكى ،  وأنشقنا مع حسن أدبه عرفه الزكى، ومشى أمامنا يوم وداع  الدستور الأكرم المسكى، وقام فى خدمتنا وهوالمشار إليه أتم قيام، بلغا كل مراد ومزام.

(وفى اليوم الثانى من شهر ربيع الأول ، توجهنا بعد وداع  أهل وأحباب إلى (حرستى) مع الصهر المحترم من الأحبة،  ثم رجع الصهر وسرنا إلى (دومة) القرية المعلومة ، وبتنا فى دار واسعة  الأكناف مع إخواننا الكرام الأشراف، وفى الساعة السادسة ودعنا  ابن العم المنلا مصطفى، والأخ الأمجد الشيخ محمد السفارينى (3) والصديق  الاوحد الجليل نجل شيخنا الشيخ  أحمد أبى المواهب الحنبلى وغيرهم  سائرين إلى (القطيفة)  ثم سرنا منها إلى (النبك)  ذات الحبك  والسبك، وأنشدت بعد ما ذكرت الشيخ على النبكى:

ولما أن أتيت لأرض نبك ... غدت عينى من الأبعاد تبكي  ومنها أتينا خان (حسبة) العامر الآهل بمعمره ذى الرأى  الثامر، ومنها سرنا إلى مدينة حمص وزرت رجالها من الخارج،  كالمدتين السابقتين، وقرأت الفاتحة لسيدى خالد بن الوليد،  وورد على تاجر يسمى بالسيد عبد الرحيم، وطلب الاندراج فى سلك أهل الرحيم، وآخر يقال له الحاج باكير وكان أرسل لى  كتابا أودع فيه أساطير، وطلب الإجازة والانتماء للفقير،  فأجبته، وأنا راج لى وله التعمير، وسرنا منها إلى حمى (حماة)   ولما رأيت سورها المقول فى قلب لفظة المأنوس، وسورة حماة بها

محروس، شهدت من بعيد أحبابا لهم ود أكيد عرفت منهم صهر  الصهر السيد عبد الرحيم العقيلى ذى الشراب السلسبيلي وغيره  من أصحاب أعرفهم من دار الصهر المهاب، ثم تتابع استقبال  أخبار، من أعيان تلك الديار، وأنزلنا المشار إليه فى داره والرفاق ،  وأغدق الإكرام أى إغداق، وممن حضرنا فاضل على، وفاصل ملى،  يدعي بالشيخ على، وطلب تحصيل النسبة، مع جماعة لهم فى الفضل  رتبة، فأجبناهم لذلك، راجين، لنا ولهم سلوك أحسن المسالك،  وكتبوا الأوراد والقصائد الأبتهالية، وأخذ بها ما يقارب  العشرين من النفس الذكية، وخرج لوداعنا إخواننا الكرام،  منحهم الله وافر سافر المرام، وسرنا إلى (قلعة المضيق) وهان  علي من بعد قطع كل مضيق، ومنها أتينا  (الشنغر) الذى امتلأ  بالناس وما شغر، ولصدر نازلة بالأمن شرح فما وغر، ثم سرنا  إلى (الزنبقى ) وفى الأثناء ذكرت من فى الدياربقى ، وتذكرت  قول المصونة علما، قرة العين ، قبل توجهى عنها بيومين ، متى  يا أبى تذهب فقلت ؟ بعد غد والقلب يتلهب، فأسندت رأسها  إلى الحائط القبلي ، وأجرت دموعا تضنى المحب وتبلى، فمنيتها بقرب  الرجوع، فلم يفدها غير سكب الدموع، بل قالت مرادك تخلينى  وتروح، وأنت أنة مستهام مجروح، وذكرت أخاها، عندما رقبته  حناها، وشقيقتها النفيسة، وبكاها يوم الوداع بأشواق  رسيسة، وأتواق كبيسة، فأبدى التذكار، سحاب دمع حار،

على العاصى فى بلاد النصيرية :

(ونصبت لنا خيمة على كتف نهر العاصى، فانحظينا ببسط  دان غير قاصى، وسرحت طرق فى زيتون تلكالقرايا ، التى أهلها  على المذهب النصيرى، وقبل أن جمعنا على مذهب الإمام  ابن إدريس، تحركت إلى إنطاكية بوجد رسيس.

فى إنطاكية :

(ثم أنا جمعنا وسرنا ، وإليها على أجنحة الخيل طرنا، ورأينا  غب الوصول سورها الخراب ، المحير للألباب ، ولكنه كاد يساوى التراب. وبعد أن استقر بنا على جانب العاصى، رأيت  ناعورة بصوت حزين، دائرة على قلبها تجرى عليه الدمع  الحزين فأشجانى وأبكانى بكاها. وزرت من البعد سيدى  حبيب النجار، وكتبت للأخ الأمجد الحلبى ، الشيخ محمد بن أحمد

المكتبي ، كتابا مختصرا على الأخبار بوصول إنطاكية . وصورته    (بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على حبيب أسيافه  للأعداء ناكية، وبعد فنعم الأخ الكريم غب السلام والتكريم ،  أنا وصلنا بالسلامة إنطاكية ، نهار الثلاثاء الثلاث عشر من شهر  المولد الذي طيب عرفه الأطياب حاكية، فأحببنا إعلامكم بذلك  كيما يتوجه بالدعاء كل خدن محبة لقيس لبنى محاكية ، والسلام  عليكم ورحمة الله وبركاته )

ودخلنا بها الحمام الجندى ، واشتريت فرسا حمرا ، لكى أطفئ  من متعب السرجى جمرا، ورحلنا لنحو (بيلان) التى عقبتها  أم غيلان وحصل يومها لطف صحبته سلامة لولاه، لأهلنا التراب  على رفيقنا الحاج سلامة فقلت:

ثم سرنا مها إلى (باياس) ... بعد ضيق يلقى بحر الاياس

وسبقنا لها بجمع من الركب ... وفى خانها شبت بطاسي

ثم منها سرنا (لقرط قلاق)  ... فأصاب الفؤاد حد احتباس

(ولمسيس) قد توجه وجه ... الجسيم كيمائنل شرب كاسى

ولنسقي من نهر جيحون كوبا ... مذهبا مذهبا هناهم راسى

واصطحبنا يوم الدخول إليها ... بمحب فى العلم والفضل آسى

أحمد الاسم أحمد الوصف قد ... حط لدى أحمد الأنام المراسى

أخذ عن أعلام شام كرام ... حافظ للحواس والأنفاس

خص قربا ممن يحب وشربا ... وكذلك الأحباب قومى وناسى

فى أدنة والأناضول فى طريق الحج إلى استنبول (الأستانة) دار السعادة  (ثم دخلنا فى الصباح  (أدن)  ولم نخف منع حماة سدنة،  لأن ركب الحاج، آمنوا من أعوان الحجاج، وطرقنا بها يوما،  فاسترحنا إقامة ونوما، ثم قطعنا الشاقط الساقط، بعد جهد  بالأساناياقط، وأتينا (اليايلا)  أى النجعة بوزن الدقعة ، طلب  الكلأ فى موضعه ، تقول منه انتجع فلان فلانا أى يطلب  معروفه، والمنتجع بفتح الجيم المنزل فى طلب الكلأ، ويقال  أربعوا أى أقاموا فى المربع، وأربع إبله فى مكان كذا أى رعاها  فى الربيع، فوجدنا من النصب الشديد، ما ليس عليه مزيد،  وقطعنا من العقاب ، ما جمع كل عقاب، وسرنا منها إلى

(خانين) تقابلا بعد قطع مخاضات أربعين، لا تكاد تقطع لفرط شقة وعنا، لولا أن المعين يعين ، وصعدنا منها جبلا لا ينتهى  صعودا إلى الجوزاء من غير سلم، وعقبه هبطات مزعجة جدا تهبط  حيل نازلها ولكن الله سلم ، إلى أن وصلنا (أولى قشلة)   فانتشلنا بالنزول لديها أى نشلة ، ثم منها توجهنا بلا مهلة ، إلى  مدينة (أركلة) ونزلنا لدى ماء خرار، فتذكرنا الشام الكثيرة  النها، وأقمنا للراحة ، إذ للمكارين بها عادة استراحة،  ولولا اعتناؤهم بهذه الإقامات، ما بلغت دوابهم دور السلامات،  وليس فى هذا الطريق راضة كطريق الحاج، وبه وعد كثير  يدهدك لأبراج . وفى يوم الأحد ورد من أهل البلد ، من لهم على  الجدلجلد ، برد جلدهم عليه وحسنة الخلد ، ظنا أنه يدنى دار الخلد  من الأرضة أخلد، ينتمون إلى الزادية، ويعظمون النكير  على الصوفية ، بسند عليه لا يعتمد ، فاظهر أحدهم ميلا ما به عند،  فتكلمنا معه بما التهم الأحد، ورأيت الكلام مه أهل الخصام  كالكلام ينكى القلب والجسد، ومع أهل الاستسلام فكالقند  الأملد، ثم سرنا إلى  (قرة نبار) أى النبع الأسود، ومنها إلى  (أصمل) بجد دون قرار، ومنها إلى (قونية)  بلدة المنلاخنكار،  وزرناه وجلسنا فى المقابلة، فحظينا بإمدادات مسبلة للسابلين،  وإنعامات مختصة بكل قابل وقابلة ، وسرنا إلى (اللادق) فأصابنا  ريح بارد صادق، ونبه أن هذا الطريق فى الصيف برده ينكى ،  ففى الشتاء عن وصفه أيها المعبرلا تحكى، مرشدنا لى إياك والسير  فى أكنافى، إلا إن كان فى الصيف الصافى. وسرناإلى (الغن  ذات القبلوجة)5  ومنها أتينا  (آق شهر)6 على خيول  مسروجة ومنها أممنا (بلاوضون) ومررنا على جسرها الطويل  الذي يهون وقبيل غيبوبة قمر، سرنا إلى بياض بليل أظلم بعد  ما أخمد، ومنها إلى  (خان الوزير) ومنه إلى  (السيد غازى) ذى المقر الخطير، ومنه إلى (اسكى شهر) من أهلها فى السدقة  مهارة أمرها شهر، وكتبت منها كتابا للصهر، وكذلك كتابا

للولد محمد كمال الدين، ومنها لم نزل نسير في طولها والعرض،  ونقطع طول القفار ، إلى أن وصلنا (اسكدار) فتلقانا بها  أحباب أخيار

فى مدرسة شمى باشا :

وأنزلونا مدرسة شمى باشا (7) ، وانتعش القلب بالراحة  من الأفكار انتعاشا، واجتمعت بجانب المحب الأوحد، المفرد السيد  محمد الأمجد، وكتبت منها للصهر كتابا، وآخر للولد، وكتابا  للأخ الحاج حسن بن مقلد (الجيوسي) وأخر لمحمد جلبى مكى  زادة، صدرته، بـ :

سلام من ديار الروم يهدى ... لخدن حبه أهدى وأهدى

فى دعوة ابن عم الشيخ :

(ولما وصلنا (اسكدار) أقمنا من يوم الأحد إلى يوم الخميس ،  وكان دعانا ابن العم الرئيس ، إلى داره للتأنيس ، فسرنا إليها  ذلك اليوم النفيس ، وبعد أن أقمنا عنده أيام الضيافة ، وشربنا فى  حانته صرف السلافة، أتينا بإشارته مدرسته، وكان أراد أن  يدخلنا حوزته، فلم نجبه لحب في العزلة المحمودة، ورعاية  الأحباب يردون على منزلتنا المقصودة، والمدرسة منسوبة لحسن  باشا المقتول8، المبنية فوق سبيله المقبول، ونحن إلى الآن فيها  نرتجى حصول الوصول إلى حومل القبول والدخول، ثم يطلب  الشيخ من محمد جلبى مكى فى ختام كتابه (أن يسدى  أجزل تحية لسدة قدوة عمدة الوزراء الفخام (أى سليمان  باشا العظيم والى الشام ، من نثنى عليه ألسنة قلوب ملئت من لطفه  بالغرام، حميد الذكر والشيم الكرام، عند الخاص والعام، من أرباب السؤدد والاحترام، الوحيد الهمام، والفريد المقدام، من  نرجو له دوام خدمة بيت الله الحرام، ليحي الدارس في تلك  الطلول والآكام، وينشئ ما يجوز به الإكرام من السلام فى دار  السلام، ويجدد ما يحتاج إليه الحاج فينال الأجر التام ، ويحوط  أراضى الشام، ويسعى فى عمارها ورفع جور الحكام، لهم على  الظلم إقدام.

اشترك في نشرتنا البريدية