الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 31الرجوع إلى "الثقافة"

٢- رشيد الدين العمرى الكاتب، المعروف بالوطواط

Share

                        _١_                                                                       بينت في المقال السابق بعض الصلات بين الآدبين العربي والفارسي ، وذكرت طائفة ممن مهروا في الأدبين ، واختارت من بين هؤلاء رشيد الدين العمري الكاتب المعروف بالوطواط ، لأنه يمثل امتزاج الأمتين العربية والفارسية ، واتصال أدبهما تمثيلا بيننا .

وقد قدمت طرفا من اخبار رشيد الدين وتوليه ديوان الإنشاء للملوك خوارزم

- ٢ وأبين اليوم آثار هذا الكاتب الشاعر ، وما تدل عليه من أحوال عصره :

كان رشيد الدين متوليا ديوان الإنشاء للملوك خوارزم مصاحبا لهم في سفرهم وحضرهم ، فلا جرم كثرت رسائله وقلت مؤلفانه .

كان متبحرا في الأدب وعلوم العربية ، وافر الحظ من علوم عصره ، مولما بالدرس والاستماع إلي العلماء ومراسلتهم ، كلفا بالكتب ، يقتنيها ويستعيرها ، ويهديها ويقفها

نجد في رسائله رسالة إلي محمود بن عمر الزمخشري ، يستأذنه في حضور مجلسه ( ٢٨٠-٢ ) ، كما نجد في رسالة اخري مآخذ اخذها على الزمخشري في اللغة تدل على تبحره في علوم العربية ، وتجد رسالة اخري إلي احد أئمة الحديث يسأله أن يوفد إليه أحد المشايخ ليأخذ عنه ،

يقول في هذه الرسالة : " وبعد ، فلا يخفى علي فلان - أدام الله فضله - فرط اشتغالي باقتناء ذخائر الفضل ، وشدة حرصي علي اقتناص شوارد الأدب ، وصدق رغبتي في التقاط درر الفوائد من أفواه مشيخة العلم ، ولم يبق في زماننا هذا احد من شيوخ الأمة وكبار الأئمة يسمع منه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ويرجع إليه في معرفة أيام الصحابة وأحوال التابعين رضوان الله عليهم اجمعين إلا فلان . . إلي أن يقول : وقد نشطني التوفيق الإلهي لسماع كتاب شعب الإيمان منه ، وروايته عنه ، فالمتوقع من كرم فلان إدام الله فضله ان يعرض هذا المكتوب ويلتمس منه أن يشرف البلدة بحضوره أياما قلائل ، وينيخ راحلته بعرصة داري ، فقد اعددت لها حجرة واسعة ، لطيفة المخرج والمدخل ، طيبه الأعلى والأسفل ، وهيأت في تلك الحجرة جميع ما يفتقر إليه الإنسان من المصاخ في مقامه ومحله ، ومبيته ومظله ، إلى ان نسمع منه هذا الكتاب المذكور ، فان تفضل بالإجابة إلي هذا الملتمس ، والأسعاف بهذا الفتوح ، طوقني منة لا أجهلها طول دهري ، ولا أذهل عن ذكرها مدة عمري))

وكذلك يذكر في رسائله استعارة نسخة من شعر الخازن ، احد شعراء ((اليتيمة )) ليصحح عليها نسخة عنده محرفة ، واستعارة نسخة من " أساس البلاغة " مقروءة على المؤلف ليصحح نسخة عنده ايضا ، وإرسال نسخة من كتاب " مجمع البحرين " إلى بعض القضاة ليصححه

وقد اتهمه بعض كبراء مرو بأنه أخذ كتبه حينما

اغارت جيوش أتسز على مدينة مرو وكان رشيد الدين في العسكر ، فكتب إليه رسائل يبريء نفسه من هذه التهمة ، ويقسم بكل محرجة من الايمان انه ما فعل ، ويقول : " هأنا قد أتاني الله تعالى من الوجه الحلال قريبا من ألف مجلدة من الكتب النفيسة ، والدفاتر الفائقة ، والنسخ الشريفة ، وأنا وقفت الكل على خزائن الكتب المبنية في بلاد الاسلام ، عمرها الله ، لينتفع المسلمون بها ؛ ومن كانت عقيدته هكذا كيف يستجيز من نفسه ان يغير على كتب امام من شيوخ العلم انفق جميع عمره حتى حصل اوراقا يسيرة لو بيعث في الأسواق لما أحضرت بثمنها مائدة لشم ؟ ! " .

_٣_                                                                               وكان رشيد الدين كما قدمت في شغل من ديوان الإنشاء ، وصحبة ملوك خوارزم في السفر والحضر ، فلا يفرغ لتأليف الكتب .

ويمكن إجمال آثاره فيما يأتي :

١ - كتاب حدائق السحر في دقائق الشعر وهو كتاب في البديع فيه كثير من الأمثلة الفارسية والعربية وسمادج كثيرة من نظمه ونثره ، وهو عظيم الجدوي على المشتغلين بالأدبين العربي والفارسي . وقد طبع الكتاب في طهران

٢ - ورسائله العربية وهي زهاء مائة وخمسين رسالة منها الطوال والقصار ، وقد طبعت في القاهرة .

وديوانان عربي وفارسي لم يطبعا .

٤ - ورسائله الفارسية وهي متفرقة في دور الكتب لم تطبع

٥ - وكلمات مجموعة من أقوال الخلفاء الراشدين ، وهي أربع رسائل صغيرة :

الأولى - تحفة الصديق إلي الصديق من كلام أبي بكر الصديق .

والثانية - فصل الخطاب من كلام عمر بن الخطاب .

والثالثة - أنس اللهفان من كلام عثمان بن عفان .

والرابعة - نثر اللالي من كلام أمير المؤمنين على

وتسمى أيضا مطلوب كل طالب من كلام على بن أبي طالب ، أو مائة كلمة وقد ترجمت إلي الفارسية ، وشرحت وطبعت .

وقد أهدى الثلاث الأولى لأبل أرسلان ، والرابعة لابنه محمود .

٦ - وسبع رسائل فيها جمل من كلامه جمعها لبعض الملوك والكبراء

- ٤ - واعظم اثار رشيد الدين رسائله العربية ، ويعرف منها مجموعتان : الأولى الرسائل التي طبعها في القاهرة محمد افندي فهمي سنة ١٣١٥ ه . وهي زهاء مائة وخمسين رسالة .

والثانية ( مجموعة ) تسمي " أبكار الأفكار " وتشتمل على عشر رسائل عربية وعشر فارسية وعشر قصائد عربية واخري فارسية وقطع صغيرة عربية وفارسية

وفي دار الكتب من هذه المجموعة عشر الرسائل العربية فقط . وبعض هذه الرسائل مندرج في المجموعة المطبوعة .

ويؤخذ من الرسائل ان الكاتب جمعها في حياته ، فهو يذكر في رسالة إلي احد القضاة انه يهدي إليه في عيد الأضحى مجلدة من رسائله العربية .

ورسائل رشيد الدين كرسائل كبار أدبائنا : البديع والخوارزمي والصابي وابن زيدون واضرابهم ، صور واضحة من الجماعة التي عاشوا فيها : ادبها وسياستها واخلاقها وعاداتها . فهي إجدي علي مؤرخ الأدب من الشعر واكثر إمتاعا للقارىء ؛ تحدثه عن وقائع عامة وخاصة

وتريه بعض ما كان بين الناس من شقاق ومودة ، وتعاون وتخاذل ، ومساءلة ومناظرة ، وهلم جرا ؛ ومهما زخرفت القول وزينت الصور فهي لا تخفي ما وراءها من حقائق . بطلع قارئ الرسائل على طرف مما كان بين ملوك خوارزم والخلفاء العباسيين وملوك السلاجقة :

نجد رسالة إلي الخليفة المقتفي لأمر الله ( ٥٣٠ - ٥٥٥ ه)على لسان ملك خوارزم ، يغلو في تعظيم الخليفة ويشكو إليه فعل السلاجقة بأرضه وبلاده ويسأله منشورا بالولاية على اقاليم خوارزم ، يقول :

" ويرجو العبد من حسنات تلك الحضرة الزاهرة . ان يصدر عنها باسمه ، منشور برسمة ، على ولاية خوارزم جانبيها ، شرقيها وغربيتها ، وما ينضاف إليها ، وينعطف عليها ، من بلادها وديارها ووجبالها وقفارها ، وسهولها وخزونها ، وبحارها وعيونها ، وأغوارها وتجودها واطرافها وحدودها ، وان يوضح ذلك ويحلي بالتوقيع الأشرف الأعلى ليكون ذلك مرغمة لأنوف الحاسدين . ومكسرة لقلوب القاصدين ، وتنقطع بيمن ذلك العهد اطماع العدو من ديار العبد وبلاده ، وتدفع عنها اسباب شره وفساده . ويبقي بذلك للعبد واخلافه فخر مؤيد وذخر مخلد " .

وفي رسالة أخري للخليفة نفسه نجد ملك خوارزم يعتذر عن القعود عن زيارته بمجاورته الأعداء يقول : " واعظم تلك العوائق واكبرها ، وأوضحها واظهرها ، ان خطة العبد لصيقة ببلاد الشرك من ديار الترك ، والعبد في أكثر اوقاته واغلب حالاته ، مشغول بمحاربة اعداء الدين ومقارعة احزاب الشياطين ، يذل صعابهم ويفل انيابهم ، ويرد عن بحبوحة الإسلام خيلهم وركابهم . ولو غاب العبد عنها مدة يسيرة لم يأمن أهلها مضرة الكفرة ، ومعمرة أولئك الفسقة الفجرة " . ثم يشكر الخليفة على الخلع التي ارسلت إليه : " واما الخلع الحاصلة للعبد والتشريفات

الواصلة إليه من المواقف المقدسة - قدسها الله - فقد هزت عطفه وشدت ازره ، واطلعت نجوم فخره بعد اقولها ، وكللت رياض عيشه بعد زيولها ، وعرضها العبد على كل حاضر وبار ، ونادي عليها في كل محفل ونار ؟ الخ

هاتان الرسالتان ورسائل أخري تبين عن صلة هؤلاء الملوك بالخلفاء العباسيين ومكانة الخلفاء - وإن لم يكن لهم حول ولا طول - في نفوس السلاطين المعاصرين ، وفيها للمؤرخ مجال .

وإذا تركنا السياسة جانبا وجدنا في الرسائل أمورا أخري اجتماعية وأخلاقية وعلمية تكشف بعض جوانب العصر

ففي رسالة إلي أبي البركات البغدادي يطلب منه انتخاب طبيب لخوارزم يدرس الطب بها . يقول بعد أن يصف تبدل الحال في خوارزم وقلة العلم بها :

" والأن مست حاجتها إلي طبيب مغلق ، ونظامي محقق ، يخلع بخوارزم نعله ، ويطرح بأرجائها رحله ، لينتفع المسلمون بقوله وفعله ، ويقتبس المتعلمون من علمه وفضله ، ولأجل هذا الهم أصدرنا هذا المثال ، وأرسلنا فلانا ادام الله سعادته ، وهو الموصوف بالتدين والمعروف بالتصون ، وله في حضرتنا حقوق الطاعة ، وسوابق الخدمة ، فالتوقع من الطاف أفضل العالم أدام الله فضله يختار من جملة تلامذته المنتمين إليه القارئين عليه ، إنسانا فاضلا وأقفا على قوانين الطب ، مطلعا على أسرار الحكمة ، متقدما في حلبات الفضل ، مستوليا علي قصبات السبق ، متسما يحسن السيرة ، متصفا ببقاء السريرة ، ويبعثه إلينا في صحبة موصل الخدمة لتسلم إليه دار ادوية خوارزم بأوقافها ومرافقها . ونضم إلي ذلك من ديواننا وظيفة سنية زيادة في الإحسان والإنعام ، وإظهارا لاثر الإعزاز والإكرام . وأنفذنا على يدي حامل المثال شيئا يسيرا ينفقه السعي لهذه الخدمة في مصالح الطريق ،

وفي رسالة اخرى للإذن بصلاة الجمعة في قرية يقول " وأذنا له أن يقيم بتلك البقعة صلاة الجمعة إلي أن يقول : فعليه - أدام الله تقواه - ان يعين المصلي ويضع المنبر ، ويختار خطيبا مصفعا يحسن الخطبة ويتقن القراءة ، ويبرز في الجمعات للناس ، في الملابس السود علي سنة بني العباس ، فانهم الخلائف المقتدي بآثارهم ، والأئمة المهتدي بأنوارهم "

كما نجد رسالة طريفة جدا يوبخ فيها كاتبا على كثرة استعارته الدواة والقلم ، ويضرب له مثلا قصة المكاري والحمار وهي رسالة طويلة . سأنشرها علي حدة .

ونجد الكاتب يرسل إلي بعض الأئمة بلومه علي المكث في دار رجل زيادة على مدة الضيافة يقول : " قال اصحاب العرف : الزيارة ساعة والضيافة ليلة . وقال أصحاب البطش والجلاد : الغارة ثلاثة أيام لات ثلاثة أعوام ، وما جاوز هذه فهو عقوبة من العقوبات التي صب الله تعالى إسواطها على المفسدين من الأمم الخالية ، والمشركين من القرون الماضية كقوم نوح وقوم لوط وغيرهم من الظلمة الكفرة ، والفسقة الفجرة . وأنا لا أدري نزول سيدنا - أدام الله جماله - بدار فلان أعزء الله من أي واد هو ! فإن كان زيارة فقد فنيت مدتها ، وإن كاي ضيافة فقد بليت جدتها ، وإن كان غارة فقد كثرت لياليها وإيامها ، وكبرت اوزارها وأثامها ، وإن كانت - والعياذ بالله - عقوبة ، فالصفح الصفح والعفو العفو ، فقد أربت أنواعها على العد ، وخرجت أصنافها عن الحد . ليرفق بفلان أعزه الله ، وليترحم على رقة حاله ، وقلة ماله ، وعويل عياله ، وبكا ، اطفاله . وليتحول من داره إلي منزل آخر ، ودار أوسع منها وأعمر " .

فلما أحجاب المكتوب إليه ، يذكر اختلال أحواله وتنكر الأيام له ، واضطراره ان ينزل على حكم الأبام من الفقر بعد الغني ، والذل بعد العز ، كتب رشيد الدين يعتذر ويقول :

والذي بيده مفاتيح الغيب ، وله الذات المنزهة عن

العيب ، والآيات المطهرة عن الريب ، لقد بكيت عند قراءته بكاء ولا بكاء الغريب على بلده ، والتكلان على ولده ، وليس له - أدام الله علوه - عند ذكر منازله ومبانيه ، وشرح معاهده ومغانيه ، حاجة إلي إقامة شاهد ، وإحضار مشاهد ، فأنا جهينة تلك الاخبار ، وحذيفة تلك الاسرار ، عانيت صفته وغديره ، وشاهدت خورنقه وسديره .

" وأنا ما كتبت - وحق صحبته الكريمة ، ومحبته القديمة - تلك الخدمة للتعيير والذم ، ولا للتوبيخ واللوم ، وإنما كتبها للنصيحة الصادرة عن قلب صاف ، وحب وأف ، تمسكا مني بذري رتبته أن تنخفض ، وإشفاقا على قوي حرمته ان تنتقض . فإن المرء ، وإن كان جميل الذكر ، جليل القدر ، إذا اطال المقام في بيت غيره هان في عينه ، ونقل على قلبه ، وصغر إلي نفسه ؟

وإذا نظرنا إلي الجانب الادبي وجدنا وصف اديب ، أو نقد شعر ، أو تزييف شاعر ، انظر كيف يكتب إلي بعض الشعراء يقول :

" مثل هذا الشعر بالفقد ، أولى منه بالنقد ، لما في اثنائه من وصمة الاختلال ، وهجنة الانتحال ، وبظني ، بل يقيني ، ان بعض صبيان المكاتب عجم نبعه ، وامتحن طبعه بنظم هذه الأبيات ، وتلفيق هذه الكلمات عصمنا الله من هواجس المجانين ، وصاننا من وساوس الشياطين ، والسلام " .

ويقول في رسالة أخري : " عادة الأحداث الأعمار انهم يسرقون ابياتا من دواوين شتى ثم يتصرفون فيها تصرف الأجنبي في مال غيره ، ويعملون منها شعرا متكلفا باردا ، معتل اللفظ والمعني ، مختل الأساس والمبني .ثم بعد هذا كله يكتبون علي صدر الشعر اسم فحل من فحول الشعراء ، ويبعثون به ، إلي ، طالبين مني التنبيه علي صالحه ( البقية على الصفحة التالية )

وفاسده ، ومستقيمه ومائده ، ظنا منهم أني إذا رأيت امم ذلك الفحل على صدر الشعر ، لم اجتري على ترييف باطله ، ولم أتجاسر على نهجين عاطله . أو ليسوا يدرون أن الناقد البصير ، والعالم الخبير ، لا ينظر إلي من يقول ، بل ينظر إلي ما يقال ؛ فقد يسمع القول وفيه طائل من صبي جاهل فيستحسنه ، وقد يسمع القول وفيه باطل من شيخ فاضل فيستهجنه ، اعتمادا على وفور بضاعته ، وتمويلا على مهارته في صناعته ، والسلام " .

وهكذا يتنقل قارئ الرسائل الرشيدية بين صور شتي من معارف القرن السادس وأدابه ، وسياسته وأخلاقه وأمل لنا عودة إلي هذا الموضوع إن شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية