الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 778الرجوع إلى "الرسالة"

٢ - شاعرية أبي فراس

Share

٢ -  ومؤلف (شاعرية أبي فراس) الأديب نعمان ماهر الكنعاني الرئيس في الجيش العراقي. ويسرنا أن يقبل على البحث والتأليف ضباطنا العرب كما يفعل الضباط في البلاد الغربية، ولا يقتصروا على دراسة عملهم الذي اختصوب به فإن مشاركتهم في المعرفة بحثاً وتأليفاً أمر ضروري لهم أولا ومفيد لغيرهم ثانياً. فإن المشاركة تفتق أذهانهم، وتخصب حياتهم وتبصرهم حتى بعملهم العسكري، وتجنبهم الجفاف العقلي والنفسي وتملأ فراغهم بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالخير. هم في حاجة المعرفة ولاسيما الأدبية التي هي قسط مشترك، لأنهم (ناس) أولاً (وجنود) ثانياً، ولا غِنى للإنسان إنساناً وجندياً في هذا العصر المعقد المستنير من المعرفة ولاسيما الأدبية لأن الأدب هو التعبير عن الحياة، ولهذا نرحب بهذه الرسالة من ضابطا الأديب ونتمنى له ولأمثاله مزيداً من البحث والتأليف. تتضمن الرسالة إهداء ومقدمة وبحثاً في (شاعرية أبي فراس) ومختارات من شعره.

فأما الإهداء فلجيش العراق، ولا عجب فالموضوع شاعرية (جندي) قضى عمره القصير في خوض الحروب والأسر بسببها وأما المقدمة فكاتبها الدكتور المحقق المعروف مصطفى جواد، وهي (كلمة في أدب القرن الرابع) وربما كانت هي ذاتها مفيدة ولكن لا موضع لها في الرسالة، وقد كان حرياً بالدكتور جواد أن يجعل سبباً بينها وبين موضوع الرسالة أو مؤلفها كأن يستبدل بهذا الحشو المضطرب الزائد بياناً لمنزلة أبي فراس بين أدباء عصره أو شعرائه خاصة، أو يلقي ضوءاً على حوادث عصره المتصلة به - ولاسيما أن الرسالة خالية من ذلك - تستبين فيه منزلة الشاعر أو بيئته التي نشأ فيها، أو كأن يعرف القراء بالمؤلف أو يجلي منهجه في كتابه أو ما إلى ذلك. بل لو اقتصر الدكتور - هو الباحث اللغوي النحوي الذي طالما سوَّد الصفحات في الكتب والصحف والمجلات عرضاً يتتبع المؤلفين

بالتزييف - على تصحيح أخطاء الرسالة لكان فيه بلاغ. وأما البحث فهو - فيما نعلم - أول بحث مستقل في موضوعه، وهو خال من الحشو والفضول، وإنه ليدل على فهم (جندي) مستقيم مستقل يتأذى إلى غرضه بحزم وثقة دون أن يعتوره تردد ولا التواء.

والبحث مقسوم عشرة أقسام أولها في أسلوب أبي فراس، وثانيها في معانيه المبتكرة، وثالثها في موضوعات شعره إجمالاً والموازنة بينها من حيث إجادته وكثرة قصائده فيها وهو يرتبها هكذا نازلاً: الفخر فالعزل فالمدح فالوصف فالرثاء فالحكمة. ويذكر أن هجاءه كان نادراً وبين أسباب ذلك كله، ورابعها في فخره، وخامسها في مديحه، وسادسها في وصفه الطبيعة والمعارك، وسابعها في غزله، وثامنها في رثائه، وتاسعها في حِكمه وأمثاله، وعاشرها في أسره ورومياته التي قالها في أسره شاكياً أو مستعطفاً أو عاتباً أو ثائراً، وفي خلال ذلك أحكام لا نوافق على كثير منها وإن كنا نقر بعضها ونطمئن إليه.

وأما المختارات فقد أحسن اختيارها شواهد على أقسام البحث: أولها خمسة طويلة من (رومياته) متممة للقسم العاشر وتليها ستة (متفرقات) قصيرة شواهد على الأغراض الأخرى والبحث (مدرسي) في منهجه ودراسته، ومن أجل ذلك جاء (خفيفاً) سهلا بسيطاً. وإذا كان لم يعطنا (صورة) ولا (ترجمة) حيَّة نابضة لشخصية أبي فراس من خلال دراسة شاعريته في شعره وهو (ديوان شخصيته) فقد رسم أمامنا خطوطاً بارزة من هذه (الصورة)، وعين لنا معالم واضحة من هذه (الترجمة) وكشف لنا كثيراً من العواطف والآمال التي كانت تصطرع وتمور في قلب هذا (الجندي) الطموح، وفي هذا بلاغ أي بلاغ من ضابطنا الأديب. ولعله معيد النظر بعد في رسالته في ضوء (ديوان أبي فراس) في طبعته الجديدة التي أخرجها منذ أسابيع الدكتور محمد سامي الدهان، فإنها أوفى بمطلوبه لزيادة نصوصها، وصحة ضبطها، وفهارسها المفصلة، وخلوها من عيوب الطبعة القديمة التي شكاها ضابطنا الأديب في مطلع بحثه، وإنا لآثار قلمه الناضج إن شاء الله منتظرون. القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية