وكان يدفعه إلى الاقتناع بهذا الرأى دوافع : الأول أن قادة الرأى فى فرنسا أخطأوا فى الأعوام الأخيرة ، فحولوا ما كان فى فرنسا من اختلاف ، بل حولوا الحرب نفسها إلى جهاد حول الرأى لا حول المنافع ، ووصلوا قضية الديمقراطية الدولية بما كانوا ينتظرون من انتصار فرنسا وانجلترا . وقد وقعت الهزيمة وخسرت الديمقراطية ، فيجب أن تدفع ثمن هذا كله ، ويجب أن ترفض فرنسا هذه العقائد التى قادتها إلى
التهلكة ، ويجب أن تذهب الجمهورية القائمة على تضليل الشعب ، ليحل محلها نظام يقوم على السلطان القوى ويحمى تقاليد فرنسا التى تتصل بالحرية الشخصية ، ولكنه يعتمد على المبادئ التى تستطيع وحدها أن تقبل فرنسا من عثرتها ، وهى مبادئ العمل والأسرة والوطن . ˒˒" وأول مرة رفع فيها المسيو بيير لافال النقاب عن مشروع السلطات المطلقة الذى عرض على الجمعية الوطنية كانت فى بوردو ، حيث كان الوزراء يجتمعون فى الصباح
والمساء تقريبا . فقد تحدث عن هذا المشروع على أنه طبيعى لا بد منه ، يعرفه الناس جميعا ، ويتحدثون عنه ، ويقرونه . على انه لم يقل شيئا دقيقا ، ولم يطلب إليه أحد ذلك )) .
فلما تم وضع المشروع فى فيشى تدخل الماريشال ليعرض الأمر على مسيو لوبران ، فكان ما أراد . ولكن لننظر كيف استشير مجلس الوزراء فى شىء من الاهمال والازدراء ، إن صح هذا التعبير ، فقد قدم مسيو لافال نص المشروع فى آخر الجلسة وقال :
˒˒ إنى أعتذر لأنى لا أستطيع أن آذن بالمناقشة فى هذا الموضوع ، فهناك ستون من أعضاء مجلس الشيوخ ينتظروننى لأقدم إليهم بعض المعلومات وبعض الايضاح ))˓.
˒˒(( فلم يقل أحد شيئا ))˓، فيما يروى مسيو مونتينى ، ولكن لاحظ مسيو لوبران من الغد أن مناقشة ما لم تثر حول هذا الموضوع ، وسأل أحد الوزراء : هل هدأ مسيو لا فال المحاربين القدماء الذين كانوا يشعرون بشىء من القلق ، ويطلبون شيئا من الاطمئنان ؟ فلما أجيب على هذا السؤال بنعم وافق المجلس على المشروع . ˒˒(( وكذلك أخذ دستور سنة ١٨٧٥ فى الاحتضار ، كأى مرسوم من المراسيم فى طريقه إلى الالغاء ))˓.
وقد كان البادئ : بهذا الالغاء إذا هو مسيو لافال ، ولكنه احتاج إلى جهد متصل ليصبح الالغاء حقيقة واقعة ، كما قال مسيو مونتينى . وقد استمر يطعن على النظام القديم فيما يتصل بالسياسة الداخلية (( فما دامت الديمقراطية البرلمانية قد أعلنت الحرب على النازية والفاشية ، وخسرت هذه الحرب ، فيجب أن تزول ، ويجب أن يقوم مقامها نظام جديد جرىء اجتماعى قومى )) .
هذه هى الغاية التى كان يسعى إليها مسيو لافال ، فلننظر فى الوسائل . ومن المعروف أن الدستور الجديد
الذى كان يراد وضعه لفرنسا لم يكن يجب أن تقره الجمعية الوطنية ، وإنما كان يجب على هذه الجمعية أن تمنح الحكومة سلطات مطلقة لتتم فى حرية كاملة ما يراد من الاصلاح . وكان مشروع القانون الذى يتألف من مادة واحدة قد صيغ فى هذا النص :
˒˒(( تخول الجمعية الوطنية حكومة الجمهورية الفرنسية التى تعمل بإشراف الماريشال بيتان رئيس الوزراء وإمضائه السلطة الكاملة لتصدر فى قانون واحد أو فى قوانين متعددة الدستور الجديد للدولة الفرنسية ، ويجب أن يضمن هذا الدستور حقوق العمل والأسرة والوطن . ويجب أن تقره المجالس التى تنشأ بمقتضاه )) .
وكانت الصعوبة فى طريق ذلك هائلة ، فان هذا المشروع لم يكن يطلب إلى الجمعية الوطنية أقل من أن تنتحر . ومن السهل أن تقدر المقاومة التى لم يكن بد من مواجهتها والانتصار عليها . وكان هذا المشروع أيضا يطلب إلى البرلمان أن يحتمل جهرة بهذه التضحية الهائلة تبعة الهزيمة والانهيار ، مع أن من المحقق أن بعض التبعات فى هذا إنما كانت تقع على هيئات أخرى غيره ؛ وكان مسيو لافال فى كل هذه المدة يطلع الماريشال على محادثاته ومفاوضاته مع من كان يحادثهم ويفاوضهم من أعضاء البرلمان .
ويلح مسيو مونتينى فى شئ كنا نحب ألا نعرفه ، وهو الاحتفاظ بالبرلمان القائم حتى يتم إنشاء المجالس التى تقوم مقامه بمقتضى الدستور الجديد ، والانتظار بانشاء المجالس الجديدة حتى يأتى اليوم الذى يستطيع الفرنسيون فيه أن يصوتوا أحرارا بعد أن تمضى معاهدة الصلح .
وكذلك استطاع مسيو لافال صاحب المشروع أن يقنع الماريشال بمشروعه ، وقد أصبح ممثلا له أمام البرلمان ، ثم هو استطاع بواسطة مفاوضاته أن يصبح
ممثل البرلمان أمام الماريشال . ولم يذهب الماريشال قط إلى البرلمان ، وإنما كتب إلى المسيو لافال هذه الرسالة ليقرأها على الجمعية الوطنية :
˒˒(( لما كان من العسير على أن أشارك فى جلسات الجمعية فانى أرجو منك أن تمثلنى فيها . ويظهر لى أن إقرار المشروع ضرورى لسلامة البلاد )) .
وقد تكلم المقرر فى الجمعية الوطنية مسيو بوقان شانبو بكلمات حكيمة يحسن تسجيلها . وكانت هذه الكلمات فى الراجح مظاهرة إفلاطونية ولكن لها دلالتها . قال : ˒(( لن نودع دستور سنة ١٨٧٥ فى غير حزن . فقد جعل من فرنسا بلدا حرا ، بلدا كان الناس يستطيعون أن ينغمسوا فيه مرتاحين ، وأن يجدوا لأنفسهم فيه القوة والدعة فى وقت واحد . وهذا الدستور يموت الآن ؛ ولا يأتيه الموت من نقص فيه بمقدار ما يأتيه من نقص الكفاية عند الذين قاموا على تنفيذه (تصفيق حاد) بل من الممكن أن نتساءل : أليس يأتيه الموت لأنه لم ينفذ ؟ ))˓(تصفيق) .
وقد ألقى مسيو لافال أمام الجمعية خطبة طويلة نجتزئ منها ببعض العبارات المهمة :
˒˒(( إن أعظم الجرائم التى اقترفت فى بلادنا منذ وقت طويل هى من غير شك إعلان الحرب ، وإعلانها من غير أن تستعد لها من الناحية العسكرية ومن ناحية السياسة الخارجية ... وأخص ما أفسد النفس الفرنسية إنما هو الذهب الأجنبى ... ويقول بعض الناس إن المشروع الذى تقدمه الحكومة ليس إلا استمرارا للنظام البرلمانى . وأما أعلن أن هذا ليس من الحق فى شىء ، لأن هذا المشروع قضاء لا على النظام البرلمانى وحده بل على عالم باسره قد كان من قبل ولن يكون منذ اليوم ))˓.
ويجب كذلك أن نسجل تدخل مسيو فلندان لأن
النص الذى صدر عنه والذى سنثبته إنما هو تفصيل لكلمة من كلمات مسيو لافال . قال مسيو فلندان : (( فى هذه الأيام - ولا سيما منذ إمضاء الصلح الأخير - انتشر على هذه البلاد - وعلى بلاد أخرى أيضا - ظل جديد هو ظل المال ، الذى أفسد كل شئ ))˓.
هنالك اشتد النزاع بين الحكومة والمحاربين القدماء الذين كانوا قد قدموا مشروعا معاكسا لمشروع الحكومة . وقد أعلن مسيو لافال أنه لا يقبل هذا المشروع ، ولكنه غير الجملة الأخيرة من مشروعه فأصبحت كما يأتى : (( تقر الأمة الدستور الجديد وتنفذه المجالس التى تنشأ بمقتضاه )) . ثم أقر المشروع بأغلبية ٥٦٩ ضد ثمانين وكان مجموع الأعضاء ٦٤٩ .
وكذلك يقرر مسيو مونتينى فى عباراته الخطيرة أن الماريشال بيتان قد عاش مستخفيا او كالمستخفى فى كل الأطوار التى مر بها هذا الانقلاب . وكسب مسيو بيير لافال - على رغم ما كان يشعر به بعض الناس من الخوف ، وعلى عكس ما كان يشعر به بعض الناس من الأمل - قضية كان هو وحده الذى أثارها ، على رغم ما قدم له من النصح بالاحتياط ، وعلى رغم ما كان عند كثير من الناس من الشك وعند كثيرين آخرين من العداء .
وكذلك لا تدهش حين ترى أن القانون الدستورى الأول الذى يجعل الماريشال بيتان رئيس الدولة لم يكد يصدر حتى تبعه من الغد القانون الرابع الذى ينص على ما يأتى : (( إذا حيل بيننا وبين النهوض بأعباء رئيس الدولة لأى سبب من الأسباب قبل أن تقر الأمة الدستور الجديد ، نهض مسيو لافال مجلس الوزراء بهذه الأعباء بحكم القانون )) .˓وهذا الاختيار الاستثنائى الذى خص به مسيو لافال يجد ما يعلله فى الدور الذى لعبه حين جعل نفسه فى أوقات متتابعة وفى وقت
واحد أحيانا رسول الماريشال إلى البرلمان ورسول البرلمان إلى الماريشال ، كذلك يقول مسيو مونتينى .
بعد ذلك الوقت أقصى مسيو لافال عن الحكم ، وكان معنى هذا الإقصاء كما يقول (( الجورنال دى جنيف ))˓أن الماريشال بيتان قد أنبأ العالم بأن مبدأ التعاون مع ألمانيا قد عدل عنه ، لأن مسيو لافال كان الممثل لهذا المبدأ ، فإقصاؤه دليل على العدول عن مبدئه .
وقد أثيرت مسائل قليلة أثناء المناقشات فى الجمعية الوطنية ، فقد كان يراد أن يقضى الأمر ، وأن يقضى سريعا . وسترى بواسطة مسألتين أثيرتا أن الصمت المطلق قد كان أنفع وأجدى . فمن المحقق أن نظاما ما من نظم الحكم لا يثبت ثباتا حسنا أمام الهزيمة . ولكن بعض الناس قدروا أن أغلاطا قد ارتكبت ، ويجب أن يعاقب أصحابها ، وفى تنفيذ هذه الخطة التى لا تخلو من حرج يخشى مع الأسف أن يجد الانتقام السياسى سبيله إلى النفوس . وقد دافع مسيو تيكسييه فيينيا كور فى التاسع من شهر يوليو فى مجلس النواب عن اقتراح يقضى بأن تحقق التبعات العسكرية والإدارية والسياسية التى أدت إلى الكارثة ويعاقب أصحابها . ولم تطل مناقشات المجلس فى هذا الاقتراح يومئذ ، ولكنا نجد فى تصريح المسيو برجريه أمام الجمعية الوطنية - ستعرض له فيما بعد - الجملة الآتية : (( ربما كان من الخير أن نؤجل البحث الرسمى عن التبعات إلى أن يأتى اليوم الذى يوجد فيه سلطان قوى لا يخيفه عدد المسئولين ومكانتهم ، فهؤلاء المسئولون لا يوجدون بين أعضاء البرلمان وحدهم ، ولكنهم يوجدون فى كل الادارات العامة ، وفى الجيش نفسه ؛ ولكن البحث عن التبعات لا يصح أن يؤجل إلى أمد بعيد ))˓.
فمنذ اليوم يجب أن نظهر الخطط التى نشأت عنها هذه التبعات فى الناحية التى تعنينا ، وهى ناحية السياسة ،
وأن تظهر ذلك فى انتظار البحث عن أصحاب هذه الخطط . ومعروف أن حكومة الماريشال بيتان قد أنشأت فيما بعد محكمة عليا لتكشف عن التبعات التى نشأت من إعداد الحرب وإدارتها ، ولتعاقب أصحاب هذه التبعات . وفى الحق أن الموضوع خطير يستحق التساؤل ، فقد يظهر أن هناك تسابقا فى نسيان الحقائق ، وتهالكا على إرضاء الأحقاد المختلفة . ومع ذلك فالأمر لا يتصل بالسياسة ، بل هو لا يتصل بالأفكار المجردة ، فقد وقعت كارثة ويجب أن يسأل عنها العسكريون وقد أثير كثير من الجدل حول انتصار المارن بين أنصار جوفر وجلينى ، ولم يفكر أحد ما فى أن يضيف فضل هذا الانتصار إلى البرلمان . ويجب على ربان السفينة أن يقدم إلى المحكمة البحرية حسابا عن سفينته إذا فقدت مهما تكن الظروف . فنحن نعتقد إذا فى غير تحيز أن على القائدين العامين أن يتكلما ، وأن عليهما وحدهما أن يبرئا أنفسهما من التبعات ، وأن ينفقا هذه التبعات على أصحابها ، ولعلهما يستطيعان أن يعينا هؤلاء المقصرين ونود أن تثبت هنا وثيقتين تتصلان بنقطة خطيرة من هذا الجدال ، فقد أعلن الماريشال بيتان فى أحاديثه التى أذاعها الراديو : لقد كان ضعفنا فى أدوات الحرب أشد خطرا من قلة رجالنا المحاربين . وأعلن فى مكان آخر : إن فرقنا حاولت المقاومة على نهر الأبن وعلى نهر السوم ، دون أن يكون عندها شئ من الدبابات تقريبا .
وقد نشر الجنرال ويجان فى مجلة العالمين فى الخامس عشر من أكتوبر سنة ١٩٣٦ مقالا عنوانه ((˒الموقف العسكرى فى فرنسا ))˓. ولا بد من ملاحظة هذا التاريخ ، فقد كان ليون بلوم رئيسا للحكومة منذ أربعة أشهر . وهذا المقال لا يظهر الجيش فى حال تدعو إلى التفاؤل الشديد ، ولكنه بعيد كل البعد عن أن يصور حالة القلق والقنوط . فليس
هناك شئ يجب إنشاؤه لأن كل شئ موجود بالفعل . قد نهضت القيادة بواجبها فاستعدت ، ولم تنتظر أوقات الخطر . وقد أعدت الخطط منذ وقت طويل . وقد أنفقت هيئة أركان الحرب كل ما كانت تملك من براعة ومهارة لدرس هذه الخطط ، وعملت فى ذلك عملا صامتا طويلا مضنيا . ولكن إذا كان كل شئ موجودا بالفعل فقد كان كل شئ فى حاجة إلى التكملة ليتم التنظيم والاستعداد . ثم يقول الجنرال ويجان مشيرا إلى الشيوعيين : ((˒إن اتحادا يشمل أحزابا كانت إلى اليوم تأبى الموافقة على نفقات الحرب قد تم الآن ، ووافق على اهتمامات ضخمة للنفقات الحربية . وهذا شىء خليق بأن تغتبط به أشد الاغتباط . فهناك مهمة خطيرة سيمكن إتمامها ، وقد أظهرت الحكومة رغبتها فى أن تقوى عنايتها بالتوصية ، وتجدد التوصيات القديمة ... أما أدوات الحرب فقد قدمت الحكومة
مشروع قانون يقضى بتقوية الدفاع الوطنى ، وذلك بتحسين أدوات الحرب فى البر والبحر والجو والاستكثار منها ، وأول جزء من الاعتمادات المخصصة لهذا الغرض سيبلغ فى ميزانية سنة ١٩٣٧ أربعة مليارات .
ثم يقول الجنرال ويجان : إن من الخير أن يعلم الناس فى داخل فرنسا وخارجها أن جيشنا قوى منظم مدرب ، يشرف عليه فى جميع طبقاته جماعة من خيرة الضباط والقواد . وأن لهذا الجيش من القادة على اختلاف طبقاتهم جماعة يمتازون بتجاربهم فى الحرب ، كما يمتازون بهذا العمل المتصل الذى تدفعهم إليه الحاجة إلى الاطلاع على ما يقتضيه العلم والفن فى كل يوم من تطور أمور الحرب .
فالجيش الفرنسى هو الآن كأحسن ما يمكن أن يكون بالقوانين التى تنظمه ، والأموال التى ترصد للإنفاق عليه . (يتبع)
