الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 285الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - عبد الله نديم،

Share

كان مرة يجلس في قهوة ايام المولد الأحمدي سنة ١٢٩٤ ه ومعه طائفة من اصحابه ، منهم السيد على  أبو النصر الشاعر ، والشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري الأديب الماجن ، فطلع عليهم اثنان من الادباتية " .

والأدباتية طائفة من المتسولين يستجدون بأدبهم العامي ، وطلاقة لسانهم في الشعر ، وحضور بديهتهم عرفوا بالإلحاح في الطلب ، فإذا رددتهم اي رد اخذوا كلمتك على البديهة ، وصاغوا منها شعرا يدل على استمرارهم في طلبهم ، واستغواء ممدوحهم ؛ وقد جمعوا إلي طلاقة لسانهم وحضور بديهتهم منظرهم المضحك في ملبسهم وحركاتهم ، فزر خارج العمامة ، وطيلة تحت الإبط ، وحركات يدور معها زر العمامة كانه نحلة ، وتحريك لعضلات وجوههم كانهم قردة ، وهكذا . وسموا " ادباتية ، جمع سخرية لأديب . فمرا علي الحاضرين حتى وصلا إلي عبد الله نديم ، فقال أحدهما :

انعم بقرشك يا جندي    والإ  اكنا أمال يا أفندي

لحسن أنا وحياتك عندي         بقي لي شهرين طول جعان

فأجابه عبد الله نديم على البديهة :

اما الفلوس انا مديشي     وانت تقول لي مامشيشى

 يطلع علي حشيشي      أقوم أملص لك لودان

فرد " الآدباتي  ورد عبد الله نديم ، وظلا كذلك نحو ساعة ، ثم غلب الأدباتي فانصرف مهزوما .

ونقل السيد علي أبو النصر القصة إلي شاهين باشا كنج ، فاستطرفها جدا ، وخطرت له فكرة طريفة ايضا ، ان يقيم حفلا عاما ، يدعو فيه كبار الأدباتية والزجالين ويدخلون في مساجلة مع عبد الله نديم ، فيكون منظرا لطيفا ، ومحفلا ظريفا . ففعل ، ونصب سرادقا امام بيته ، واحضر رؤساء

هذا الفن ، وشرط عليهم انهم إن غلبوا كافاهم ، وإن غلبوا ضربهم ، فرضوا - واستمرت المساجلة نحو ثلاث ساعات ، غلب فيها النديم ، فكانت الحادثة سبب شهرته بين الأدباء والظرفاء .

لقد أخذ بعضهم عليه - فيما بعد - هذا الحادث ، وعيره به وقالوا   إنه رضي ان يقف موقفا يساجل فيه المتسولين ، وان يكون " أدباتيا " مثلهم ، ينازلهم ويغالبهم على ملأ من الناس ، فمثله مثل المصارعين أمام الزفة " ولا يرضي لنفسه هذا الموقف إلا وضيع النفس ساقط الهمة

والحق أن وضع المسألة هذا الوضع فيه كثير من التزمت والتعنت ، كالذي تعرض على مسامعه الفكاهة الحلوة فينتقد فيها خطأ نحويا أو لفظا لغويا ، وكمن ينتقد الشيخ الوقور على ما كان منه أيام الصبا ، والغني الواسع الثراء على ما كان منه أيام البؤس والشقاء ؛ فالمسألة لم تعد ان تكون طرفة لطيفة ، وفكاهة ظريفة ، وقوانين الظرف تبيح من البحبحة في مجالسه مالا تبيحه في مجالس الجد والوقار

* أخيرا عاد إلي مسقط رأسه بالإسكندرية سنة ١٨٧٩ م في نحو الخامسة والثلاثين ، وهو أكثر خبرة بالدنيا فيما لقي من عظماء ووجهاء وادباء ، وفيما رأي وسمع وعمل في القصر العالي أيام كان موظفا في تلغرافه ، وفي التجارة ايام تاجر وأفلس ، وبأخلاق الفلاحين ايام كان يعلم أولاد احد " عمدهم " ؛ ولكنه دخلها كما خرج منها صفر اليدين .

* عاد فرأي في الإسكندرية منظرا جديدا لم يكن أيام كان بها ، كانت المجالس الأدبية يوم فارقها تتحدث في غزل ابى نواس ، ووصف البحتري ، وهجاء ابن الرومي ، ومديح الشعراء في إسماعيل ، وفكاهات الشيخ علي الليثي ؟ فإذا انتقلوا من ذلك فإلي من عارض شعر هؤلاء من المحدثين ، وما انشأه الناشئون من سمار المجلس في مثل هذه الأغراض ؛ ولما عاد إليها وجد المجالس تتحدث في

نقد إسماعيل لإسرافه وتصرفه ، وفي الدول وتدخلها ورأي جمعية سرية تسمى " مصر الفتاة " يجتمع اعضاؤها فينقدون هذا كله في صراحة وحماسة ؛ والأدب يتحول فيأخذ شكل الكلام في الأمة ومصالحها ، وآلامها وأمالها ، ويحتل ذلك مكان غزل أبي نواس ، وشعر صريع الغواني ؛ والنفوس بفضل تعاليم " جمال الدين الأفغاني " وصحبه ثائرة تتطلع إلي نوع من الأدب غير الذي كان ، وتجد غذاءها في الصحف السياسية والمقالات النقدية ، فيشتغل في الصحافة من هذا النوع " أديب إسحاق " و سليم نقاش " في جريدتيهما " مصر " و " التجارة " ويمدهما جمال الدين وتلاميذه بمقالاتهم وإرشاداتهم .

فأعد عبد الله نديم نفسه للأدب الجديد والطلب الجديد ، وانغمس في هذا التيار ، وحول قلمه في هذا الاتجاه ، بمد هذه الصحف بمقالاته في مثل هذه الموضوعات ، فلقي من النجاح ما لفت إليه الأنظار . وكان له فضل كبير في إدراك أن الكتابة في الموضوعات السياسية إنما يناسبها أسلوب متدفق سريع مرسل لا يفيده السجع إلا قليلا ، لينسجم وحركات النفس المتحمسة الثائرة

وفكر مع بعض اصحابه من اعضاء جمعية " مصر الفتاة " أن يحولوها من جمعية سرية إلى جمعية علنية ، تعمل جهارا في الأعمال المشروعة ؛ وجد هو وصحبه يجمعون المال لها من اعيان الإسكندرية ، وسموها الجمعية الخيرية الإسلامية ) وهي غير الجمعية القائمة إلى الآن بهذا الاسم ( وكان من اهم اغراضها إنشاء مدرسة تعلم الناشئة على نمط غير النمط الجاف الذي تسير عليه مدارس الحكومة إذ ذاك ، فيضيفون إلى تعليم مبادئ العلوم بث روح الوطنية والشعور القومي بالامة ؛ وقد كان هذا غرضا جديدا دعا اليه الشعور القومي الذي كان في طور التكون .

وتم ذلك كله ، فجمع المال ، وانشئت المدرسة ، وجعل عبد الله نديم مديرها ، وافتتحها بخطبة رن صداها في الثغر ،  وكان ذلك في آخر ايام إسماعيل ، وأقبل عليها كثير من

أبناء الفقراء والأيتام ، ووضع لها برنامج يحقق الغرض وتكفل هو بتعليم الإنشاء فيها والأدب ، واخذ يمرن الطلبة على الخطابة والتمثيل ؛ وعلى الجملة نفخ فيها من روحه ، ولعلها أول جمعية مصرية إسلامية في مصر اسست لمثل هذا الغرض .

ثم وثق الصلة بين المدرسة والقصر ، وكان الخديو  إسماعيل قد عزل وحل محله الخديو توفيق ، فتقرب النديم إليه ، واستزاره المدرسة فزارها ، ورجاه ان تنسب الرياسة لولي عهده " عباس " فقبل واغرم بتعليم التلاميذ الخطابة ، فكان ينتهز كل فرصة لإقامة الحفلات يخطب فيها ، ويحضر الخطب لتلاميذه ليخطبوها ، ثم يمرنهم ان ينشئوا الخطب بأنفسهم ، ويصلح خطأها ويرشدهم ، فأسس بذلك نخبة يحسنون التحرير ، ويحسنون القول . ولم يكتف بذلك ، بل خرج بالمدرسة إلى ميدان الحياة العامة ، فكان يحضر بعض الروايات التمثيلية في نقد بعض العيوب الاجتماعية ، ويمثلها هو وتلاميذه في بعض الملاهي العامة ، من ذلك انه انشأ روايتين اسمهما " الوطن وطالع التوفيق " و " العرب " ومثلهما في " تياترو زيزينيا " حضرهما الخديو توفيق ، ونجح فيهما نجاحا اعلي ذكره

ولكن ظهر فساد في الجمعية نسبوه إليه ، ففصل من  المدرسة ومن الجمعية

عند ذاك اتجه إلي إنشاء صحيفة ، وحبب إليه ذلك  سابقة اتصاله بصحيفتي اديب إسحاق وسليم نقاش  ، ومرانه على الكتابة فيهما ، وشعوره بأن الناس أعجبوا بما كتب ، وانه كان يكتب فيستغل أصحاب الصحف مقالاته  مادة ومعنى ، فلا يؤجرونه على ما كتب ، وكثيرا ما يضنون عليه حتى بذكر اسمه في ذيل مقالاته ، بل يتركون القارئ يفهم أنها لهم ومن إنشائهم

فأخرج صحيفة سماها " التنكيت والتبكيت " وفي هذا الاسم دلالة على غرضه واسلوبه ، فهو يرمي إلى تانيب المصريين على ما وصلوا إليه ، في اسلوب قد يكون لاذعا وقد

يكون ضاحكا

وظهر العدد الأول منها في ٦ يونيه سنة ١٨٨١ ، ودعا فيه الكتاب ان يوافوه بمقالاتهم ونتاج قرائحهم على النهج الذي رسمه : " كونوا معى  في المشرب الذي التزمته والمذهب الذي انتحلته ، افكار تخيلية ، وفوائد تاريخية ، وامثال ادبية ، وتبكيت ينادي بقبح الحهالة ، وذم الخرافات ، لنتعاون بهذه الخدمة علي محو ما صرنا به مثلة في الوجود ، من ركوب متن الغواية ، واتباع الهوي الذين أضلانا سواء السبيل " .

وفي الحق أن هذه الصحيفة كانت عجبا في موضوعاتها  وأسلوبها .

انظر العدد الأول ، تجد تنكيتا وتبكيتا لأكبر المصائب التي كان يحسها ذلك العصر : مقال عنوانه مجلس طبي لمصاب بالأفرنجي وهي قصة شاب صحيح البنية ، قوي الأعصاب ، جميل الصورة ، لطيف الشكل ، في رقة ألفاظ وعذرية كلام ، وفي عزة ومنعة لا يشاركه فيها مشارك يلف حوله أهله يعززونه ويؤازرونه حتى لا تمتد إليه يد عدوه ولا حيل محتال وبينا هو في ذلك تسلل إليه احد الما كرين يتظاهر بالصلاح والتقوي ، ويضمر الختل والغدر فأسلمه أهله إليه انخداعا به فعرضه هذا الماكر على الأسواق يريه من الغواني من تعارض الشمس بحسنها ، وتكسف البدر بنورها ، فمانع حينا ، ولكنه رأي أهل بيته قد وقعوا في مثل هذه الغواية ، وانغمسوا في مثل هذه الضلالة ، فسار سيرهم ، وترك الصغار والإباء ، وسار في الطريق الذي رسمه المنافق الخادع ، فما سار فيه حتي أصيب بالداء الإفرنجي   الزهري ، فاصفر وجهه ، وارتخت اعضاؤه وذهبت بهجته ، وغارت عيناه ، وتشوه وجهه ، وتبدلت محاسنه بقبائح تنفر منها الطباع ، وتمكن الداء منه وسري في دمه وعروقه ، فصار يقلب طرفه لعله يجد من قومه من ينقذه من مرضه .

واجتمع الأطباء من قومه يفحصون الجسم ،

ويشخصون مرضه ، ويقفون علي أصله ، ويركبون الدواء ليقف سريان الداء ، وتعلق بهم اهل المريض يسألونهم الإسراع في معالجته ، والاجتهاد في دفع مصابه ، فطمأنهم الأطباء ونصحوهم بالهدوء والتحرز ممن كانوا السبب في الداء ، حتى لا يفسدوا العلاج ؛ وابتدأوا يعملون بمشورة الأطباء ويبذلون الجهد في معالجته  

وواضح أن هذه قصة رمزية ، أراد أن يصور فيها شعور الناس في هذه الفترة بعد ما كان من الإسراف في عهد إسماعيل ، ووقوع مصر في الديون الباهظة ، وتدخل الدول الأجنبية ، من مراقبة ثنائية وإنشاء صندوق الدين ، وما إلي ذلك ، كما يصور بها الم الناس من هذا المرض  الأفرنجي ، وأملهم في النجاة منه بسعى عقلائهم ، وتفكير أولى الرأي فيهم - كل ذلك في أسلوب روائي مفهوم .

قد كانت هذه المسألة هي صميم المسألة المصرية ، ومشكلتها الكبرى ، فبدأ بها على هذا النحو ، وعالجها هذا   العلاج ؛ وكان بارعا في التورية بكلمة الداء الافرنجي .

ويلى ذلك مقال في " عربي تفرنج " يصف فيها شابا من صميم الفلاحين ، تعلم في مصر ، ثم في أوروبا ، وعاد إلي بلاده يسفه أباه لما قابله على المحطة وقبله ، كيف يقبله ، ويطالبه أن يسلم عليه بيديه فقط ، ويكتفى بأن يقول له بن اريفيه " وينسي لغته ، حتى اسم البصل ، فهو لا يعرف إلا أن اسمه " اونيون " - ويختم هذا بالمغزي من القصة ، وهو أن لا أمل في مثل هؤلاء ، إلا إذا حافظوا على لغة قومهم وعاداتهم ، وصرفوا علومهم في تقدم بلادهم .

ثم يقص قصة موسرين اجتمعوا في بيت احدهم ، دخل عليهم فوجدهم ساهمين لا يتكلمون ولا يتحركون ، فظنهم يفكرون في امر خطير شغل اذهانهم ، وعقد لسانهم ، كتفكيرهم في تقدم الصنائع في أوروبا ، وكيف يفعل ذلك في مصر ، أو يفكرون فيما يزيد ثروتهم ، ويضمن التقدم في عملهم ؛ ثم يتبين بعد ذلك انهم إنما

اجتمعوا لتعاطي الكيف ، وأخذ " المنزول " ليكون الواحد مبسوطا لا يسأل عن الدنيا وما فيها ، فإذا ونن قام إلي مكان نومه ، وقضى ليلة سعيدة - وقال مالنا وللدنيا وما جري فيها ، ومالنا وللصحف والتلغرافات ، ونحن كلنا بحمد الله في غني عظيم ، عندنا الخدم الذين  يقومون بأعمالنا ، وقد خلف لنا آباؤنا من المال ما لا تفنيه الآيام - فلا نخرج من بيوتنا إلا للمسامرات بالضحكات والنكات اللطيفات .

ثم قصة ترمي إلي نقد ما كان يجري بين العامة من اجتماعهم  في القهوة ، وسماعهم للقصاص  الشاعر   ، وانقسامهم إلى معسكرين متعصب لعنترة ، ومتعصب لزغبة ، وما كان من أحدهم - وقد ختم القصاص الليلة بوقوع عنترة اسيرا - إذ ذهب إلي ابنه وأيقظه من نومه وأمره أن يقرأ في الكتاب حتي يخلص عنترة من الأسر ، وإلا مات كمدا ، فلما لم يعلمه ابنه وافهمه ان هذا تخريف في تخريف ، نزل عليه بعصاه حتى أدماه والجنون فنون

ويلي هذه قصة تمثل الفلاح الجاهل ، والمرابي الماكر ،  إذ اراد الفلاح ان يقترض منه مائة جنيه ، فاعطاه سبعين وكتب عليه " كمبيالة " بمائة وعشرين ، وحسبها كما يأتي : المائة فائدتها عشرون ، تخصم من المائة فيكون الباقي سبعين ، وتضم الفائدة فيكون عليه مائة وعشرون ؟ ويقتنع الفلاح بذلك لجهله بأبسط مسائل الحساب ، ثم يقدم الفلاح  للمرابى قطنا وقمحا ثمنهما الحقيقي ١٢٥ جنيها ، يحسبها المرابي بأربعين ، ويغالطه اغلاطا مضاعفة حتى يجعله مدينا بمائتى جنيه وعشرة ، كل ذلك والفلاح في غفلة لا يدري ما يصنع به فاذا عوتب المرابى على ذلك قال : ماذا اصنع ! إن الفلاح حمار . وانا اريد ان أكون غنيا كبيرا في خمس سنين !

ثم قصة غني كبير بني بيتا فخما ، وأثثه أثاثا بديعا ، وكان من اثاثه مكتبة كبيرة ، فلما أتم ذلك كله عرضه على

الزائرين ، فسأله أحدهم عن المكتبة وما تحوي ، ليعرف أي نوع من العلوم والفنون يهوي ، فقال الغني صاحب البيت : لقد دخلت بيت فلان وفلان فرأيت في مضيفة كل منهم خزانة كتب عليها ستارة خضراء وبجانبها منفضة من الريش ، والخادم كل يوم ينفضها ويمسح الزجاج والخزانة ، فعلمت ان هذا طراز جديد في بناء البيوت وتأثيثها ، فقلدتهم في ذلك ، ولا علم لي بعلم أو فن ، " وهكذا أصبح الكل نائما في غفلة التقليد "

نعم هذا كله في العدد الأول من صحيفة " التنكيت والتبكيت نقد للسياسة العامة للبلد ، ونقد للعيوب الاجتماعية الخاصة كل ذلك في أسلوب يسترعي الانتبهاه . فقد التزم اللغة البسيطة السهلة عن تفكير وروية ، فقال في فاتحتها : إنه لا يريد منها " أن تكون منمقة بمجازات واستعارات ، ولا مزخرفة بتورية واستخدام ، ولا مفتخرة بفخامة لفظ وبلاغة عبارة ، ولا معربة عن غزارة علم وتوقد ذكاء ولكن أحاديث تعودناها ، ولغة ألفنا المسامرة بها ، لا تلجيء إلي قاموس الفيروزابادي ، ولا تلزم مراجعة التاريخ ، ولا نظر الجغرافيا ، ولا تضطر لترجمان يعبر عن موضوعها ، ولا شيخ يفسر معانيها ؛ وإنما هي في مجلسك كصاحب يكلمك بما تعلم ، وفي بيتك كخادم يطلب منك ما تقدر عليه ، و نديم يسامرك بما تحب وتهوي

ثم هو يدرك أن في الناس خاصة وعامة ، وكل يحب  أن يقصد إلي تغذيته بالأدب وإشعاره بوجوه النقد ، لذلك يختار موضوعات الخاصة فيكتبها باللغة الفصحى كموضوع الداء الافرنجى فهو موضوع دقيق لا يقدر  قدره إلي الخاصة ؟ أما الفلاح والمرابي وسماعو القصاص فمكتوبة للعامة ، فيجب أن تكتب بلغتهم العامية . وهو في اللغة العامية ماهر كل المهارة ، يعرف امثالهم وانواع

كلامهم ، ويضع على لسان الخادم والسيد ، والمرأة والرجل ، والفقير والغني ، والماكر والمغفل ، ما يليق  به " في دقة وإحكام وظرف .

ثم هو قد فطن لشئ جليل القدر ، وهو ان التعليم والنقد من طريق القصص اجذب للنفس وافعل في النقد ، فأكثر منه بل كاد يلتزمه .

لذلك كله نجح في صحيفته ، ووصل نداؤها إلى أكبر عدد ممكن ، فمن كان قارئا قرأ ، ومن لم يكن قارئا سمع ففهم

ولم يكتف بذلك بل نراه في عدد تال يلتفت التفاتة لها خطرها في الإصلاح السياسي والاجتماعي ، وهي أن من اهم اسباب غفلة الشرق ضعف الخطابة ، وانحصارها تقريبا في خطب المساجد ، وهي خطب لا تمس الحياة الواقعة بحال من الأحوال ، وإنما هي عبارات دينية محفوظة ، ومعان  متكررة مألوفة ، لا تحرك قلبا ولا تضئ حياة

فتكتب مقالا قويا في قيمة الخطابة وأثرها في تاريخ الإسلام ، ودعا إلى ان يحضر خطب المساجد اعرف الناس بشؤون الحياة ، واقدرهم على التأثير ، وان تشرح هذه  الخطب الموقف الحاضر في وضوح ، وتبين الأخطار المحيطة  بالأمة في جلاء ، وان يتبرع القادرون بقدر من المال يخصص لهذا الغرض ، ويتفقوا مع ديوان الاوقاف ليسمح بالقاء هذه الخطب في المساجد ، ثم تطبع وتنشر في أنحاء البلاد ليصل صداها إلي كل قرية وبلدة ؛ وأعلن استعداده للاشتراك في إعدادها ، ووضع خطبة نموذجية توضح غرضه . تتضمن هذه الخطبة النموذجية ، المحافظة على حقوق البلاد ، والنهي عن الظلم والبغي ، والدعوة إلي الائتلاف لمواجهة الأخطار التي تظهر دلائلها في الأفق ، والاتحاد مع المواطنين من غير نظر إلي اختلاف الدين ، والتذكير بمجد مصر السابق ، والالتفاف حول الخليفة والخديو ، والتحذير من تمكين الأجنبي من وضع يده على سياسة البلاد ، والتحرز من إتيان عمل يتخذة وسيلة لتدخله ، ومعاملة

النزلاء الأجانب بالحسني ، من حفظ حقوق تجارتهم ، وعدم الإساءة إليهم

هذه هي المعاني التي رأي ان الحاجة ماسة إليها في  ذلك الوقت ) في أول حكم الخديوي توفيق قبيل الثورة  العرابية ( ، صاغها صياغة دينية تناسب صلاة الجمعة ، فبدأها بالحمد لله ، والثناء على رسوله ، وختمها بالحديث الشريف : " المؤمن المؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " - وقد حقق الراديو " أخيرا فكرة عبد الله نديم في إذاعة الخطبة شكلا ، ولكن لما تتحقق فكرته موضوعا .

وانتهت هذه الصحيفة على هذا الوضع .

يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية