ثم ننتقل إلى غموض - إلى البيت الثامن:
أرنو إلى الفجر الجميل كساحر ... حملت يداه ريشة عذراء
يقول الأديب النابه إن الساحر لا يحمل الريشة. وإنما هو الرسام، وهذا من البديهة بحيث نخجل عن ذكره - ولو شئنا لقلنا (كراسم) ولن يختل الوزن الشعري. . . ولو أتيحت للأديب رؤية الفجر وهو يوزع الألوان والأضواء على لوحة الأفق لوقف مثلي مشدوه الفكر ملتهب الشعور منجذب الروح. نحو هذه المعجزة السماوية المتجددة. . . تماماً كما يقف المسحور
تحت تأثير الساحر القدير. . . أما عن الشمس (شعت ماسة زرقاء) فهناك وجه الشبه البياني يرخص للشاعر والكاتب أيضاً أن ينظر للشيء من زاوية معينة ليشبهه بآخر لا يطابقه إلا من هذه الزاوية نفسها. والشمس إذ تبعث بأشعتها النفاذة في كل اتجاه إنما هي ماسة مكبرة ولو لم ترها البصائر الرمداء. . كذلك هذا، ولم يكن القمر يشبه العرجون في كل حالاته عندما قال الله تعالى (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) .
ولو رزق الأديب الكيلاني شيئاً من النفاذ أو الإنصاف لساقته تنقلات القصيدة الفكرية من مشاهدة (الفجر) إلى (الظهيرة) إلى (الأصيل) . . . لساقته هذه التنقلات الزمنية المتعاقبة إلى المشهد الأخير يشهد المساء الجديد.
والى السماء وقد تدفق جدولا ... أزرق أمواهاً وشف نقاء
وبعد فعلى الأديب سلام الشعر

