الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 185الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - فارس كنانة، للأستاذ أحمد أمين بك

Share

هذا أسامة صبيا ، قد وضع لتربيته منهجان : منهج للفروسية ومنهج للعلم والدين

فأما منهج الفروسية فيتلخص في تعليمه صيد الوحوش ليتعلم منه صيد الاعداء ، وكان الصيد ملهي الأسر الأرسقراطية في ذلك العصر ، في مصر والشام والعراق ، وكان لأسرة اسامة احتفال عظيم له ، وعناية كبرى به ، وإنفاق للأموال الكثيرة في سبيله ، وكان أبو " مرشد بن على " وعمه " سلطان " من اشد الناس ولعا بالصيد ، وغراما به ، وتفتنا فيه .

وكان في ضواحي شيزر متصيدان : أحدهما في الجبل جنوبي الحصن يصيدون فيه الحجل والأرانب ، والثاني أجمة في الغرب على النهر يصيدون فيها طير الماء والدراج والأرانب والغزلان . ودعاهم ذلك إلي اقتناء حيوانات الصيد وجوارحه من كلاب وبزاة وصفور وفهود ، رتبت لها أماكنها وخدمها الذين يعتنون بها ، ويقومون بتغذيتها وتدريبها وإصلاحها ، فكان ابوه يبعث - حتى إلي القسطنطينية - من يشتري له منها بزاة ، وإذا جمع شهرة عن جارحة من الجوارح جد في الحصول عليها أو علي نسلها

كان يخرج صباحا إلى الصيد من حين إلى حين مع أولاده الأربعة ، ومنهم " أسامة " ومعهم مماليكهم وسلاحهم ، ومنهم اربعون فارسا من اخير الناس بالصيد ، فإذا وصلوا إلى المتصيد أمرهم والد أسامة بالتفرق كل مع جوارحه وحيوانه وغلمانه ، ثم يرسلون الطيورا والكلاب ، ولا يزالون يومهم في جرى وقفز وصيد يرتبون امورهم كترتيب الحرب ، ثم يعودون في المساء بصيدهم . وكان

لذلك الصيد أثر حميد في أسامة ، فقد عرفه طبائع الحيوان والطيور وأ كسبه علما واسعا بحيلها وقتالها وشجاعتها وجبنها وطرق معايشها .

حتى إذا مرن " أسامة " نازل الأسود والضباع ، وكان بالشام إذ ذاك اجمات كثيرة ترتفع فيها الأسود ، فكان هو وصحبه إذا سمعوا بأجمة منها طاروا إليها ، يقول في حديثه : إن رجلا جاءه بخبره عن اجمة في تل فيها ثلاثة سباع ، فخرج إليها هو وأخوه بهاء الدولة وقوم من صحبه ، فوجدوا لبؤة خلفها أسدان ، فخرجت اللبؤة ، فحمل عليها أخوه فطعنها طعنة قتلها ، وتكسر رمحه فيها ، ثم خرج أحد الأسدين ، فتكاثروا عليه بالرماح حتى قتل ، ثم خرج الثاني ، وكان أشد وأقس ، وأعظم خلقة ، فحملوا عليه ، وكلما أصابته طعنة هدر ولوح بذنبه حتى مات

لقد عرف طبائع الأسود من كثرة منازلتها ، قال : " فوجدت منها الجبان ومنها الشجاع ، وعرفت انه إذا خرج من موضع فلا بد له من الرجوع إليه ، ولقد رأيت رأس الأسد يحمل إلى بعض دورنا ، فنري السنانير مهرب من تلك الدار ، وتري نفسها من السطح ، وكنا نسلخ الأسد ونرميه من الحصن فلا يقربه الكلاب ولاشئ من الطير . وما أشبه هيبة الأسد على الحيوان بهيبة العقاب على الطير ) فإن العقاب ببصره الفروج الذي ما رأي العقاب قط فيصيح وينهزم هيبة ألقاها الله في قلوب الحيوان لهذين الحيوانين " ثم يقول : " وقد قاتلت السباع في عدة مواقف لا أحصيها ، وقتلت عدة منها ما شاركني في قتلها أحد سوى ماشاركني فيه غيري ، حتى خبرت منها وعرفت من قتالها ما لم يعرفه غيري ؛ فمن ذلك ان الأسد مثل سواء من البهائم يخاف ابن آدم ويهرب منه وفيه غفلة وبله ، ما لم يجرح فحينئذ هو الأسد وإذ ذاك يخاف منه " .

ثم خرج من هذا الصيد وقد جرح مرارا وكسرت أضلاعه مرارا ، ولكنه خرج أيضا فارسا عظيما ، وشجاعا نبيلا

وكما تعلم أسامة القتال في الصيد تعلمه في الانسان ، كانت غلطة منه ولكن داعيها شريف نبيل . هذا اسامة الصبي وقف على باب داره ، فرأي غلاما لوالده يلطم صبيا من خدم الدار ، فجري الصبي وتعلق بثياب اسامة يحتمي به ، وكان يكفي ذلك أن يكف الغلام احتراما للجوار علي عادة العرب ، ولكن الغلام الكبير ما ابه لهذه التقاليد ولا احترام قوانين النجدة ، فضرب الصبي وهو محتم بثياب أسامة ، فأخرج أسامة من وسطه سكينا ضربه بها ضربة كانت القاضية

وأما المنهج العلمي فوالده يحفظه القرآن . ويأمره بتلاوته حتى في الطريق وهم خارجون للصيد ، وعلماء كبار يعلمونه الحديث والنحو والأدب . فابو الحسن السفسي يعمه الحديث وابن المنيرة بعده الأدب وأبو عبد الله الطليطلي يعلمه النحو ، فحفظ القرآن وسمع الحديث ، وتعلم النحو وحفظ آلاف الآبيات من الشعر الجاهلي ، وأخذ هو يكمل نفسه مما يقرأ من كتب ومما يسمع من العلماء والشعراء رواد مجلس أسرته

فكان فارسا أديبا وجنديا عالما ، واستطاع أن ينتفع بخير المنهجين . كان منهج الفروسية قاسيا رفقه العلم والأدب والشعر والدين ، وكان بعض شيوخه العلماء فيهم جبن وخوف ، فأخذ علمهم وترك جبنهم ، هذا استاذه ابن المنيرة يطلب منه أن يتقلد رمحا وترسا ويقف في موضع من طريق الافرنج حتى يروه فلا يجتازوه، فيأتي ويقول : والله لو وقفت لاجتازوه كلهم . فيقال له : إنهم يهابونك لأنهم لا يعرفونك . فيقول : أنا أعرف نفسي ثم يقرر مبدأ

خطيرا إذ يقول : " ما يقاتل عاقل " . فيغضب اسامة من ساعه هذا المبدأ الجبان ويقول : " ) إنه كان بالعلم اخير منه بالحرب ، فان العقل هو الذي يحمل على الاقدام على السيوف والرماح أنفة من موقف الجبان

ولابن المدبرة فصول اخرى من الجبن قصها اسامة وسخر منها ، فكان ينتفع بعلمه ويهزأ بجبنه .

ولعل برنامج العلماء من هذا التاريخ كان ينقصه أن يطعم بشئ من الفروسية

اليوم يوم الجمعة خامس جمادي الأولى سنة ٥١٣ ه . كان أسامة في الخامسة والعشرين من عمره ، واليوم كان أول قتال قاتله ، خرج فيه مع عمه ورجال من قومه ، فخرج عليهم جماعة كبيرة من الصلبيين ، وكان قتال تشيب منه الأطفال . وأخذ الموت يحصد رجال أسامة ، وقد هان عليه الموت ، فهو يقاتل وتحته فرس مثل الطير ، يطعن هذا فيأتي عليه ، ويدور على آخر فيطعنه من ورائه طعنة تنفذ من قدامه ، ويحمى ما استطاع من اصحابه ، فإذا أعيت فرسه ركب أخرى أعدها مملوكه ، حتى انتهت الموقعة ورجع أسامة إلي شيزر مع من بقي سالما ،

وفي سكون الليل بعث عم أسامة إليه يطلبه ، فإذا عنده فارس من الصليبين ، فقال له عمه : " هذا فارس أعجبه اليوم قتالك فجاء يهنئك بموقفك ، ويبدي إعجابه من طعناتك وشجاعتك ؛ وهذه عادة الفرسان ، يعجب البطل بفعال البطولة ولو صدرت من خصومه ؛ وكان هذا هو الوسام الأول لحياته الحربية الطويلة ، ومن ذلك اليوم شعر بثقته بنفسه واعتماده على ربه وأنشأ يقول :

سل بي كماة الوغي في كل مسترك

                           يضيق بالنفس فيه صدر ذي البأس

يبنوك يأتي مضايقها

                    ثبت إذا الخوف شقي الشاهق الراسي

أخو غضبا كيشهاب القذف بصحبتي

                           غضب كضوء سري أوضوء بقياس

إذا ضربت به قبرنا أنازله

                               أو جاء عن عائد بغشاه أو آس

وهكذا كانت حياته بعد ، كل يوم غارة منهم بغيرها ، وغارة عليهم وردها ، ويخرج يوما يقاتل العرب ويوما ينازل الفرج ، ويوما يقاتل فيقتل ، ويوما ينهزم ويجرح هذا يوم يخرج هو وصديقه " جمعة النميري " يهزمان ثمانية من فرسان الصلبين ، وهذا يوم يخرجان أيضا فيهزمهما - على حد تعبيره - رويجل صغير الجسم معه قوسه ونشابه ، فيعجبان كيف هزما ثمانية وهزمهما رويجل ؛ حياة كلها مغامرات وكلها فروسية ، ثم يترجم  ما يجيش في صدره ويدور بخاطره إلي شعر قوي جميل

ساأنفق مالي في اكتساب مكارم

                         أعيش بها بعد المات مخلدا

وأسعي إلي الهيجاء ، لا أرهب الردي

                              ولا أتخشى عاملا ومهندا

فإن نلت ما أرجو فللمجد ثم لي

                          وإن مت خلفت الثناء المؤيدا

تجهل في الإقدام رأي معاشر

                     أراهم إذا فروا من الموت أجهلا

أيرجو الفتي عند انقضاء حياته

                         وإن - فر - عن ورد المنية مرحلا

إذا أنا هبت الموت في حومة الوعي

                             فلا وجدت نفسي من الموت مورئلا

وإني إذا نازلت كبش كتيبة

                       فلست أبلي أينا مات أولا

للأرمين بنفسي كل مهلكة

                      مخوفة بتحاماها ذوو والباس

حتى أصادف حتفي فهو أجمل بي

                            من الخمول - وأستغني عن الناس

هذا أسامة عمره ثلاثون . . أربعون . . اربع وأربون ، ومعيشته في حصن " شعر " على نمط واحد ، غزو وقتال وصيد ، وتحمل اعباء يتخللها لمحات من الراحة

لقد أجاد في حياته حرب الخصوم ، وشهد في شبابه أيضا حرب العواطف . فأحب وتيمه الحب ، ونعم بالوصال ، وألم للفراق ، وغني بشعره لحبه ، كما غني " لحربة : شكا ألم البفراق الناس قبلي                          وروع بالنوي حي وميت وأما مثل ما تضمنت ضلوعي                        فإني ما سمعت ولا رأيت

أحبابنا كيف اللقاء ودونكم

                    خوض المهامة والقيا في الفيح

أبكيتم عيني دما لفراقكم

                      فكأنما إنسانها مجروح

وكأن قلبي حين يخطر ذكركم

                       لهب الضرام تماورته الريح

فلما بلغ الأربعين وعلا رأسه المشيب صبا عن الحب وفرغ الهجد وقال :

قالوا نهته الأربعون عن الصبا

                        وأخو المشيب بحور تسمت يهتدي

كم حار في ليل الشباب فدله

                          صبيح الشيب علي الطريق الأقصد

وإذا عددت سببي ثم نقصتها

                        زمن الهموم فتلك ساعة مولدي

) يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية