الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 45الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - فن السرور وفن الحزن

Share

سيدي الأستاذ . . . هل يمكن أن تسمح لمثلي أن يتوجه بلوم خفيف لك ثم نقد موضوعك فن السرور ؟ أريد أن أقول إن نظرة الفلاسفة لكل شئ جميلة شائقة تملك اللب وتقطع الحجة ، تتفق والمنطق والمعقول . يكبها تصنع عادة في سماء عالية من الفلسفة والعلم.

وإني لأتمنى أن يظهر في مصر فيلسوف ينام على الطوى لأنه لا يجد ما يأكله ؛ أو يضطر أن يلقي زوجته المريضة على باب المستشفى من الصباح إلى الظهر ، حتى يحضر طبيب المستشى فيسألها عن اسمها ، ثم يصف لها الدواء بغير أن ينظر إلى وجهها ، فيحملها هذا على ظهره ، ثم على ظهر دابة يقطع بها آلاف الأمتار حتى يصل إلى جحره يسقيها الدواء لعله يكون بالصدفة الدواء الموافق . أو مضطر أن يفلح الأرض طول يومه والبلهارسيا تسري في جسمه تدميه وتمزقه.

نحن نريد فيلسوفًا مات له ستة أولاد أو سبعة بعد أمراض طويلة أو قصيرة ، لم تفلح فيها الوصفات البلدية ولا الأحجبة ولادواء المستشفى العمومي . أو ضُرب أخوه بالنار لنزاع على عمدية ، وقتل عمه لثأر بين عائلته وعائلة أخرى ميت عليه سنوات وسنوات ، أو جلد هو بالسوط لأنه رد على ضابط النقطة ولم يَحن رأسه كالعبيد ، أو بيعت جاموسته التي يفضلها على زوجه وأولاده في المزاد العلني ، لأنه لم يجد ما يسدد به إيجار مالك الأرض لقلة المحصول وكساده .

نحن نريد فيلسوفًا يظهر بين الموغلفين الذين لا يمتون لأصحاب الجاه أو النفوذ بقرابة أو بصلة أو بصداقة , يتحملون ألم الحرمان من جميع العلاوات والترقيات . نريد فيلسوفًا تعلم حتى نال الشهادة ، ومازال يطوف في الطرقات يطرق أبواب الأعمال بغير جدوي ، واضطر في النهاية أن

يعمل كاتبًا ، مع أنه درس الحقوق أو التجارة . فيلسوف كهذا يا سيدي في استطاعته أن يجلس إلى جواركم وأن يهمس في آذانكم أنكم تظلمون المصريين عندما تقولون عنهم إنهم غلوا في الحرص على الحياة ، وإنهم لرخاوة العيش عندهم انعدمت القدرة على الاحتمال ، فإنكم لن تجدوا شعبًا في العالم يتحمل كما يتحمل المصري . إنه يتحمل الجوع والعري والفقر والإهانات والإذلال والجهل والظلم والقسوة والكبرياء والإهمال والمرض والموت ، صابرًا ساكنًا هادئًا . إن كلمتك قيمة وجميلة وشائقة ومعقولة ومنطقية ، ولكنها ياسيدي أشبه بالمخدر الذي يعطيه الطبيب لمن يصرخ من جروحه وأمراضه ، بدلًا من أن يعالج تلك الجروح والأمراض ، وفي استطاعته أيضًا أن يهمس في آذانكم سائلا : أليس هناك علاج لذلك الجو المحزن الذي يعيش فيه المصريون إلا اصطناع السرور اصطناعًا ، والنصح باحتقار العالم وآلامه ، وأن يتناسى الناس ماهم فيه من ألم ومن بؤس ؟ أليس الأجدي عليهم أن نقف معًا نحن الفلاسفة ونقول لأصحاب السلطة إنكم تسيئون استعمال سلطتكم ، ولأهل الحكم إنكم تنفقون من وقتكم ومن جهودكم فيما لا يفيد ، قدر ما تنفقون فيما يفيد ، عشرات المرات ؛ ولأصحاب الأراضي والثروات خففوا الوطأة قليلا على عبيدكم ؟ وللمربين والمعلمين إن نظام التعليم في مصر فاسد ، لأنه لا يهيئ رجل أعمال ؛ ولكبار الاجتماعيين إن نظام الأسرة فاسد ، وعليكم تقع تبعة فساده ، لأنكم لا تجدُّون في محاولة إصلاحه ؛ ولرجل الحكومة إن جميع الأعمال معطلة بين اللجان والمصالح والمكتاب ، ومكتب الوكيل ومكتب الوزير ؟

ثم يستأنف ذلك الفيلسوف قوله : " إني مستعد أن أريكم أسباب الآلام جميعًا ومواطنها ، مستعد أن أريكم كيف عمت الفوضى والاستخفاف بمصالح الناس وبأرواحهم وبأموالهم وبصحتهم ، وأثبت لكم ان جل مشروعات (البقية على الصفحة التالية)

الإصلاح غير جدية و غير مجدية ، فنتعاون جميعًا على إزالتها . وعند ما تزول الآلام التي مصدرها الظلم أو ما شابه الظلم من الأسباب التي لا ترضي الله ولا ترضي الناس ، يصبح السرور فنًا يجب علي الناس أن يأخذوا به ويصطنعوه ليتغلبوا به على الآلام التي تأتي بها الأقدار . يقول للجميع : التمسوا السرور من أنفسكم ، وتناسوا الشقاء الذي يحيط بكم . افعلوا ما تشاءون والتمسوا السرور من أي طريق إلا الطريق الطبيعي ، فإن هذا الطريق يتعب السادة وأشياعهم ويضايقهم .

سيدي الأستاذ . أسباب قلة السرور في مصر والشرق واضحة ، وطرق علاجها أوضح . والسلام . (ميت غمر)

اشترك في نشرتنا البريدية