قد مضي قولنا في الخطبة وأسبابها ، ولم يبق بين ايدينا إلا العقد فالآعراس ، ويحسن بنا قيل أن نتناول شيئا من هذا بالحديث ان نعود فنؤكد لك ان ال البنت ، على وجه خاص ، لم يكن لها أي رأى في أمر زواجها ، ولا فيمن يتزوجها ، ولا يسوغ لها ان تتطلع ولو إلي مجرد العلم بشيء من ذلك ، إنما الأمر كله إلي أمها وأبيها بزوجايها متى شاءا وممن ارادا .
أما الزوج فيختلف شأنه في هذا بعض الاختلاف ، فهو في الكثير الغالب لا رأى له في الأمر ولا خيار . على انه قد يعلم عن عرسه الكثير او القليل عن طريق امه او اخته او خالته ، وإنما يهئ . له الاستماع والاستخبار ما هو مفروض له من جراءة مهما ضعفت فانها لا تصل إلي خقر فتاة عذراء !
وقلت لك " في الكثير الغالب " ، لأنه في القليل النادر قد يكون الولد مدللا مرفها ، وحينئذ يكون له في الأمر رأى ولو بمقدار .
وكيفما كان الأمر ، فلقد كان محظورا على الخطيبين ان يتراءيا ، حتى بعد العقد ، إلى ان تحين ساعة الزفاف ، بل لقد كانت الفتاة إذا خطبت إلي ابن عمها أو ابن خالها ، أو ابن عمتها أو ابن خالتها ، ممن نشأت معهم وشبت ولاعبتهم في صغرها ، أسرع أولياؤها فحجبوها عنه ، وبالغوا في حجابها إلي يوم الزفاف ، شأن الأجنبية سواء بسواء ،
وكان لذلك حكمة لا تخفي علي فطنة الفطناء ! وتحل ساعة العقد ، فلا يكون وكيل العروس إلا اباها او عمها ، عند فقده ، أو أخاها وكلته أو لم توكل ، تكلمت أو عقد الحياء لسانها عن الكلام .
وبعد اشهر تقضي في إعداد الجهاز الذي قد يكون موضوع مساومة عنيفة بين اولياء العروسين ، يعين يوم العرس ، أو ( ليلة الدخلة ) في تعبير النساء :
وتسير ( زفة ) الجهاز من بيت العروس إلي بيت ( العريس ) تتقدمها الموسيقى ، ومن ورائها حملة التحف والآنية الثمينة باسطين تحتها أيديهم ، فهذا يحمل ديباجة من الحرير موشاة بأسلاك الذهب والفضة ، وهذا يحمل طستآ وإبريقآ من خالص الفضة ، أو من النحاس المموه بالذهب والفضة ، وهذا علية تنكشف عن بضعة أكواب من الفضة ، وهذا طاس حمام كذلك . ولقد ترى آخر يحمل بين يديه قبقابا مكفتا بالصدف والفضة !
ثم يلي هؤلاء رئل من ( عربات الكارو ) لا يدرك الطرف أخره ، قد بسط الجهاز عليها بسطا ، ومط فوقها مطا . فهذه حشية ( مرتبة ) قد خص بها مركبة ، وهذه خمس وسائد ، قد افرد لها عربة وقائد ، وهذا (كنسول ) عليه مراة ، قد قصرت العربية عليه دون سواء ، وهذا نضد ( تربيزة ) قد شجر بالزهور ، وهذا
( دولاب ) قدت أبوابه من البلور ، وهذه لخف مبسوطة ، وهذه نمارق مبثوثة ، وهذه اريكة بين يديها شجاب (١ )، وهذان كرسيان قد نشر عليهما ستر باب ، وهكذا ؛ وهكذا !
ولا تزال هذه العربات تجوز بك وهي في كلاءة الأحراس ، حتى يختم الموكب ، بفضل الله ، بعربة النحاس . وكان في عربيتين كفاية ، وفي ثلاث فضل . ولكن لا تنس أن للتباهي حكمه ، وللتكاثر غرمه وغتمه
ولقد تري أن شيئا من هذا لا يزال قائما إلي الآن ، ولكنه اضحي مقصورا على الطبقة الدنيا من الاهلين ، وكيفما كان الأمر ، فلعلك لم تنس انني قلت في الحديث السابق إنني أحب أن أجلو الصورة كلها قبل ان تحول ، أو يلحقها النصول
وترسل الدعوة لولمية العرس إلي الأصدقاء والجيران والمحبين ، وهي رقعة في حجم الكف تكتب صيغة الدعوة فيهابماء الذهب ، وتبدأ عادة ببتين او ثلاثة من الشعر ؛ وكانوا يدعونها ( الملحق ) . ولكيلا أشق عليك في إشاعة تخمينك فيما عسى ان يكتب في هذا ( الملحق ) أعرض عليك نموذجا منه :
من دعي فليجب
ليالي الأنس قد طابت ورقت
وطير الصفو غرد بالسرور
وجاد الدهر بالبشرى علينا
وداعي السعد وافي بالحبور
فهيا يا أحبة شرفونا
بأنسكمو ومنوا بالحضور
بمشيئة الله تعالى سيحتفل ( فلان ) في يوم ( كذا ) من شهر ( كذا ) سنة ( كذا ) بتأهيل نجله ( فلان ) على كريمة ( فلان ) ، وذلك بمنزله الكائن بجهة ( كذا ) .
فالمرجو التشريف لتتم بكم الأفراح ، وتزول عنا الأفراح . والحضور الساعة ١٠ عربي نهارا ، والعاقبة عندكم في المسرات ؟
وقبل أن أخوض بك في ليالي العرس ، فكثيرا ما كان الاحتفال بالعرس يستغرق ليالي لا يقتصر على ليلة واحدة - قبل ان اخوض بك في هذا ، أقرر ان المصريين كانوا دائما أهل كرم وإيثار ، فما كانوا قط يستأثرون في اعراسهم ونحوها بأسباب تلذيذهم وتطريبهم ، بل لقد كانوا يبسطونها ويبذلونها في الطريق العام ، قصدا إلى أن يشركهم فيها كل من شاء من الناس .
ولقد قلت لك إن الاحتفال بالعرس كثيرآ ما كان يستغرق ليالي لا يقتصر على ليلة واحدة ، وهذه الليالي ، ولا يذهب عنك أننى أدير الحديث على أهل الطبقة الوسطى ، كانت في الغالب ثلاثا : اثنتين منها تدعيان ( بالضمم ) بضم ففتح ، أما الثالثة وأعنى بها الأخيرة ، قليلة ( الزفة ) أو ليلة ( الدخلة ) ، ليلة تولم الولائم ، ويقرب لجمهرة المدعوين شهى المطاعم
وأولي هذه الليالي يخص ( بخيال الفلل) ، وهو عبارة عن دكة كبيرة تعلو واجهتها شاشة بيضاء تقرب مساحتها من شاشة السينما الان ، اما جوانبها الاخرى فتحجب باللواح من الخشب بداخل بعضها في بعض ،
وفيها باب لدخول اللاعبين وخروجهم ، وفيها يصبئون مشاعل قوية لتجار على النظارة ما يعرضون من الصور في وضوح وجلاء
أما هذه الصور فلا ناسى ، ودواب ، وطيور ، وأشياء . وتسوي هذه الصور من الجلد ونحوه ، تصبغ بمختلف الأصباغ لتحاكى ألوان ما ييبدو من الأجسام والثياب .
ويمثل ( خيال الظل ) رواية قوامها عشق وصيانة بين فتي مصري صميم ، وفتاة بنت راهب مسكنها مع ابيها الدير ؛ ويتخلل هذه الرواية صور استعراضية متنوعة . وكل من يحرك صورة من صور هذه الأناسي يجرى الكلام على لسان صاحبها في دقة وبراعة تقليد ، حتى كأنها هي التي تتحدث بأسماع الناس . فهناك المغربى ، والسوري ، والبربرى ، وابن البلد المصري . ومن هؤلاء تسمع ما شاء الله من رائع النكت ، وقد يكون بعضها من عفو الارتجال
ولقد كان أفخم ( خيال للظل ) هو الذي يديره العلم حسن قشاش ، وكان سيد اصحاب النكتة فيه غير مدافع ، هو المرحوم ناجى ، وقد رأء كثير من اهل هذا الجيل ممثلا بشخصه في الأعراس ، أو في دور التمثيل في ( الفصل المضحك ) الأخير . أما دور ناجى في ( خيال الظل ) ، فكان تمثيل الغلام ( بولس ) شقيق ( علم ) ، والمترسل بينها وبين صاحبها ( تعاتير ) حتى يصل بينهما الزواج . وكان ، رحمه الله ، يرسل بالنكتة بعد النكتة في خفة روح ولطف إيقاع ، حتى يكاد يشق اضلاع النظارة من شدة الضحك المتواصل بغير انقطاع .
وقد ذهب عن أن أقول لك إن ( الطبل البلدى ) كان له مجلس بين يد ( الخيال ) ليعزف في أوقات الاستراحة ،
أو ليرقص على توقيعه ما يرقص من أشخاص ( الخيال )
أما الليلة الثانية فيبعث السمر فيها ( أبو رايية ) ، و ( أبو رايية ) علم على ذلك الفرق التي كانت تمثل بأشخاصها في مقدمات ليالي الأعراس ، إذ كانت نصف الدكك والكراسى علي عذارى الطريق لجلوس النظارة ، إذ يترك وسطها مسرحا لاضطراب هذه الطائفة من المفلسين .
وكانت هذه الفرق تمثل كذلك روايات إذا أسغت مطالبها وسخفت مغازيها ، فلقد كانت سرية مما يشبع فيها من بارع النكتة . ولقد كانت الحال تدعو إلي ظهور امراة في بعض الرواية ، على ان امراة لم تكن تظهر ابدا ، فكان يتخذ لهذا الدور إما مختاث محترف ، وإما رجل يحسن تقليد النساء .
ولاشك ان سيد هؤلاء المفلسين كان المرحوم الحاج أحمد الفار الكبير . والعجيب ان هذا الرجل على خصوبة بديهته ، وتدفقه بالنكتة يشق الناس لها ثيابهم من ضحك ومن انبهار ، لم يكن يبتسم أبدا ، بل لقد كان يتكلف الجد إلي حد أنك تراه دائم العبوس .
ومما يحسن في هذا المقام ذكره ، ان هؤلاء المفلسين كانوا يعتمدون رجلا من صلب أصحاب العرس أو من حواشيهم ، ولعل ذلك كان بالاتفاق معهم ، فيتخذون منه عامة الليل هدفا للنكتة حتى ما يدعوا فيه اديما صحيحا والناس يضحكون ، والرجل معهم من الضاحكين .
وحسبنا هذا اليوم . وستقرض ليوم العرس حديثا خامسا إن شاءالله .

