تعتبر منطقة الجزيرة التي تبلغ مساحتها ٥ ملايين من الأفدنة تقريبا ، والمتدة على شكل مثلث رأسه في الخرطوم وضلعاء النيل الأزرق والنيل الأبيض ، وقاعدته تمتد من كوستي إلى سنار ، تعتبر هذه المنطقة قلب السودان النابض؛ فالحياة فيها خصبة غنية ، وهي تكاد تكون المنطقة الوحيدة التي يولى السكان وجوههم شطرها ؟ ذلك لأنها تعد مخزن الإنتاج الزراعي في السودان - والذي يتتبع الحوادث الطبيعية من عام إلى آخر ، يجد أن السودان كثيرا ما تعدو عليه الطبيعة ، وكثيرا ما تهبط السيول فتجتاح الحرث والنسل ، وتترك الأرض وما عليها هشيما تذروه الرياح ، عند ذلك تتطلع الأنظار إلى مخازن الجزيرة لتمدها بما تحتاج إليه من زرع وثمار .
كان السير جارستون مستشار وزارة الأشغال المصرية هو الذي أشار إلى أنه من اليسير أن تروي أرض الجزيرة صناعيا ، ثم أكد قوله هذا في مذكرة قدمها في سنة ١٩٠٤ إلى قنصل بريطانيا في مصر اللورد كرومر في ذلك الوقت ؛ ومن ذلك التاريخ بدأت حكومة السودان تولى هذا الأمر عنايتها ؛ فما وافت سنة ١٩١٢ حتى كان قد تم مسح جزء
كبير من أرض الجزيرة ، وأنشئ الخط الحديدي بين الخرطوم وستار ، وبذلك تم الارتباط بين أطراف الجزيرة من الشمال إلى الجنوب ، وفي الوقت نفسه كان العمل يسير يجد ونشاط لإنشاء محطات للمطلبات للاستفادة بها في تجربة زراعة القطن الذي يعتبر محصول الجزيرة الرئيسي . وقد ههدت الحكومة بهذه التجارب إلى النقابة الزراعية بالسودان ، بما لها من خبرة وتجربة في زراعة القطن من قبل في زبداب شمال الخرطوم . ولقد نجحت هذه التجارب في أرض الجزيرة نجاحا حسنا . ويجب أن تشير إلى أنه مع أن أرض الجزيرة ملك للأهالي من السودانيين ، إلا أن الحكومة رأت أن تسند إلى هذه النقابة أمر استغلالها بإيجار قدره عشرة قروش للفدان في السنة ، يدعوي أن الزارع السوداني لم تتوافر لديه الخبرة الزراعية ولا المال اللازم الذي يعينه على زراعة الأرض وفلاحتها ، فانتهى الأمر بالانفاق بين حكومة السودان والنقابة على أن تتولي الأولى شق القنوات الكبرى في المناطق التي يزرع فيها القطن ، وتقوم النقابة بإدارة المشروع وشق الترع الصغيرة التي تلزم للري ، وأن يعمل المزارعون في الأرض بعد أن تمدهم
النقابة بالأموال التي يحتاجون إليها ، على أن يقسم المحصول بنسبة ٤٠ % منه المزارع ، ٣٥ % منه للحكومة ، ٢٥ % منه للنقابة .
في سنة ١٩١٣ انجه التفكير إلى إنشاء خزان ستار على أثر ما لوحظ من نجاح المشروع وتقدمه - وقد كانت الفرصة سانحة لمصر كي تساهم في هذا العمل الحيوي ، إلا أنها أبت أن تضمن الفرض الذي تتطلبه إقامة هذا الحزان وقدره ثلاثة ملايين من الجنيهات ؛ فسارعت الحكومة الإنجليزية إلى ضمانه ، وبدئ في بناء الخزان في سنة ١٩١٤ ، إلا أن الحرب الكبرى ما كادت تشتعل نارها حتى أوقف العمل فيه .
وجدير بالذكر أن عدم مساهمة مصر في هذا العمل أضاع عليها فوائد كثيرة ، أهمها تدعيم حجتها بأن مصر والسودان طرفا جسم واحد يتمم أحدهما الآخر ، كما أضاع عليها حق الأشراف الفعلي على تصريف مياه النيل ، بل أكثر من هذا فإنه قد قيل إن حكومة السودان كانت ترحب في ذلك الوقت بأن يساهم المصريون في استغلال أراضي الجزيرة وأن يأخذوا بنصيب في هذا المشروع ، لم يكن قيام الحرب العالمية الأولى سببا يمنع من استمرار النقابة الزراعية في القيام بتجارب عديدة ؛ فبدأت في سنة ١٩١٤ بإنشاء طلبات للري ، أهمها في بركات ومنطقة الحوش ووادي المنو ، وبذلك استطاعت أن نروي مساحة من الأراضى بواسطة هذه الطلبات تبلغ ٥٥.٥٠٠ فدان تقريبا ، كلها صالحة لزراعة القطن - وجدير بالذكر أن استغلال الأرض كان قائما على قاعدة الدورة الثلاثية ، أي زراعة الثلث قطنا والثلث ذرة ولوبيا ، والثلث الباقي بترك بورا .
أسلفنا أن قيام الحرب كان سببا في عدم الاستمرار في إنشاء الخزان ، فما كادت تضع أوزارها حتى سار العمل فيه على قدم وساق ، وفي الوقت نفسه تم إنشاء كثير من الترع والقنوات ، فما وافت سنة ١٩٢٥-١٩٢٦ حتى كان قد انتهى العمل منه وأصبح يتسع لحجز ٨٠٠ مليون متر مكعب من الماء يمكن أن تروي ٥٠٠.٠٠٠ ولذلك زيدت الساحة المنزرعة قطنا حتى أصبحت ثمانين ألف فدان
وفي سنة ١٩٣٠ حينما تدهورت أسعار القطن واجتاحت العالم الأزمة الاقتصادية المعروفة هبت على النقابة أعاصر مالية جعلتها تتطلع إلى العون من كل من يستطيع أن يمدها بالمال والعتاد اللازم للاستمرار في استغلال المشروع ؛ وبذلك هبأت الظروف مرة اخري الفرصة لمصر لتأخذ بنصيب في هذا العمل الحيوي ، إلا أنها أعرضت عنه وشغلت بأحداثها السياسية الداخلية في ذلك الوقت ، فيممت النقابة وجهها شطر انجلترا تطلب منها العون ، فسارع القوم هناك إلى وضع الأموال اللازمة تحت تصرف النقابة ، فاستطاعت أن أنسير بالمشروع قدما وبنجاح تام .
ولقد ساعدت الظروف المختلفة بعد ذلك على تدعيم أعمال هذه النقابة مما أدى إلى زيادة الأراضي المتزرعة والممتدة محاذية للنيل الأزرق حتى بلغت هذه المساحة في السنين الأخيرة ما يقرب من ٨٠٠ ألف فدان أو تزيد ويضم مشروع الجزيرة مزرعة خاصة للباحث الفنية الزراعية قائمة على مساحة قدرها ٣٥٠ فدانا بالقرب من وادي مدني عاصمة مديرية النيل الأزرق ؛ وتعتبر هذه المزرعة من احسن حقول التجارب في العالم ، إذ تضم نخبة من العلماء الإخصائيين في الزراعة مع نوافر الاستعداد الفني الخاص بأبحاث التجارب والأجهزة والتراكيب العلمية الحديثة.
ويوجد بالمشروع محلجان للقطن أحدهما في ما رنجان والآخر في قرشي ، كما يضم نقاتيش رئيسية وأخرى فرعية، تبدأ من سنار وتنتهي عند ود الترابى، وأهم هذه التفاتيش هي المريعة - كاب الجداد - سابع دليب - الحاج عبد الله - أبو عشر السلمية - البسائين - وتشرف النقابة على أرض الجزيرة بإدارة منظمة مقرها بركات . وفي سنة ١٩٤٤ تقرر أن تصفي النقابة عملها على أن تنتهى من ذلك في سنة ١٩٥٠ .
ويزرع في السودان القطن المعروف بالسكلاريدس وتتراوح غلة الفدان منه من ٣-٥ قناطير ، ويغل مشروع الجزيرة من هذا النوع كميات كبيرة كثيرا ما تضيق عن جنيها الأيدي العاملة ، فتلجأ الحكومة إلى تعطيل الدراسة بمدارسها وتكوين فرق من التلاميذ للقيام بجني القطن يشرف عليهم المدرسون والأساتذة .

