لعل المنظر الأول فى الفصل الرابع من مجنون ليلى - على ما أعلم - لم يسبق شوقى إلى تصويره كاتب من كتاب المسرحيات ، وإن لم يكن جديدا فى الأدب العربى ، فهذه قرية من قرى الجن الضاربين فى فجاج الصحراء ، اتخذوا من كثبانها قصورا ، ومن صبارها ، وحسيكها ، وحنظلها ، وسعدائها ، حدائق وارفة الظلال والأفياء المزهرات . والجن مجتمعون ينشدون ويغنون ويرقصون ، وإذا عابر من الانس يطرق حيهم ويتضوع أريجة ، وإذا قائل يهتف بالقول :
بنى الجن فى أرضكم عابر
من الانس , يرسف فى ضره
فقالو به , و اعلموا أنه فتى , نبه الشعر من قدره
فيجتمع شملهم ، وترتهف أسماعهم ، ويتذاكرون فيما بينهم شأن هذا العاشق الولهان العابر ، وإذا الجنى الأموى وهبيد يحددان علاقته بالجن فيقول الأموى :
ألم تعلموا أن لى صاحبا
من الانس ، أحكم فى شعره
فيقول هيهد :
أجل ! أنت توحى له ما يقول
وتقذف ما شئت فى فكره
ويصوره لهم الأموى أجمل تصوير تمهيدا للحفاوة به ، وتوطئة لهذا الموقف العبقرى الرائع بين شاعر من الانس عاشق ، وبين زمرة من الجن تتركز فى لقائهم تقاليد الميثالوجيا العربية ، المتغلغلة بين الوهم والخيال ، وبين التصديق والشك .
إذا فاعلموا أنه عاشق تملأت البيد من ذكره
فيقول عاصف :
وأعلم أن الهوى واحد حومى المستهامين فى أسره
وأن التى سحرت قلبه مدلهة القلب من سحره ثم ينبرى صاحب قيس الأموى ، ليحيط السامعين بتحديد علاقته بقيس وأنه هو وحبه وإلهامه ، وأنه هو الذى أحاطه برعايته وعين عنايته ، فألهمه الشعر وسحر لبه من التطلع لغير ليلى ، وأجرى على لسانه السحر الحلال من النسيب العذب ، وبهر ليلى بهواه ، حتى تكون الصورة والقصة أروع ما جاء فى قصص المحبين ، وأعظم ما عرف من الدوافع الشعرية الرائعة ، فيقول :
وإنى ، لأكفل ليلى له وأصرفها عن هوى غيره
سهرت على طهر ليلى الزمان ولم أغمض العين من طهره
صرفت عن الحب حتى الزواج وما قدس الله من سره
ولو أن عينى تشق القبو ر سهرت على الحب فى قبره
هنا تبتدئ المرحلة الثانية ، من علاقة الجن بالانس ومن فكرة الالهام والوحى الفنى بل الشعرى خاصة ومن الاعتقاد العام الذى ساد هذه الناحية فى الأدب العربى والتقاليد العربية فيما يتصل بالسر والحب والالهام . ويقبل شوقى يوضح اعتقادات العرب فى وحى الشعر وينضم فى مجنون ليلى إلى المدرسة القديمة الكلاسيكية القائلة بأن الشعر وحى من إلهام الجن ، حيث لا يستطيع العقل البشرى المجرد وحده أن يبدع روائع الفن الشعرى ، وأن قوى خارجة عنه تتحكم فيه ، وتنفث فيه الشعر الرقيق الحواشى ، والغزل البديع . ثم أجرى ذلك الحوار الطريف بين بنى الجن وبين قيس ، وبين بعضهم والبعض الآخر . فإذا جو من الخيال والوهم . وإذا الدنيا المحتجبة المستورة تتجسد أمام النظارة . وإذا مسألة من مسائل الأدب والفن تكون مثار الحوار والحديث .
ويمضى شوقى مأخوذا بعبقريته فينسى أن أسماء الميثالوجيا التى تعددت فى الخرافات ، وفى ميثالوجيا أى أمة من الأمم يجب أن تبقى كما هى عليه دون أن يدخل المؤلفون
عليها أسماء جديدة من عندياتهم ، لأنها اكتسبت (( سوابق )) التقاليد الأدبية التى لها فى ظواهر الأدب ما للسوابق فى تقاليد القانون والأحكام ؛ فهى لاتمس ولا تنقض . ولكن شوقى أعظم عبقرية ، وأمضى ذكاء وإبداعا وخلقا من أن يتقيد بالسوابق ، وما درجت عليه التقاليد الأدبية . وهل كان العبقرى المبدع مقيدا بما يتقيد به العرف وتجرى به السوابق وتنزل عند حده الاحكام ؟
جاء شوقى بأسماء من عنده ، فقدم للنظارة هبيد وعضر فوت ، وعسر ، والأموى ، وعاصف فى المسرحية ؛ وهؤلاء الجن سوى هبيد دخلاء على الميثالوجيا العربية حيث تكاد الأسماء التى وردت فى الأدب العربى محصورة كما ذكرها صاحب (( جمهرة شعراء العرب)) ص ٢٠ - ٣٠ طبعة المطبعة الرحمانية ، وما جاء فى رسالة الغفران ص ٧٥ - ٨٥ طبعة أمين هندية ، وما جمعه المرزبانى ، ولم تكن للجن الملهمين فى المثيالوجيا العربية قرى خاصة ولا جماعة خاصة ، ولو قلنا إن كثبان الصحراء قبابهم المضروبة وقصورهم الشامخة ، وأنهم يتواجدون فى العراء والأطلال الدارسة ، وأن أسماءهم هى كما يبدعها العقل دون تقييد ، أو أنها كما ذكرت فى علم البازرجة ، لتركنا إذا الحبل على الغارب ، وأفسحنا المجال إلى تدفق فى الميثالوجيا يخرجها عن غرضها وما وضعت له ، وهى لم توضع إلا لتكون محدودة منظمة حتى يكون الأخذ منها للمسرحيات ولغيرها محصورا مشتركا ، وإلا وصل الأمر بنا إلى خضم غير محدود من الأسماء والأعلام .
كان شوقى قدس الله سره حضريا مترفا . عاش فى المدن الزاهرة العامرة ، ورأى باريس وأوربا ، ولكنه لم يرحل إلى البادية ، ولم يتصل بأعرابها ، فلم يعرف من عاداتهم إلا ما تسرب إلى الحاضرة ، وإلا ما قرأه فى كتب الأدب القديم ، وقد كان فيها - كما أعلم - دائم النظر
والتأمل . متصل القراءة والتجويد . وقد ذكر كثيرا من العادات العربية على قاعدة السماع والقراءة ، وقد التبس عليه أمر بعضها ، وفاته التدقيق فى تحديدها ، وليس فى هذا مأخذ على المسرحية ذاتها ، ولكن التدقيق كان أولى وأخلق .
كانت العرب حين تخدر رجل الرجل أو المرأة منهم ، يدعو باسم الحبيب ، فإن لم يكن فباسم الاخ او الاخت ، فإن لم تكن فباسم أى عزيز ، وهكذا دواليك مع الاحتشام والتحفظ ؛ ولكنهم لم يكونوا يهتفون فى صراخ وعويل وترديد للأسماء مرتين أو ثلاثا كما ذكرها شوقى فى ص ٦ ، والعربى يقول :
إذا خدرت رجلى ، وقيل شفاؤها
دعاء حبيب ، كنت أنت دعائيا
وذكر أيضا فى ص ١٧ أن قيسا ذهب يطلب نارا : وأرسلنى أهلى ، وقالوا أمض فالتمس
لنا قبسا من أهل ليلى ، وما شبوا
ثم تقول ليلى فى ص ١٦ مبالغة فى الإكرام :
خذى وعاء واملئيــ ــــه لابن عمى حطبا
وقد جرت عادتهم أن يسأل الجار جاره أو قريبه قطعة من الجمر ليشب بها نارا ، وكانوا يرسلون فى ذلك الإماء أو الأطفال الصغار ، فيأخذونها فى لحاء أو فى قخف أو شئ من هذا ، وليست هذه المحاولة المسرحية هنا إلا طمسا أو تشويها لعادات قديمة قد يتخذها الناس يوما ما أساسا البحث كما أوردها شوقى ، وبذلك تتبدل معالم العادات وتتحور .
وفى ص ٥٠ بقول شوقى على لسان ابن عوف ، وهو يخاطب زيادا فى شأن المجنون :
لقد تضاءل قيس واصفر مثل الجراده
فاصفر مثل الجرادة قالته العرب فى حالة الخوف والفزع
الشديد ، وليس فى حالات الشوق المبرح والوجد القائل ، والغيبوية القريبة من الموت . ولعل شوقى تداخل عليه المعنى الدارج المتعارف ، خلط بين الأمرين ، ونسى أن المعروف عن المجنون أنه كان باسلا مقداما . فقد روى أبو سلمة الكلابى أن أخاه وابن عمه قد قنصا ظبية ، وطلب منهما أن يحلاها فى بيتين من الشعر أحدهما على ما أذكر :
أيا شبه ليلى ، لا تراعى فإننى
لك اليوم من دون الوحوش صديق
(( فامتنعا ، فهم بهما ، وكان مجمدا ، فخافاه فدفعا إليه القنيصة ( ١ ) )) .
وفى ص ٦٤ يقول شوقى على لسان المهدى :
قيس لا بأس عليه كبروا فى أذنيه
ثم صوت بكبر الخ . ولم تكن عادة التكبير معروفة إلا لمن يغمى عليه مصروعا . فقد كانوا يحسبون الشيطان هو الذى نفث فيه الصرع وحل به , فيكبرون فى أذنه ليخرج ، ولكنهم لم يعملوها لمن يغمى عليه شوقا أو جهدا ، بل كانوا ينضحون الماء على وجهه حتى يفيق . كما يقول القائل :
وجاءوا إليه بالتعاويذ والرقى
(( وصبوا عليه الماء من شدة النكس ))
وفى ص ٧١ ، يقول شوقى : (( وجئنا بقاضى مجيد اليوم يكتب )) .
فلم يكن حينذاك تسجيل عقود الزواج متبعا فى ذلك العصر كما هو فى وقتنا الحاضر ، بل كانوا يكتفون بشهادة الشهود وبإعلان ذلك كهاتف يهتف أو مزغردة ترفع صوتها . هذا قليل من كثير .
لقد تأثر شوقى وهو يغوص فى المراجع العربية
والأدب القديم ليستخلص عناصر روايته ، ويحكم لحمها وسداها ، بما ذكره الرواة على لسان المجنون ، أو ما سرده الساردون من اشعار الحب والغزل , وفى شعر شوقى عامة لمحات تدل على عظيم وقوفه وتمكنه وتأثره بالشعر العربى القديم ، وكيف يكون غير ذلك وديباجته التى امتاز بها كلها قبسات متلالئات من عبقرى الشعر القديم ؟ وقد كان يرحمه الله رشيق انتقاء الكلمات ، قديرا على وضعها فى مكانها الجدير بها ، فلا نجد قلقا لكلمة ولا نشازا لنغمة ، فجاءت كلماته المنتقاة كالحلى الدقيق الاختيار ، الذى نتزين به غادة ذات جمال وبهرج ، وقدرة على انتقاء الألوان والأضواء التى تبين مواضع الفتنة فى جمالها الظاهر ، وتعلو محاسن الفتنة المستترة ، التى تحتاج إلى إيماءة خفية للتجلى والتبيان .
وإنك حين تقرأه شاعرا أو فى مسرحية مجنون ليلى تتجاوب فى نفسك (( أصداء )) كثيرة ، إذا رددتها إلى أصولها أدركت تمكنه ووقوفه على العربية شعرا ونثرا , فزخرت منها كنوزه وامتلأت كفاه ، شأنه شأن الفنان المبدع الذى توافرت لديه أدوات الخلق ومواد الابتكار ، فراح يصوغها ويخلقها نفحات عبقرية فريدة . وهذه الأصداء فى شعر شوقى قد يحسبها من يحسبها لقطات مأخوذة عدا عليها شوقى والزمها لنفسه ، وكساها من دياجته لونا غير سمائها وملامحها ، فهى عند غير أهل الذكر ثمرة عقل عبقرى ، وعند أهل الذكر تجارب أصداء ، وقديم حفظ ، مشت الأيام إليه فأضعفت الحافظة واختزنت من حيث يدرى ولا يدرى فى عقله الباطن ، ثم أثارها عند الرغبة فى التأليف والتوقيع والنظم تداعى المعانى والأخيلة ، فجاءت كأنها ذلك الصدى البعيد ، وما هى منه فى شئ .
ولست إذا من القائلين بالسرقات بعد ما ذكرت ، إلا إذا كانت نصا بأصله ؛ وقل من الشعراء والكتاب
من يمد يده إلى مامتع به غيره من فتح وإلهام . وسأسرد عليك بعضا من ذلك فى هذه المسرحية ، ولكن أمرها عندى شهادة حق لثقافة شوقى العربية وهضمه ، ومدى عقله المتخيل ، والباطن ، وتداعى معانيه , وهى عندى ليست بالسرقات ، فما كان شوقى بحاجة إلى ذلك ، وقد أوتى من الفطنة والزكن والإلهام حظا عظيما , ولعل خير ما يشار إليه فى توضيح هذه الفكرة ، ما ذكره أوسكار وايلد فى كتابه (( المقاصد The intentions )) , ومقال لاى هنت (( عن الخيال )) المنشور فى كتاب النقد الانجليزى للقرن التاسع عشر .
أما هذه المشابهات فهى هذه على سبيل المثال ، كما جاء فى ص ٢٢ :
كم جئت ليلى ، بأسباب ملفقة
ما كان أكثر أسبابى وعلاتى
يشبه قول القائل :
وكنت إذا ما جئت ، جئت بعلة
فأفنيت علاتى ، فكيف أقول ؟
فما كل يوم ليبابك وقفة
ولا كل يوم لى إليك رسول
وفى ص ٤١ :
وإن كان هو السحر فلا تبطل لها سحرا
يماثل :
فان كنت مطبوبا ، فلا زلت هكذا
وإن كنت مسحورا ، فلا يرى السحر
وفى ص ٤٣ :
مناد دعا ، ليلى ! ! فخف له
نشوان ، فى جنبات الصدر عربيد
كأنه من يقول :
دعا باسم ليلى غيرها ، فكأنما
أطار بليلى طائرا كان فى صدرى
وقوله :
ليلى ! نداء بليلى دن فى أذنى
سحر ، لعمرى له فى السمع ترديد
أشبه بالقائل :
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى
فهيج أشجان الفؤاد وما يدرى
وفى ص ٤٧ :
وبغضت النصيح إلى ليلى و سد مسامعى عنه هواها
مثل القائل :
وقد لامنى فيها قريب وصاحب
فرد بغيظ ، صاحب وحميم
وفى ص ١٨ :
عفا الله عن ليلى ، لقد نؤت بالذى
تحمل من ليلى ، ومن نارها القلب
كأنه البيت :
عفا الله عن ليلى الغداة فإنها إذا وليت حكما على تجور
وفى ص ٤٨ :
فأحسست من فرعى لسانى هزة
كأن عيانا منك لاقى عيانيا
يقارب البيت المشهور لابن أبى الجهم :
وإنى لتعرونى لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر
وفى الصفحة ذاتها قول شوقى :
مشى الحب فى ليلى وفى ، من الصبا
ودب الهوى فى شاء ليلى وشائيا
كالقائل :
وأحبها وتحبنى ونحب ناقتها وبعيرى
وفى ص ٩٧ يقول قيس :
حنانيك ليلى : ما الخل وخلة من الأرض إلا حيث يلتقيان
فكل بلاد قربت منك منزلى وكل مكان أنت فيه ، مكانى
كأنهما صدى مترددا لهذين البيتين :
أحب الأرض تسكنها سليمى
وإن كانت توارتها الجدوب
وما وجدى بحب تراب أرض
ولكن من يحل بها حبيب
أو: وكل بلاد أنت فيها حبيبة
إلى ، وإن لم تصف منك الخلائق
أو : وحلت بهذى حلة , ثم أصبحت
بأخرى ، فطاب الواديان كلاهما
وفى ص ١٢٦ :
لو أن ليلى فى النعيم معى أو فى الجحيم تساويا عندى
مثل من يقول :
فيا ليت سلمى فى التراب صحيبتى
هنالك , أو فى جنة أو جهنم
على أن فصلا بأكمله مماثل - فى تماثل حواره ، وأحداث وقائعه ، واختلاف الخطباء على الخطابة ، واقتناع الدهماء وهرجهم - الفصل فى رواية يوليوس قيصر ، بل حتى الفقرة المشهورة لأنطونيو : أعيرونى آذانكم Lend me your )) (( ears حيث يقول شوقى فى ص ٥٤ وما يليها : (( أصغوا إلى إذن )) .
وفى المسرحية تشبيهات رائعة ، ومواقف ساحرة . وقطع جميلة ترتفع به إلى مراتب الغزليين المجيدين . ولا غرو فقد كان شوقى وصافا مبدعا ، ومشيبا رفيقا . وإنك لواحد بعض ذلك فى ص ١٧ - ٢٤ - ٤4 - 65 - ١١٢ - ١١٨ - ١١٩ - ١٢١ - ١٢٢ - ١٢٤ فارجع إليها لتستمع إلى جمال المعنى ، وجرس الموسيقى ، وحلاوة التعبير . فان كنت عاشقا مستهاما ، فقد ترجم شوقي لمن برحه الحب ، وعصفت به الصبابة والهيام .
( يلى )

