الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 209 الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - محمد بن دنيال، عجيب وغريب

Share

قلنا في حديثنا السابق عن ( خيال الظل ) وتاريخه أن إن دنيال يعتبر من أشهر الشخصيات التي غذت هذا الفن بالنتاج العقلي أيام الظاهر بيبرس ، فقد وضع في القرن الثالث عشر الميلادي ثلاث مسرحيات تعتبر أحسن ما خلفه لنا ذلك العصر في هذا الضرب من الأدب المصري المسرحي ؛ وأولي هذه المسرحيات هي

القطعة أو البابة المسماة " طيف الخيال " وقد تحدثنا عنها لقراء " الثقافة " في عدد سابق ؛ والثانية هي بابة " عجيب وغريب " وسيري القارئ أن المؤلف سلك في وضعها مسلكا عجيبا في عام التأليف ، وغريبا في هذا النوع من التصنيف ، فهو لا يكتب مسرحية متصلة

الأبواب ، بل يهجم علي الحياة المصرية الشعبية في ذلك العصر ويصورها لنا تصويرا فريدا في نوعه أقرب إلي الصور الناطقة منه إلي أي شيء آخر ، فيسدي بذلك خدمات جليلة للمؤرخ والأديب ؛ المؤرخ لأنه يبرز له ناحية من نواحي حياة الشعب قلما يقع نظره عليها في الكتب التاريخية ، وقد تكون هذه الناحية مصدرا

من أجل المصادر لفهم حياة الأمة فهما لا غبار عليه ؛ وللأديب الذي يقرأ علي لسان أشخاص من عامة الشعب اللغة الدارجة والمعاني المتداولة في أسلوب عربي رصين . فان دنيال تناول كل تلك المعاني الشعبية وعبر عنها بألفاظ مقدودة مفصلة تتم عن لهزارة مادته اللغوية وثروته

الأدبية . وقد تناول في " عجيب وغريب " وصف الحياة المصرية في الأسواق ، فقدم لنا أشخاصا يمثل كل شخص منهم جالية من الجاليات التي استوطنت مصر ، أو حرفة

من الحرف ، أو مهنة من المهن ، فيعرض لنا سبعة وعشرين شخصا ، منهم : غريب الساساني ، وعجيب الواعظ ، وحويش الحاوي ، وعسيلة المعاجيني ، ونباتة العشاب ، ومقدام الآسي صاحب المباضع والمواسي ، وحسون الموزون ، وشمعون المشعبذ ، وهلال المنجم ، وعواده

الشرماط ، وشبل السباع ، ومبارك الفيال ، وأبو العجب ، والصانعة ، وأبو القطط ، وزغبر الكلبي ، وناتو السوداني . ونتبين رأي ابن دنيال وغايته من بابته هذه من مقدمته ، إذ يقول : " قد أجبت سؤالك أيها الأستاذ الظريف والماجن اللطيف ثانية ، لكي لا تظن همتي في الأدب متوانية ، وأتيتك بغريب وألحقتك بعجيب ،

وهذه البابة تتضمن أحوال الغرباء والمحتالين من الأدباء الآخذين بذلك الشان ، المتكلمين بلغة الشيخ ساسان ، فمتي دعيت إلي مجلس الإيناس ، فابدأ جلاء الستارة بمدح من حضر من الناس وغن بإتقان في عراق " ، ثم ينشد نشيدا مرحبا بالحضور ، يخرج بعده شخص ويقول : " أين تلك الأيام وطيبها ، وحسن تلك الأوقات

وأعاجيبها فرحم الله شيخنا ساسان ، فلقد كان إنسان عين كل إنسان ، قدوة الأدباء ، وأنيس الغرباء ، فجمع الله كل محب بسكنه ، ورد كل غريب إلي وطنه " . وينشد بعد ذلك قصيدة يصور لنا فيها أخلاق الساسانيين وعاداتهم تصويرا صادقا جميلا ؛ فهو بعد أن يشير إلي ماضيهم الزاهر بقوله :

أين زماني الذي تقضي        وأين جاهي وأين مالي

وأين خفي وطيلاني          وأين قيلي وأين قالي

وأين عيشي وأين طيشي      وأين حسني وحسن حالي

يصف فسقهم وفجورهم ، ومجالسهم وحاناتهم ، فهم كما يقول :

قد درسوا الفسق من قديم      فكم لهم فيه من جدال

ونحن في مجلس بديع            جل عن الوصف والمثال

فالدف دفدف ددف ددفدف        والرمز تلتل تلل تلالي

والجنك تنتن تنن نتنتن               تصلحه ربة الحجال

وبعد أن فرغ ابن دنيال من هذه القصيدة عرض لفقرهم وتسولهم ، وذلك لأنه ( لما لم يبق من يستعطر وابله ، ولا من يرجي نابله ، رأينا الحيلة عليهم ، ولا الحاجة إليهم ؛ فتركنا العمل وملنا إلي الراحة والكسل ،

وانفردنا بتدبير الحيل . . فطورا أدعي معرفة الكيميا ، وآونة عمل السيميا ، ووقتا بالعزايم والتغوير ، ووقتا أكتب علي الشقف لذهاب ماء البير . . ثم ينشد بعد ذلك قصيدة يخرج بعدها عجيب الدين الواعظ ،

ويقول : يا عنبر اطلب المقرئين والمنير ، فيحضر المنير وبرقاه ، ويستفتح بعد البسملة بما يقراه ويقول : . . سيروا في البلاد ، وانصبوا الشباك على العباد ، فالغريب مرحوم ، والمرء يسعي والرزق مقسوم ، واعلموا أنتم وفقكم الله أن الفلس يجمع الدينار ، والصدقة بالحبة هينة على ذوي الأقدار ، وكسرة الثقيف بنت الرغيف ، والمرفع شعار

الصالحين ، والتغرب من عادات السايحين ، واركبوا قوارب الإلحاح ، والبسوا دروع الوجوه الوقاح ، وتعلموا مبصرين ، وتطارشوا سامعين ، وتعارجوا فالسبق لذي العرج ، وتخارسوا فإن الخرس لسان الفرج ، وركبوا على جلودكم الجلود المسلوخة ، وأشربوا نقيع التبن لتصبح

وجوهكم مصفرة وبطونكم منفوخة ، واخترقوا الصفوف في الجوامع ، ولجوا علي الأخشان بالطلب في الشوارع ، ولتكن أفخر ملابسكم الأسمال ، وأكبر همكم جمع المال ، وسيروا بهاتين تأمنوا الإفلاس والدين ، فصحة العين بإتسانها ، وصحة الإنسان بالعين . وبعد ذلك ينشد نشيدا

ويختم حديثه بنثر مسجع ، ويتصرف فيظهر حويش الحاوي ، فيعرض تعابينه وأنواعها ، وخواص كل واحدة منها ، وبعد أن يفرغ من ذلك يرفع حق الدرياق على يديه ، ويفتحه ويشير إليه ، ويتحدث عنه وعن

تركيبه ؛ ثم ينصرف ويخرج عسيلة المعاجيني ، ويرفع على يده حقا من الأحقاق ، وينشد في عراق :

يا من يذوق لتجريب معاجيني

                     ومن بسلواه في سر يناجيني

عندي ذخائر أصناف مجربة

                     خبأتها في مصونات الأجاجين

ثم يقول : أين هو صاحب الحمضة في معدته ، والحصي في كليته ؛ أين المحبس عن حلاله و ... وبعد أن يعرض لسائر الأمراض وما أعده لها من معاجين يختم حديثه بقوله : " فاغتنموا رحمكم الله هذه المنافع بثمن ثمرة أو خيارة مرة ، واقبلوها مني بهنأ قبل أن

تقولوا كان هنا " ثم ينصرف ويدخل نباتة العشاب ، فيعرض ما عنده ، فهو خليفة ( ديسفوريدس ) وسيط ابن البيطار العارف بالأصول والفروع ، والأوراق والأزهار ، فيعرض ما عنده من أصول وبذور ، وصموغ وعصارات وزهور ، عرض العالم النباتي والطبيب الفنى ،

فما من حشيشة في الأرض ثابتة إلا ولها في الجسد علة ثابتة ؛ وبعد أن يفرغ من الحديث عن هذا العلاج النباتي يتحدث عن نبت ( المندغورة ) ذات الفوائد المشهورة ، فالحبة تقلب البغضاء محبة ، وقيمة الذرة منها درة ؛ أين الذي جفاه معشوقه ، أو غضب مولاه أو صديقه ، دلوا علي

من غضب السلطان عليه ، أو تخبطه الشيطان ، أرشدوا إلي من ضعفت قواه ... وبعد أن يعدد كل فوائد النبات والأعشاب يودع الحضور بشعر جميل في الحشائش وفوائدها ؛ ثم ينصرف فيخرج عواد الشرماط الذي

يضرب المرآة ، وينظر في المندل ، ويشير إلي الكف ويكتب التعاويذ ؟ وينشد شعرا يصف به فائدة العزائم والرقي ، والتمائم والأحراز

ومن فضله أن العدو إذا بدا

                   لحامله أمسي به متأخرا

يلوح عظيما في النفوس معظما

                   عزيزا مهيبا في النفوس موقرا

وذات نزيف بالدماء رأت به

                   عيانا وقد فاضت من الدم أبحرا

وأرملة عطل من الزوج قد غدا

                   به أمرها للخاطبين ميسرا

وبعد أن يفرغ من شعره يقول : اعلموا رحمكم الله إن أسماء الله تعالى دروع وليس معها تروع ، فيخرج شخص صغير من أولاده ويسقط كالمصروع ، فيتجاهل عنه والصبي قد أزيد وتغرغرت عيناه بالدموع ، فيقول له الريس على : هذا وقت تمائمك ورقاك وعزائمك ،

فيقول : أجل ، ويدنو منه ويقول : الوحا الوحا ، العجل العجل ، ويحمل حرزا من تلك الحروز بيمينه ، ويضعه للصبي فوق جبينه ، ويقول : أقسمت عليكم معاشر الجن والشياطين ، والأبالسة المتمردين من جنود الشيخ أبي مرة اللعين ، إن كنتم من اليهود الناقضين للعهود ، فيأهيا شراهيا ( في العبرية أهيا أشراهيا : رمز إلي الله ) ، وإن

كنتم من النصاري فبالذي ركب الحمار ، وشد الزنار ، وعمل من الطين كهيئة الأطيار ، ونفخ فيه فطار ؛ وإن كنتم مجوسا فبالنار والنور ، والظل والحرور ؛ وإن كنتم مسلمين فبحق الكتاب المبين ، وبفضل بركات طه ويس أجيبوا عزائمي ، واخضعوا لتمائمي ، لا سماء تظلكم ، ولا أرض تقلكم ، بالذي أمر البرق لمع ،

والنجم طلع ، أي هذا الجان اللابس هذا الإنسان أخرج من الأنملة وادخل هذه المكحلة ؛ فيعطس الصبي ويقول : يا حكيم ، دخل كله وما بقي إلا أقله ، فيزجره " فيتوج مبتطرون " ، ويعني من حضر من الزبون ، ويقول : سد رأس المكحلة بشممة وادفنها في هذه البقعة ، فيفيق الصبي ويقعد ويترنم :

جمال وجهي يسبي       بحسنه كل جنس

بحسن خلقي وخلقى          ولطف ودي وأنسي

قد صرت أدعي حبيبا       لكل جني وأنسي

وينصرف فيخرج شبل السباع ومعه الأسد والأتباع ، فيتحدث عن فنه حديثا لا يقل روعة وجمالا عن أحاديث السابقين ، ثم ينصرف ، ويخرج مبارك الفيال ويقول :

انظر إلي الفيل في تهويل خلقته

                     واعجب لإتقان صنع الخالق الباري

كقبة بنيت عمدا علي عمد

                    وغيرت ظاهرا بالزفت والفاري

بل كالسفينة في يم قد انقلبت

                    وقد رمى ظهرها رام بيتار

تخال من ورق القلقاس قد نبتت

                    أذناه حين تراه عاديا ساري

ثم يولي القيل مطرقا لنفسه بتلك الزلومة ، والصبيان يهجيون من خلقه : حالومة ، زلومة ، وتظهر بعد ذلك الصانعة بالمشارط والكاسات ، وترفع سوتها وتقول : الصانعة يا بنات ؛ وتأخذ في إنشاد نشيد تعدد فيها أعمالها وشهرتها ، وغرام الرجال والبنات بها ، ثم تنصرف  فيتقدم ابو القطط والفار في السقط ، ويشير إلي هرة ؛ ثم بعد أن ينشد نشيدا يقول : اصعد يا نمير إلى الطارة ،

واحذر أن تعض فارة ، واخرج له أنت يا سمور المذنب ، واتبعه أنت يا سنان الأشهب ، وخذ أنت الفروة الحمرا ، وانت الفروة الصفرا ؛ وأنت يا سمان الغيط ، والحقه يا سنجاب في الحيط ، وقف أنت يا طليق على ظهره ، وعضه يا أبا الجرذان في ظهره ؛ فتتمثل الحيوانات ما أمر ثم يقول : من جاد علينا بالإنثار لا ابتلاه الله بأذي الفار . وينصرف ، فيأتي زغبر الكلبي وأصحابه ، وجراه وكلابه ،

ويقعد وينشد :

تعلمت أخلاق هذي الكلاب

                     ومن لي بأمثالها في صحابي

وفاء وصبر وحفظ الذمام

                    وذب عن الخيل عند الضراب

وتسهر إن نمت في قفرة

                   وتحرسني من ضواري الذئاب

كلاب ولكنها فضلت       على بعض قوم مشوا بالثياب

ثم بعد حديث طويل ينصرف ويأتي غيره . ولعل من أحسن شخصيات ابن دنيال التي عرضها هي شخصية ( ناتو ) السوداني ، إذ نري شخصا يظهر بدبدابه وطرطوره وذرائيه ، ويهز المزاريق ، وبكر مقبلا في الطريق ومدبرا ويبلق عينيه ، ويفتح بأصابعه شدقيه ، ويهملج كالبغل ، ويرقص ويغني علي إيقاع الطبل ، وينشد :

ناتو ناتو ناتو يا ناتو ناتو

غزلان السودان لولا الصبيان غيره ما ماتوا

ناتو يا ناتو يا ناتو ناتو

دعنا نتمزر نكرع ونسكر يا مهتار عنبر في كبدي هاتوا

ناتو يا ناتو يا ناتو ناتو

لولا ذي الأمزار مع سمان الفار ما أصبح مختار يهوي سناته

ناتو يا ناتو يا ناتو ناتو

سمرا محبوبه حمرا كالطوبه من خلا النوبه يا ماذا فاتوا ثم يوالي الإنشاد ، فيذكر الطبطاب ، والشرب بالقادوس ، وغناء جاموس ؛ وبعد أن يفرغ ينصرف . ويأخذ ابن دنيال في عرض باقي شخصياته عرضا وفق فيها توفيقا عظيما .

وقبل أن نختم الحديث عن بابة " عجيب وغريب " نحب أن نشير إلي أن ابن دنيال أطلق على شخصياته التي عرضها أسماء نتفق ومهنهم ، فعجيب من عجيب الدين الواعظ ، وكان من مشاهير الوعاظ في ذلك العصر ، وغريب لفظ استعمل في غير معناه ، فأطلق على

الفرس كما نطلق نحن الآن لفظ ( حلب ) على الغجر ، أو كما تستعمل لفظ ( برمك ) في غير ما وضع له . كما أطلق المؤلف أيضا اسم نباتة على العشاب ، وهلال علي المنجم ، وشبل على السباع ، وميمون على القراد ، الخ . ولم يكتف بهذا العرض الجميل لأصحاب تلك الحرف ، بل تراه يجمع كل لغة الأسواق ويقابلها بلغة العلماء في قصيدة تربو علي

الأربعين بيتا ، جاء فيها :

ولكني رأيت العلم زينا           فعدت إلي المدارس والجدال

وتبت فصرت في الفقهاء أقضي

                    وأفتي في الحرام وفي الحلال

ونظم الشعر صرت به فريدا     وطلت به علي السبع الطوال

وقطعت العروض بفاعلات       بأوتاد وأسباب تقال

وعلم النحو فيه النصب فني     على من كان ذا جاه ومال

وطيبت الأنام فكم أناس         قتلتهم بفيض وانهال

وبعد أن تحدث عن طبه وفلسفته ، رجع فقال :

وعدت إلي المقابر رب وعظ   ومقري علي الرمم البوالي

وألقيت الحياه وراء ظهري      ولم يخطر ببالي أن أبالي

اشترك في نشرتنا البريدية