الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 122الرجوع إلى "الرسالة"

٢ - منازل الفضل، دار علي مبارك باشا, فُجور القانون

Share

من الأسماء ما يخف على سمعك لمجرد تركيبه ووقع نغمه في  الأذن، ومنها ما يعجبك لمعنى يشير إليه؛ وقد يعجبك الاسم  وقد خلا من هذين إعجاباً بشخصية قدَرت في التاريخ دورها؛  وقد يكون من بين الأسماء ما ينفر منه السمع، وهو مع ذلك  حبيب إلى نفسك لذكرى تتصل به أو جميل أردفته بالعرفان.

ويقص المتشيعون للعلاقة بين الاسم والمسمى من علماء  اللغة أن أحدهم سأل إعرابياً عن معنى   (أذغاغ)  فقال الإعرابي  وهو لا يعرف من الفارسية شيئاً:   (أرى فيه يبساً وصلابة،  ولعله الحجر) .

وليس للطفولة أن تسمو إلى شئ من ذلك البحث أو ذاك  القياس، وإنما يسبق فيها الإحساس بالمعرفة، فما نظرت إلى  شيء من ذلك يوم كان   (شارع علي مبارك باشا بالحلمية)  أحب  الشوارع إلي سنة ١٩٠٨، فكنت أخصه بروحاتي وغدواتي،  وأختص   (اليافطة)  أول سيري به بتجربة قدرتي على قراءة اليفط  والخط المشبك.

سكنا الحلمية بعد أن هجرنا دارنا الأولى بدرب الجماميز حيث  مأمورية الأوقاف الآن، على أثر خلاف بيننا وبين ديوان الأوقاف  على حيازة القطعة المجاورة لتوسيع الدار بطريق البدل، ولا أجد  اليوم تعليلاً معقولاً لتفضيلي إلا بالصلة التي توجدها النشأة،  وقد نشأت في الريف، ومن أسرة فلاحة، واسم علي ومبارك

كثيراً الشيوع في الفلاحين، فلم يكن عجيباً أن يكون هذا  الاسم أقرب إلى النفس وأسهل في الحفظ من أسماء ندر أن نسمع  بها   (كسنجر الخازن)  و   (الأمير يوسف)  وغيرهما.

أجل لم يكن بذلك الشارع بائع   (سوداني)  ولا شوكولاته،  ولم تكن حوانيت الساندويتش انتشرت بعد، حتى أرد التفضيل  إلى تلك المغريات في سن الطالب.

وفي عام ١٩١١ أهدتني الجمعية الخيرية الإسلامية مجموعة ثمينة  من الكتب لنجاحي من الفرقة الثالثة في الشهادة الأبتدائية،  كان من توفيق الله أن ضمت بين دفتيها   (تاريخ علي مبارك باشا)   ولن أنسى ما حييت غبطتي بهذا الكتاب، وذكرت على التو  شارع علي مبارك باشا، وقلت: إذن فهذا رجل له في تاريخ  البلاد شأن!

عكفت على القراءة مبتدئاً به، وخفق قلبي حين وقفت في  أوله على نشأة   (علي مبارك)  فصدق ظني، فهو فلاح وابن فلاح  مثلي، فلم أترك الكتاب حتى جئت على آخره، وأعدت قراءته  مرات حتى كدت أحفظه عن ظهر قلب إذ ملئت إعجاباً بالرجل. سميت المرحوم محمد شريف باشا حين كتبت عنه   (رجل  البرنامج) ، وليس اليوم أحق بأن يسمى   (رجل الواجب)   من المرحوم علي مبارك باشا.

رأى صديقي المرحوم محمد رمضان بك القاضي السابق بالمحاكم  الأهلية حين زار   (فينا)  عقب الحرب أحد ضحاياها   (جول)  يزحف  وقد بقيت له ساق واحدة وذراع واحدة، وبيده الوحيدة مكنسة  ينظف بها الرصيف، فسأله عن قصته.

قال جان: إنه كان يعمل في التحاليل الكيميائية، ويؤدي  بذلك واجبه نحو بلاده وأسرته، وانخرط في سلك الجندية يؤدي  واجبه نحو بلاده وأسرته، فلما فقد ساقه وجد مجال الواجب  في عنابر الجيش يلف ويرتب بيديه، ولما فقد إحدى اليدين  وكانت الحرب في نهايتها اشتغل كناساً، فهو بعد لا يستريح  ضميره أن يكون من العاطلين، ومن بين إخوانه من هو أحق  منه بالإعانة والإعاشة، وليس أحب إلى نفسه من أن يقوم  بالواجب ويعيش من أداء الواجب، فليس فرق عنده بين المعمل  والصفوف، ولا بين العنابر وكنس الرصيف!!!

حيَّاه صديقي عليه رحمة الله، وكتب عنه مقالاً كاملاً  يذيع نبل نفسه ويضربه مثلاً لقومه.

وكذلك كان علي مبارك باشا، فهو من نوابغ البعوث العلمية  في أول البعوث، وهو المبرز بين أفراد بعثته، وبلاده في حاجة  إلى أمثاله، وفي حاجة أشد إلحاحاً إليه؛ ولكن لا زهو  ولا صلف ولا استكانة! فالحاجة إليه يراها نعمة الله تستوجب  الشكر، والعلم الذي يقدره الناس فيه يراه الثروة التي زكاتها  البذل منها في خير البلاد.

ومن لم يجمّل فضله بتواضع ... يَبِنْ فضله عنه ويعطل من الفخر

كان علي مبارك باشا   (ناظراً)  وزيراً للأشغال يسيطر على  أكبر الإدارات صلة بحياة البلاد ومرافقها، يضع الخرط وينظم  حفر الترع والجسور التي طالما أحيت مواتاً ودرت أخلاف  الرزق على الملايين وتركت اليباب مزارع وحقولاً، في أول  عهد البلاد بزراعة منظمة وري منظم.

وبينما هو غارق فيما نعده اليوم أبهة المنصب، ينقل لسبب أو لغير  سبب، لغضب أو لتقدير موهبة منتدباً لإصلاح طابية وهو من  خريجي المعاهد الحربية، فينتقل قرير العين وكأن العالم صور فانحصر  في تلك الطابية لا يرى أمامه إلا أن يُعِدَّها كما يجب أن تعد  تقديراً لأمانة العلم وقياماً بالواجب.

ولي علي مبارك باشا في وقت ما وزارتين، وجيئ به وقتاً  آخر يشرف على مد خط حديدي ليس أكثر من كبير مهندسين،  جاءت خطته وأوضاعه وتنفيذ مشروعه آيات في حسن الوضع  والتنفيذ؛ ولم يكن علي مبارك باشا ذو الوزارتين غير علي مبارك  صاحب عيشة الخيام في براري البلاد يوطد أركان الدفاع عنها،  ولا غير ذلك الرجل الهادئ رجل الواجب، يضع من قطع الحديد  وصلاً لبلاد الريف وقراءة وتقريباً للشقة وتيسيراً لأمور الخلق،  فهو إنما يعيش لبلاده، وإنما يخدم بلاده، وإنما يخدمها حيث  يوضع، ويستثمر كفاءته في أي مجال. طريقته واحدة ونظرته  واحدة، وهدفه واحد: الواجب.

وإنك لترى اليوم من شبابنا من ينقل من وظيفة إلى أخرى  دون أن يمس راتبه ودون أن تمس درجته، فهو لا يكتفي بالشكوى  والضجيج والإلحاح حتى يسمم عمله الجديد آثار غضبه ويأسه

ولا يعيش إلا بخيال واحد وأمل واحد: أن يتغير العهد ويعود له  ما كان فيه، بينما يقاسي المحكومون ممن تتصل أحوالهم بعمله  ألواناً من البطء في شؤونهم وكثيراً من عنت لا ذنب لهم فيه. هذه الظاهرة وحدها من سيرة   (علي مبارك باشا)  درس  قيم في الأخلاق وتراث زاخر، وموعظة لهذا الجيل بالغة.

أما عمله في وزارة المعارف ففي كل ركن من أركان التهذيب  والتثقيف له أثر عميق، كان لا يني عن زيارة المدارس زيارة  لا يسبقها إعلان ولا شئ من جلبة الرسميات، ولو خلت من هذا  وحده لكانت بذلك كافية في معنى الرقابة وما يتصل بالحرص  على الواجب من الوقوف على درجة التقدم وعيوب التنظيم. لكنها لم تقف عند ذلك الحد، فكان عليه رحمة الله يسأل أكثر من طالب في كل فرقة وفي أي مادة يتفق تدريسها مع  ساعة الزيارة، وطالما كان له جولات في مختلف العلوم مع من  يزورونه من الطلبة في الديوان سواء لرفع شكاة أو تبيان مصلحة. هكذا كان علي مبارك باشا. فانظر إذن وتخيل ما تكون عليه  دار أسعدها الله بسكنى رجل الواجب.

كان عهده نادر المقاهي والسوامر والملاهي؛ وكانت الدور  العامرة سواء في العواصم أو في الريف بدورها في صيانة  الأخلاق وتكوين الجيل، والعلماء وقت ذاك قليل، وعلي مبارك  بين القليل درة لامعة.

دار كانت بالوافدين والساعين إلى العلم أكثر ازدحاما مما  ترى اليوم في جامعة أو في سينما، لكل فريق دور، والأدوار  متعددة تنتهي بآخر السهرة من الليل لاختلاف أوقات الفضاء  لصاحب الدار أو للوافدين.

دار طالما عمرت بصالح الحديث وبعدت بنازليها عن اللغو،  فصفوة العلماء يبحثون ويباحثون، وللأدباء فيها نصيب كبير،  وللطلاب النصيب الأوفر.

تزين الدار مكتبة جامعة، نصيب الرجل منها كنصيب أي  واحد من قاصديه، وعليه هو القوامة على تنسيقها وحفظها،  بل عليه أن يختار لكل ما يلائمه، يبذل من الكتب والمراجع  كما يفيض من محفوظه وتجاريبه؛ وهل يستطيع علي مبارك إلا  أن يكون واحداً في كل تصرفاته وفي روحاته وغدواته يقوده

الواجب، وسيرته التماس النفع للبلاد؟

ولقد أعلم أن المرحوم   (مصطفى كامل باشا)  الذي ما زالت  البلاد تعتز في ظل ما خلف إلى اليوم ما أحسن المحسن وما أساء  المسيء، كان في شطر كبير من تكوينه العلمي أكبر حسنات تلك  الدار، كما كان صاحب الدار أكثر الناس إعزازا للنجباء من  أبناء البلاد، فمن نزح إلى أوربا يكمل تعلمه، لا يني في البحث  عنه في العطلة الصيفية وفي عودته إلى الوطن، ولا تلبث الحلقات  أن تعقد من أولئك الأنجاب في تلك الدار التي ازدهرت وقتاً ما  فازدهرت بها حديقة العرفان وكللت جبين البلاد. كانت مهمة الدار في أفق العلم مهمة الجامعات، فهي سيطرة  رفيقة على تنظيم الثقافة وتوزيعها على قدر المختلفين إليها، وكانت  فيما يمس الذين أكملوا دراستهم واسطة العقد، ووسيلة التعارف  وأداة الوصل، كما كانت للنازحين في طلب العلم مرداً إلى عوارف  الوطن، وجميل المدرسة الأولى، وخير مقرب بين الثقافتين، وخير  قوام على تطبيق المعلومات وتهذيبها وصبغها بما يناسب صبغة البلاد. أين تلك الدار؟ وأين كعبة العلم؟ ذهبت بها تصاريف الزمان  وعفاها ما يشبه الجحود منا حكومة وشعباً، ومثلها مثل قصر  أم المحسنين في حي الدوبارة، قامت أحجاره يسخر منها   (قصر  العار)  وخلى من كل شيء إلا من نسيج العنكبوت.

بل إن للعلم عند الله كرامة! فلئن ذهبت رسوم الدار بين  الرياح من جنوب وشمأل فقد أكرم الله نازلها وعامرها بهذا العفاء،  فلعلها لو عاشت لظهرت غريبة ولأزرى بها انصراف مؤمن عنها  وشماتة من دور قامت على الإساءة للبلاد والسخرية مما ينفع الناس. يبحث إخواننا من أهل العراق عن   (المثنى)  ويقيمون  باسمه نادياً، فهلا نسمع من شباب الجامعة عزماً على البحث عن  مكان الدار وتسمية ناديهم باسم   (علي مبارك) . إذا كان هذا عزيزاً على أنواء الزمن فهل نسمع في القريب  أنهم زينوا إحدى غرف النادي أو قاعات البحث بالجامعة باسم  الراحل الكريم؟!. أيها الناس أكرموا السلف يكرمكم الخلف، فكما يدين الفتى  يدان

الشيخ عطا

أعجبت أشد الإعجاب بسلسلة مقالات   (الجمال البائس)   للأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي وتتبعتها بمجلة     (الرسالة)    الغراء؛ وأعجبت منها خاصة بتصويره للقانون في مقاله الأخير  ورميه بالفجور وقوله على الأستاذ   (ح) :   (فالحقيقة التي  لا مراء فيها أن فكرة الفجور فكرة قانونية، وما دام القانون  هو الذي أباحها بشروط، فهو هو الذي قررها في المجتمع بهذه  الشروط) . وهذه فكرة كانت ظاهرة خافية معاً؛ فهي في  القانون ولم ينتبه لها أحد ولا من رجال القانون. وقد صار من  حق     (الرسالة)   وقرائها عليَّ أن اكشف هذا المعنى كشفه القانوني  ليعرف القراء كيف غُرس الفُجور غرساً في قوانيننا المصرية.

لا مشاحة في أن قانون العقوبات قد اهتم لعقاب الجريمة بعد  وقوعها اكثر من اهتمامه بالاحتياط لها والعمل على منعها قبل  حدوثها؛ فمهمته في الواقع لم تخرج عن بيان الأفعال التي يعتبرها  الشرع جرائم ومقدار الجزاء على كل منها، فهو يتضمن القواعد  الموضوعية Regles de fonds للقانون؛ بينما اهتم قانون تحقيق  الجنايات   (بالنظم والإجراءات)  التي يجب أن تراعى لتنفيذ قانون  العقوبات، أي لمعرفة الجاني إذا ما وقعت الجريمة، فهو يتضمن  القواعد الشكلية  Regles de forme فكلا القانونين اهتما كما قال  الأستاذ الرافعي   (لحالة الجريمة لا للجريمة نفسها)  وتركا مسألة  الجريمة وبلا احتياط لمنعها قبل حدوثها للقوانين البوليسية  وللعقوبات الأدبية، وبهذا أضافا للخطأ خطأ آخر إذ أغفلا مسألة  واقعة وهي أن العقوبة الأدبية قد أضعفتها عوامل المدنية الحاضرة  ولم يبق في أكثر النفوس إلا سلطان القانون وحدوده. .

والسبب في تقصير القوانين الجنائية هذا التقصير الفاضح  وخاصة في بلاد إسلامية تتخلق بأخلاق الفضيلة، هو أجنبية  هذه القوانين فإنها فرنسية الأصل، فرنسية الوضع، فرنسية  التطبيق، فرنسية المرجع، فمن ثمَّ لا يؤدي إلا ما تؤديه القوانين  الفرنسية في بلادها. أما حالات الشرق الخاصة وتقويم تقاليده

وأخلاقه، فهي عمياء عنه أو تخبط في عمياء؛ ومن البلاء أن  نقل هذه القوانين كان من عمل متشرعين أجانب بعيدين عن  المحيط القومي فنقلوا نقلاً ممسوخاً أضاع كل فائدة ترجى وخاصة  في صميم المسائل الأخلاقية الشرقية. بل إن القانون وقف من  هذه الأخلاق موقف الجامد الغافل أو المشجع المستهتر بالأباحة.

ولو أنا عرضنا قانون العقوبات ووضعنا بعض المواد الصماء  تحت نظر الفاحص لوضحت فكرتنا، فمن المعروف قانوناً أن حرية  النيابة في   (تحريك)  الدعوى العمومية وفي استعمالها ليست  مطلقة كل الإطلاق، فهناك أحوال تحد من تلك الحرية، ومنها  ما يستوجب الإذن من صاحب الشأن كالحال في دعوى الزنا.  والزنا في القانون يختلف عنه في اللغة وفي الشريعة، وبهذا اقتصر  القانون على اعتباره كذلك إذا وقع من الزوج أو الزوجة  وشريكيهما، وأحاطه بشروط خاصة ضيقة اشترط فيها قيام الزوجية  فعلاً أو حكماً. فالفعل الواقع من الزوج أو الزوجة أثناء الخطبة  أو بعد الطلاق البائن لا يعتبر جريمة. وكأن القانون في نقله  ذلك عن المواد ٣٣٦ - ٣٣٩ من قانون العقوبات الفرنسي  قد أغفل الأخلاق الشرقية وتناساها وترك حبل الشيطان على  غاربه، بل هو قد شجع على ارتكاب هذا العمل من غير الزوج  أو الزوجة بالشروط الخاصة بجريمتيهما، بل أكثر من ذلك أتاح  الفرصة للزوج أن يفعل فعلته النكراء في غير منزل الزوجية بلا  عقوبة. وبذلك ترك الأسرة تتدهور بتدهور عائلها ووقف موقفاً  غريباً في صدد المساعدة على التدهور الأخلاقي، فجعل الحق في رفع  دعوى الزنا للزوج وللزوجة وحدهما، فإذا رضي أحدهما عن فعلة  الآخر وقف القانون مكتوفاً لا يمكنه التحرك إزاء العمل على  سقوط الأسر واختلاط الأنساب والقضاء على الأخلاق، بل إنه  يقف حائلاً دون الزوج نفسه في   (تحريك الدعوى العمومية)   إذا ما وقعت منه يمين الطلاق وهو في جنون غيظه من جريمة  زوجته، وبذلك تتقي الزوجة وشريكها صولة القانون ويكون  الطلاق كأنه محا الجريمة قانوناً مع أنه لم يقع إلا بها.

ولا دلالة على نقل القانون المصري نقلاً جامداً عن القانون  الفرنسي أكثر من وقوفه بالمادة ٢٠١ عقوبات في جانب الزوج  الذي يقتل زوجته في حالة التلبس بالجريمة، معتبراً ذلك ظرفاً  قانونيا مخففاً يعاقب فيه بالحبس فقط، ثم يأبى ذلك على الأب

والأخ الذين يمتد إليهما عار الجريمة أكثر من الزوج، فالزوج  يتخلص منه بالطلاق، أما هما فالعار قد لصق بهما. وهذه القاعدة  الفرنسية كانت معقولة في فرنسا في وقت وضع قانون العقوبات  الفرنسي إذ كان الطلاق وفقاً للمذهب الكاثوليكي غير جائز،  وإذ كانت الجريمة من ذلك لاصقة بالزوج أكثر من التصاقها  بأسرة الزوجة.

ومن التخريجات الغريبة والتطبيقات التي تنشأ عن القانون  الجنائي المصري في هذا الصدد، حالة ما إذا فاجأ الزوج زوجته  وشريكها، فحاول قتلهما فقتلته الزوجة أو شريكها، فلا عقوبة  على فعلهما لاعتبار ذلك دفاعاً شرعياً عن النفس؛ ثم إنه بعد ذلك  لا عقوبة على جريمة الزنا التي اقترفاها إذ فد مات الزوج صاحب  الحق في الدعوى ضدهما. ولو حدث أن قتل الزوج زوجته  سقط بذلك حقه في الدعوى ضد شريكهما، لأن حظ الشريك  مرتبط بحظ الزوجة الزانية فيستفيد مما كان يفيدها. وقد ماتت  فالشريك يعتبر بريئاً إذ لا عقوبة عليه إلا إذا حكم على الزوجة،  وهذا غير متيسر لموتها.

وكذلك القانون لا يعاقب على جريمة الفسق ولا على تلك  الجريمة النكراء الشنعاء: جريمة اللواط متى توفر الرضا إذا كان  سنَّ الفتى أو الفتاة أكثر من ست عشرة سنة. فكأن القانون  يشجع ذلك بعدم وضع الحظر عليه، بل أكثر من هذا فإنه  يقف موقفاً غريباً بالنسبة للقاصر إذا جاوز السادسة عشرة فإنه  يبيح له أن يجني ويبيح الجناية عليه. . . . بلا قيد، بينما لا يبيح  له الزواج أو التصرفات المدنية إلا برضا وليه أو وصيه حسب  الظروف، وهذه مسألة من الخطورة بمكان عظيم إذ تترك الشبيبة  الناشئة تتلاعب بها الأيدي والأغراض، وتجرها المفاسد إلى  غير مستقر بدون رقيب عليها، وهي عدة المستقبل وآمال الأمة.  فإذا كانت هذه الشبيبة على ما يحوطها من المفاسد ويغريها  لا يحميها القانون فيا سوءة المستقبل، ويا ضياع الآمال , ومن  الواجب المحتم أن يتنبه المشرع إلى هذا النقص التشريعي فيسارع  إلى علاجه قبل استفحاله كيلا يتهم بالمساعدة على التدهور الخلقي  وعلى إفساد الأمة في أساسها الحي الذي هو الفتى والفتاة. هذا بعض من كل من الأمثلة الدالة على فُجر القانون  والمشجعة لضروب المنكر_قد يقال إن روح القوانين الحديثة  أن تتجه نحو الحرص على عدم التعرض بالعقاب للجرائم الأخلاقية  إلا في حدود معينة، فلم يعاقب على الرذائل والآثام لذاتها؛ بل

لما يترتب عليها من الضرر للأفراد أو للمصلحة العامة. ولكن  الرد على هذا سهل يسير وهو: أنه ما من جريمة أخلاقية  إلا أصاب الغير ضررها بالذات أو بالواسطة حالاً أو مستقبلاً،  وذلك بانتشار الرذيلة الذي يتبعه تأثر الوسط وفقدانه حيويته؛  والذي يتبعه حتماً كنتيجة مباشرة إنهيارُ البيئة الإجتماعية وتفشي  الأمراض الخبيثة بينها وازدياد الأدواء المختلفة الجسمانية والأخلاقية،  وبذا تتأثر المصلحة العامة؛ فلا حجة في تلك الحجة. ومع ذلك فإن كثيراً من القوانين الحديثة لا تزال تحرم الرذيلة  لذاتها، والقوانين الإنكليزية والألمانية والنمسوية والمجرية تعاقب  على اللواط ولو وقع بالرضا، كما تعاقب أيضاً على اتخاذ القيادة  حرفة ومرتزقاً؛ والقانون السويسري يعاقب على البغاء. وهذه هي قوانين الدول المسيحية؛ أما الدول الإسلامية فإن  قوانينها ولا كُفران لله قوانين واسعة سمحة. فيا ليت الحكومات  الإسلامية تعمل بهذه الطريقة العكسية فتضع للشيطان قانوناً على  الضد من طباعه، وبذلك يجئ قانون الشيطان مصلحاً لقانون  الإنسان. . . . . .

اشترك في نشرتنا البريدية