الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 187 الرجوع إلى "الرسالة"

٢- هل قتل الحاكم بأمر الله أم اختفى ؟، نظرية الاختفاء كما يشرحها الدعاة السريون .

Share

وقد رأينا فيما تقدم أن الدعاة الملاحدة، أعنى حمزة بن على                               وصحبه، ألفوا فى اختفاء الحاكم فرصة لأذكاء الدعوة وتغذيتها،                                  واتخذوا من هذه الاختفاء وظروفه الغامضة، مستقى جديداً للزعم                                     والارجاف، فزعموا أن الحاكم لم يقتل ولم يمت، ولكنه اختفى                               أو ارتفع إلى السماء، وسيعود عندما تحل الساعة فيملأ الأرض                               عدلا، وأضحى هذا الزعم أصلا مقرراً من أصول مذهبهم.                              وقد انتهت إلينا فى هذا الزعم -أى زعم الغيبة والرجعة، وثيقة                              هامة بقلم كبير الدعاة حمزة بن على ذاته، وفيها يشرح لنا ظروف                           هذا الاختفاء وبواعثه على ضوء دعوته وأصول مذهبه، وإليك                              ماجاء فى تلك الوثيقة الهامة التى تقدم رغم غرابة شروحها                                            ومزاعمها إلى المؤرخ مادة للتأمل:

يقدم إلينا حمزة رسالته بهذا العنوان: " نسخة السجل الذى وجد معلقاً على المشاهد فى غيبة مولانا الامام الحاكم " وهى التى يفتتح بهارسائله فى متن الدعوة وأصولها حسبما أشرنا فيما تقدم

ويؤرخ الداعى هذه الرسالة بشهر ذي القعدة سنة ٤١١ ه ، أعنى عقب اختفاء الحاكم أو بعده بأيام قلائل ، ويفتتحها بدعوة الناس إلى المبادرة " بالتوبة إلى الله تعالى وإلى وليه وحجته على العالمين وخليقته في أرضه وأمينه على خلقه أمير المؤمنين " وأنه قد سبق إليكم ، أعنى إلى الناس " من الوعد والوعظ والوعيد من ولى أمركم وإمام عصركم ، وخلف أنبيائكم ، وحجة باريكم وخليفته، الشاهد عليكم بموبقاتكم ، وجميع ما اقترقتم فيه من الأعذار والانذار . ما فيه بلاغ لمن سمع وأطاع واهتدى وجاهد نفسه عن الهوى وآثر الآخرة عن الدنيا ، وأنتم فى وادى الجهالة تسبحون ، وفى تيه الضلال تخوضون وتلعبون ، حتى تلاقوا يومكم الذي كنتم به توعدون "

وإن أمير المؤمنين قد أسبغ على الناس نعمه ولم يفر عليهم

شيئاً منها ، و لم يبخل عليهم بجزيل عطائه ، ولم يشاركهم فى شىء من أحوال هذه الدنيا " نزاهة عنها ، ورفضاً منه لها على مقداره ومكنته لأمر سبق فى حكمته ، وهو سلام الله عليه اعلم به ، فأصبحتم وقد حزتم من فضله وجزيل عطائه مالم ينل مثله بشر من الماضين من أسلافكم ... ولم تنالوا ذلك من ولى الله باستحقاق ولا بعمل عامل منكم من ذكر وأنثى ؛ بل منة منه عليكم ولطفا بكم ورأفة ورحمة واختباراً لييلوكم أيكم أحسن عملا ، ولتعرفوا قدر ما خصكم به في عصره من نعمته وحسن منته وجميل لطفه وإحسانه . وعظيم فضله دون من قد سلف من قبلكم "

وأنه قد أجرى عليهم الأرزاق والنعم من الذهب والفضة والخيل المسومة والأقطاع والضياع ، ورفعهم إلى ذرى المراتب وشرفهم بأرفع الألقاب ، حتى غدوا سادة يحكمون ويطاعون، وغاشوا فى نعماء ورغد ، فأقبلوا على الدنيا واعتزوا بها ، وظنوا أنها سبيل الفوز فى الآخرة ، وتظاهروا بالطاعة فى حين أنهم متمسكون بالمعصية ؛ ثم يقول الداعى :

" ثم من نعمه الباطنة عليكم إحياؤه لسنن الاسلام والايمان ، التى هى الدين عند الله وبه شرفتم وطهرتم في عصره على جميع المذاهب والأديان ، ومزيتم من عبدة الأوثان وابانهم عنكم بالذلة والحرمان وهدم كنائسهم ومعالم أديانهم ... وانقادت الذمة إليكم طوعا وكرهاً فدخلوا فى دين الله أفواجاً؛ وبنى الجوامع وشيدها وعمر المساجد وزخرفها ، وأقام الصلاة فى أوقاتها والزكاة في حقها وواجباتها ، وأقام الحج والجهاد وعمر بيت الله الحرام ، وأقام دعائم الاسلام ، وفتح بيوت أمواله ، وأنفق فى سبيله ، وخفر الحاج بعساكره ، وحفر الآبار ، وآمن السبيل والأقطار ، وعمر السقايات ، وأخرج على الكافة السدقات ،

وستر العورات ، وترك الظلمات ، ورفع عن خاصتكم وعامتكم الرسوم والواجبات ، وقسم الأرض على الكافة شبراً شبراً ، وفتح لكم أبواب دعوته ، وأيدكم بما خصه الله من حكمته ليحثكم على طاعته وطاعة رسوله وأوليائه عليهم السلام ، فشينتم العلم والحكمة وكفرتم الفضل والنعمة ، وآثرتم الدنيا كما آثروها قبلكم بنو إسرائيل فى قصة موسى عليه السلام ، فلم يجبركم ولى الله عليه السلام ، وغلق باب دعوته وأظهر لكم الحكمة وفتح لكم خارج قصره دارعلم حوت من جميع علوم الدين وآدابه وفقه الكتاب

فى الحلال والحرام والقضايا والأحكام... وأمدكم بالأوراق والدواة والحبر والأقلام ، لتدركوا بذلك ما تمضون به وتستبصرون ... "

ثم يقول حمزة بعد أن يستعرض أعمال الحاكم على هذا النحو - إنهم - أى الناس ، لم يزدادوا إلاضلالا واثما ، وتمادوا فى غيهم وفجورهم ؛ وينعى على الناس هذه النازلة الأليمة ويحذرهم من عواقبها ، ثم يقول مشيراً إلى اختفاء الحاكم ": فقد غضب الله تعالى ووليه أمير المؤمنين سلام الله عليه من عظم إسراف الكافة أجمعين ، ولذلك خرج من أوساطكم ، قال الله ذو الجلال والإكرام : " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  "، وعلامة سخط ولي الله تعالى تدل على سخط الرب تبارك وتعالى . فمن دلائل غضب الإمام غلق باب دعوته ورفع مجالس حكمته ، ونقل جميع دواوين أوليائه وعبيده من قصره ومنعه عن الكافة سلامه ، وقد كان يخرج إليهم من حضرته ومنعهم لهم عن الجلوس على مصاطب سقائف وحرمه ، وامتناعه عن الصلاة بهم فى الأعياد و فى شهر رمضان ، ومنعه المؤذنين أن يسلموا عليه وقت الآذان ولايذكرونه ، ومنعه جميع الناس أن يقولوا مولانا ولايقبلوا له التراب . وإنهاؤه جميعهم من الترجل عن ظهور الدواب , ثم لباسه الصوف على أصناف ألوانه ، وركوبه الأتان ، ومنعه أولياءه وعبيده الركوب معه حسب العادة فى موكبه ، وامتناعه عن إقامة الحدود على أهل عصره ، وأشياء كثيرة خفيت عن العالم ، وهم عن جميع ذلك فى غمرة ساهون ...

ومن ثم" فقد ترك ولي الله أمير المؤمنين سلام الله عليه الخلق أجمعين سدى ، يخوضون ويلعبون في التيه والعمى الذى  آثروه على الهدى "

ويختتم الداعى رسالته الغريبة بتكرار الدعوة إلى التوبة                                         والاستغفار، وأن يتجه المؤمنون بأبصارهم إلى الطريق التى                                    سلكها أمير المؤمنين" وقت أن استتر" وأن يجتمعوا فيها                                     بأنفسهم وأولادهم، وأن يطهروا قلوبهم، ويخلصوا نياتهم لله                                   رب العالمين،وأن يتوسلوا إليه بالصفح والمغفرة وأن يرحمهم                                         بعودة وليه إليهم..." والحذار الحذار أن يقفو أحد منكم لأمير                                المؤمنين أثراً ولا تكشفوا له خبراً، ولا تبرحوا فى طريق يتوسل

جميعكم ... فاذا أطلت عليكم الرحمة خرج ولي الله أمامكم باختياره راضياً عنكم ، حاضراً فى أوساطكم ، فواظبوا على ذلك ليل نهار قبل أن تحق الحاقة ويغلق باب الرحمة وتحل بأهل الخلاف والعناد النقمة ، وقد أعذر من أنذر ... الخ ".

ويؤرخ الداعي رسالته بذى القعدة سنة إحدى عشر وأربعمائة ، وينعت نفسه فيها بمولى دولة أمير المؤمنين ، ويذيلها بالحث على نسخها وقراءتها والعمل بما فيها (١).

وهذا السجل يعتبر وثيقة مدهشة ، وربما كان بروحه وأسلوبه أقوى رسائل الدعاة وأهمها ، ومما يلفت النظر بنوع خاص ما يطبعه من حرارة وأسي ، واذا كنا لا نستطيع أن نؤمن بأن الداعى يصدر فيه عن إيمان حقيقى ، فانه ينم على الأقل عن براعة الداعى فى عرض ما يريد أن يعتبره الناس أساساً لعقيدة مدهشة ، هذا إلى أن هذا " السجل " يعتبر وثيقة تاريخية هامة بما يقدمه إلينا عن أعمال الحاكم وتصرفاته المختلفة فى بادىء عهده ثم فى خاتمته .

على أنه ما يلفت النظر أيضاً أن الروايات الاسلامية والنصرانية ، المعاصرة والمتأخرة ، لا تشير أية إشارة إلى هذا " السجل " الذى يقول لنا الداعى إنه وجد معلقاً على المشاهد ، ولو وقعت مثل هذه العلانية فى اذاعة السجل بمساجد مصر لما أغفلت الرواية الاشارة إليها ، ولعل الدعاة حاولوا إذاعته فلم يفلحوا ، وقد اشتدت عليهم وطأة المطاردة عقب مصرع الحاكم كما رأينا فلاذوا بالاختفاء والاستتار . وأصدر الخليفة الظاهر لاعزاز دين الله ولد الحاكم سجله الشهير الذي يتبرأ فيه من هذه المزاعم الخارقة التي قيلت فى أبيه وفى أسلافه ، وفيه يعلن اعترافه إلى الله " بأنه وأسلافه الماضين وأخلافه الباقين مخلوقون اقتدارا ومربوبون اقتسارا ، لا يملكون لأنفسهم موتا ولا حياة ، ولا يخرجون عن قبضة الله تعالى " وأن جميع من خرج منهم عن حد الأمانة و العبودية لله عز وجل ، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ؛ وأنه قدم انذاره لهم بالتوبة إلى الله من كفرهم ، فمن أصر نسيف الحق يستأصله

وإلى جانب هذه الوثيقة التى كتبها حمزة بن على عقب اختفاء

الحاكم . والتى يحاول فها أن يعلل هذا الاختفاء وأن يشرح بواعثه ، وأن يطمئن المؤمنين على رجعة سيده ومولاه ، توجد بين رسائل الدعاة وثيقة أخرى عنوانها " الغيبة " تمس نفس الموضوع من ناحية أخرى ، وقد كتبت بعد اختفاء الحاكم بثلاثة أشهر عن لسان قائم الزمان ( أى الحاكم بأمر الله ) بقلم داع مجهول ، والظاهر أن كاتبها هو المقتني أحد أكابر الدعاة وأحد " الحدود الخمسة ": وقد وجهت إلى أهل الشام خاصة ، وفيها يذكرهم قائم الزمان بالعهد الذى قطعوه ، ويحذرهم من الدجال الذى يزعم أن الألوهية انتقلت إليه ، والذى عاند الموحدين وحاصرهم ، ويقول إن الدين لا يصح إلاعند الامتحان ، ثم يخاطب الموحدين بقوله :

" معشر الموحدين ، إذا كنتم تتحققون أن مولاكم لاتخلو الدارمنه وقد عدمته أبصاركم ... وإذا فسدت المعدة ضرت البصر؛ فهكذا إذا كانت المادة واصلة إلى النفوس الصحيحة ، فينظروا صورة الناسوت نظراً صحيحاً ، وإذا كانت المادة من فعل الأبالسة ومادة النطقاء والأنس وشرائعهم فيفسد النظر وما ينظر إلا بشر " واعلموا معاشر الموحدين لمولانا الحاكم المعبود سبحانه وتنزه عن الحد والمحدود أن قائم زمانكم يطالبكم ، وقد شهدتم فى مواثيقكم بعضكم على بعض بما شرطتموه على نفوسكم... "...(١)

ثم يشير إلى أن كثيراً من الموحدين ارتدوا عما كانوا أقروا به وهو الاعتراف بألوهيته ، ويحذرهم من سلوك هذا الطريق ، ويشير إلى " الدجال"  ويقول إنه قتل الكثيرين بسبب عبادة الحاكم ، وأن المولى غنى عن عبادتههم ، وإنما هى أعمالهم ترد عليهم . ثم يقول: " ألم تعلموا أن مولاكم يراكم من حيث لاترونه .. معشر الاخوان أحسنوا ظنكم بمولاكم يكشف لكم عن أبصاركم ما قد غطاها من سوء ظنكم "

ويلوح لنا أن هذا " الدجال " المشار إليه فى هذه الرسالة إنما - هو عبد الرحيم بن الياس ولي العهد ، ووالى الشام ، فقد اشتد فى مطاردة الدعاة ، حينما ظهرت دعوتهم بالشام ، وفتك بكثير من أتباعهم وأنصارهم ، وهو ماتشير إليه الرسالة .

( النقل ممنوع - للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية