الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 34الرجوع إلى "الثقافة"

٢ - وطنه الحبيب . . .، مترجمة عن بيرل بك

Share

تلخيص : جون ديوي شانج شاب صيني مثالى النزعة يحوط تفكيره شئ من الخيال ، تربي في نيويورك ولكن خياله ظل متجها إلى وطنه الصين ، وفي اللحظة التي أتم فيه تعليمه وأوشك على الأوية للوطن ، تكشف له حبه لموللى كن رفيقة صياه وطفولته . . .

هذا الوجه هو الذي يحجم من أجله عن السفر لأنه يخشى الحرمان منه . هذه الوحشة فى نفسه ليس مصدرها إلا أنه سيفقد هذا الوجه .

قفز من مكانه كمن لدغته عقرب وخطا مسرعا نحو حانوت أبيه .

كان الظلام حالكا ، وكانت تماثيل بوذا وأصنامه متراصة تتوسطها تماثيل مختلف الآلهة .

جلس بين هذه التماثيل وألقى رأسه بين يديه ، ومضي يفكر . . . إنه لا يرضي أن يحب موللى كن ، ولا يرغب في هذا الحب ؛ لو فكر في زوجة يوما من الأيام فلن تكون هذه الزوجة موللي ، وإنما واحدة من هؤلاء

الفتيات في الصين ، هؤلاء اللواتى طالما حدثته أمه عنهن ، عن سكونهن وقناعتهن ، عن طاعتهن ، وخضوعهن لأزواجهن .

لقد داعب خياله يوما حلم سعيد عن منزل قروى لطيف في أرض الصين ، وتحوطه حديقة لطيفة ومزرعة متواضعة ، وشجرة من أشجار الصفصاف تعطر الجو بأريجها ، في رفقة امرأة طيعة عذبة ، ولم تكن هذه المرأة في لحظة من لحظات الحلم موللى الصاخبة العتيدة ، لقد كانت امرأة أخرى من بنات خياله ، لونتها وكونتها قصص الأم العذبة المضيئة .

ولكنها أخيرا موللي التي لا يطيق السفر من غير أن يراها ، ويراها دائما .

لقد نشآ سويا في منزلين متجاورين ، يراها كل يوم أ كثر من مرة ، ويسمع صوتها دائما في دويه العذب الصاخب ، ضاحكة حينا وغاضبة حينا آخر  .

رآها منذ الصغر ، ومرت الأيام فأصبحت طالبة تذهب كل يوم إلي مدرستها لتدرس التجارة حتى تستطيع أن تعاون والدها ، ثم مرت الأيام أيضا فأنتهت دراستها وعادت إلي حانوت أبيها تعاونه في عمله ، وتعد نفسها لتتولى الأمر جميعه بنفسها حين تسنح لها الفرصة  .

وهاهي اليوم تدير كل العمل في إناقة الفتاة الأمريكية ورشاقتها وملبسها ، كل شئ فيها لا يمت إلي الصين ، شفتاها الملونتان ، وشعرها المموج ، وتلك الكلمات الصافية التي لا تخالطها لكنة ولا عجمة ، والتي تنساب من بين شفتيها في سرعة وخفة .

كان الجميع ينظرون إليها في شئ من الإعجاب والحذر . أما الشبان فكانوا دائما ينظرون إليها في حسرة لأنها كانت بعيدة عن أحلامهم منذ أن شاع أنها ستكون زوجة لجورج لى ، ومنذ ان شاع مرة أخري أن هذا الزواج لن يتم لأن موللى رفضت أن تتزوج جورج لأنها لا تعجب به . لقد كان جورج أكثرهم إناقة وتحضرا فإذا كانت قد رفضته فلن ترضى بمن هو دونه .

جالت كل هذه الخواطر لجون وهو جالس بين تماثيل بوذا في الظلام الحالك ، وتمثلت لخاطره سخرية موللى منه ، كل أيدى رغبته في السفر إلي الصين ، واتهامها إياه بالجنون لأنه يفكر مثل هذا التفكير ، ثم عادت إلي خياله صورتها بعينيها اللامعتين وفمها الأحمر القاني لكثرة ما تداول عليه من أصباغ ، فتهد في ألم ، وأيقن بما في حبه لمثل هذا الفتاة من بأس وخيبة آمال .

كان قد وطد النفس علي قضاء بضعة أيام على الشاطئ الغربي قبل السفر ، فلما مرت هذه الأيام عليه دون أن يغادر نيويورك واقترب يوم قيام الباخرة أدرك ما هو فيه من خرج ، فعزم على الرحيل مرة أخري وحدد لسفره صباح الغد ، ولما لم يجد في نفسه الشجاعة الكافية ليسافر دون أن يراها ، تظاهر بالتعب وأجل سفره يوما آخر .

تملكه سخط على نفسه لهذا التردد ، فارتمى علي فراشه تتناوبه عوامل القلق والخجل ، ولم يطل به الأمر فقد قام فزعا ونزل الدرج في سرعة وخفة ، وأندفع إلي الحانوت المجاور حيث تعمل موللى مع والدها . ولم يضع دقيقة واحدة ، فقد وقف أمامها وقال في اضطراب وقلق :          - أتأتين معي إلي الصين أم لا ؟

ونظرت موللي في دهشة واستنكار إلي الوجه المائل أمامها ، ثم وضعت القلم خلف أذنها ، وقالت في هدوء :      - ولم أذهب إلي الصين ؟ إنني أمريكية ، وكل إنسان ولد في نيويورك يعد أمريكيا !

وأجابها في تلهف :   - لأن وطنك محتاج إليك . . .

. . .كان كل شئ فيها رائعا جذابا . هذه الوردة القرمزية التي تزين رداءها الأنيق ، وهذا اللون الساحر الذي تبدو عليه بشرتها الناعمة ، كأنها طبقة من الذهب تغطى تمثالا بديع الصنع ، كل ذلك جعله يزداد اضطرابا وانفعالا ، فاندفع ثانيا في توسله :

- أتظلين هنا بينما تطلبك بلادك لنجدتها ؟ ولكن موللى لم تتحرك بل أجابت بنفس الهدوء :

- سوف أفكر في ذلك عند ما يدخلون نور الكهرباء ووسائل النظافة الحديثة في البلد القديم .

- ولكن . يجب أن تأتي معي . . . . . . يجب أن تأتي ؟ هذه لهجة لم تتعود موللى سماعها . لقد وضعت يديها عند خاصرتيها في عنف ، والتفتت إليه من فمة رأسه إلي أخمص قدمه ، وقالت فى استنكار :

- مستر جون ديوي شانج . ماذا تظن في نفسك ؟ إنك لا تملك أن تكلم أمريكية بهذه الهجة ! ثم أخيرا . لم هذا التعبير بالذات : يجب أن آتي معك ؟       - ذلك لأننى . . أحبك .

لم يكن يقصد هذه الاجابة ، ولم يكن يتوقع أن يجيب بها ، لقد خرجت من بين شفتيه عفوا ، فحدقت عيناه تستشف أثر هذه الإجابة ، فالتفت بعينيها في لمحة قصيرة أرخت موللى بعدها أجفانها ، وامتدت يدها إلي القلم ، وجلست إلي مكتبها في سكون ، كأن لم يحدث شئ ، ثم قالت دون أن ترفع رأسها :

- جون .  اذهب من فضلك ولا تستمر في هذا المزاح .

وقال في يأس :  - أي مزاح ؟  إنني لا أمزح .

- إنني أعده مزاحا سمجا أن أذهب إلي الصين ، يا لها من نكتة ! .

وخطا نحوها وقد تحرك به الأمل ، ولكنها صاحت في غضب :

- أرجوك . إنني أعنى ما أقول . أذهب وحدك . - تعنين . إلي الصين ؟ - أجل . إلي الصين . إلي أي مكان آخر . . .

. . . لم يعد له مكان إذا .  تحركت قدماه في بطء وتثاقل نحوالباب بعد أن ألقى على وجهها نظرة طويلة عميقة ؛ ولكنه لم يكد يخطو حتى نادته في صوت ضعيف ، فوقف في مكانه مترددا :

- جون . لو أنني قلت لك إنني سأهتم بك هل تعدل عن السفر ؟

. . . ماذا ؟ بعد كل هذه الأعوام من الأحلام والآمال ، يتخلى بهذه السهولة عن الوطن الذي وهبه     كل حياته ؟

كانت هناك كلمة واحدة يستطيع أن يقولها ، قالها في غير تردد ، ومضي نحو الباب غير منصت لما ردت به . . .  لا . . .

. . . قالها ومضي سريعا ، وقبل أن يفكر كان القطار يشق طريقه بين المزارع الخضراء صوب شاطئ البحر مقلا إياه إلى السفينة الضخمة ليقر فيها راكبا بين ركاب الدرجة الثالثة .

واستقر به المقام في السفين ، وهناك بين أصوات الأمواج الصاخبة الآتية مع النسيم ، وبين مئات الوجوه التى لا يعرفها ، اتسع المجال للتفكير والأحلام . لم يسعفه التفكير بأحلام الماضي الذهبية ، ولم تقفز

إلي رأسه الصور البديعة للوطن الحبيب ، للأرض السوداء المنبسطة والأناس ذوي الوجوه التى تشبه وجهه . تلك الصور التي طالما تخيلها للوطن وساكنيه ، وتلك الآحلام التي كانت تصور له حياته قائدا من قواد بني وطنه ، أو زعيما يبشر برسالة الإصلاح في الأرض التي يحبها .

كلا . ثم تقفز إلي رأسه هذه الآحلام وتلك الصور . لقد كانت تتسلل إلى فكره صورة واحدة . فتاة صغيرة السن ، عنيدة ، ذات عينين سوداوين وشعر لعبت فيه المدنية لعبا هينا . فتاة ذات خلقة صينية وخلق أمريكى متمدين . صورة موللى كن التي رفضت أن تؤوب معه إلي الوطن الحبيب .

أرسل أنفاسا حارة أكثر من مرة ، وذرع ظهر السفينة فى قلق وتضجر أ كثر من مرة . ولم يغنه ذلك شيئا ، كل ما أفاده من أنفاسه ومن خطواته القلقة المتضجرة أن عاد بيقين واحد . انه لا يزال إلى هذه اللحظة يحب موللى ، ولا يزال يتخطفه الحزن والألم أن لم ترضخ لرغبته فتمضي معه إلي أرض الوطن .

حاول أكثر من مرة أن يصور نقائصها وسيئاتها ويقنع نفسه بأنها فتاة عنيدة طائشة كان من الخير أن لا ترافقه في رحلته وجهاده ، ولكنه عاد من كل هذه المحاولات بنفس اليقين . إنه يحبها وكان يسعده أن لا يمضي وحيدا . . .

وآب من تفكيره بالأمل الوحيد الباقي له ، هذا الوطن الذي يرحل إليه . لقد اصبح هو كل ما بقي له من أمل وأحلام ، كل ما بقي له لكي يعينه على نسيان مواللى ولكى يشيع في نفسه شيئا من الراحة والأمن .

كان هذا الوطن يتمثل له قريبا منه حيث ينتهي البحر وحيث يبدأ النهر ، فلما طالت الرحلة أصبح أملة أن يرى هذا الخط الأسود في الأفق حيث تلتقى الأرض بالماء في قوس دائرية على مرمى البصر ، فلما لاح هذا الخط تعلق به بصره ، حتى إذا اقتربت السفينة خانه التوفيق ،

إذ تبين أن هذا الخط ليس أرض الوطن ، وإنما هو جبال اليابان العالية ، تلك الجبال التي نظر إليها في برود كأنما ينظر إلي وجه مل مرآه .

وأخيرا لاحت أرض الوطن في ذراعين من الضباب الدا كن أحاطتا بالسفينة في عناق صامت ساحر ، لاحت أرض الوطن قد تحجبت بهذا الضباب فبدا الخليج في هذا اللون القاتم كان حافتيه ذراعا مارد امتدتا لتحتضن جون إلي صدر الوطن . خطر إلي فكره إذ ذاك النهر العظيم ، فسبق الحوادث وسبح خباله إلي اللحظة القريبة التي سيعبر فيها هذا النهر فيحس تحت أقدامه بمائه الاصفر ، القديم ، الثابت ، الساكن . . يرحب به في صمته وهدوئه .

وطارت هذه الأحلام فجأة حين وقفت الباخرة فارتفعت الأصوات من هنا وهناك ، واشتملته تلك الحركة الداوية التي تضم في حناياها تحيات المستقبلين وصيحات المقبلين ونداآت الحمالين وصفارات السفن الصغيرة المنتشرة على حافات الخليج ، كأنما هي أطفال تشارك في جلبة لا تعرف مصدرها ولا سببها .

خيل إليه أنه في نيويورك مرة أخرى ، هذه العمائر الضخمة التي تحيط به ، وذلك الصوت الذي ترسله السيارات الذاهبة والآتية في سرعة ونشاط كأنها تمثل اصحابها في لفتات أذعانهم وتباين أغراضهم ، ذ كره كل ذلك بنيويورك وبعث في نفسه شيئا من الشعور بالضيق لم يلبث أن زابله حين انهمر المطر بشدة ، فاندفع مع الواقفين يحتمي بسقوف أبنية الميناء، وتراءت له خلال قطرات المطر التى كان يديم النظر إليها صورة من الماضي القريب ، داعب نفسه خاطر ضئيل بعث في نفسه شعور الغربة الذي أحس به بين هؤلاء المئات من الواقفين يتحدثون كأنهم أسرة واحدة : آه لو عاد ثانيا إلي السفين !

سرعان ما طرد هذا الخاطر . لقد وطد النفس علي أن يؤوب إلي الوطن ، فليمض فيما هاجر إليه ، وليطرد كل هذه الهواجس . إنه يعرف اسم  نزل يستطيع أن يأوى

إليه إلي أن يتدبر الأمر مع عمه المقيم في هذا الثغر ، وشريك والده فى تجارته ، وليذ كر أنه لم ير وطنه بعد . ولمح من بعيد مركبة من مركبات " الريكشا "(١)

فنادي صاحبها مشيرا إلى أمتعته ، وفي لحظة سارت به المركبة وقد غطى مقدمها بقطعة من نسيج بال ، فلم يعد يرى شيئا إلا قدمى الحمال العاريتين ، تلمع عليهما قطرات الماء المتساقط من المطر .

ترى أين يكون الوطن ؟ بعد ثلاثة أيام لا تحتمل ، خطر له هذا السؤال في صورة ملحة ، يشوبها الشك والارتياب !

أهذا النزل الحقير القذر ، قطعة من هذا الوطن ؟ أم هذا الشارع الضيق بمنازله المتداعية ، وهؤلاء الأطفال الضعاف ، الذين تتراكم عليهم الأوساخ ، يغدون ويروحون بين جانبيه عراة كما ولدتهم أمهاتهم ؟

أم هؤلاء النسوة البائسات ، والفتيات اللواتي تعلو وجوههن أمارات الفاقة والجهل ؟

إنه ليحس بشعور الغريب نحو كل هذه المناظر برغم ما بينه وبين هذه المخلوقات من شبه عجيب في لون العينين والبشرة وملامح الوجه .

ضاق ذرعا بكل ما يرى ، فصمم على مغادرة هذا النزل ، وحين نصحه عمه بالبقاء فيه لاعتدال أجوره ، أجابه قائلا : " إنه قذر لا أطيق البقاء فيه " .

وأجاب العم فى هدوء :     - إنك تبدو كأحد الأجانب يا بنى ، ولسوف تعتاد هذه الحياة .

ولكن جون لم يعر كلام العم التفاتا ، فقد برم بكل شئ ، حتى هذا العم نفسه كان مصدرا من مصادر ضجره وتبرمه ، فقد رآه منذ حضر مرتين ، وخرج من

لدنه في كلتا المرتين غاضبا حانقا.

كانت حياة هذا العم تثير الغضب حقا . فقد كان يعيش مع زوجاته وأطفاله في ربع يكاد يشبه حظائر المواشي ؛ وكان أولاده يغدون ويروحون في هذا الربع كأنهم خنازير صغيرة تلمح في وجوههم أثر الاهمال الشنيع بما تراكم عليها من أوساخ ؛ وكان الربع دائم الجلية والضجة ، لأن نساءه لا يفرغن من الشجار والعراك .

ومع وفرة الزوجات والنسل والخدم ، فلم يكن هناك إنسان يفكر أن يذود جيوش الذباب المكدسة على غطاء منضدة الشاى ، كأنما كانت هذه الجيوش مظهرا من مظاهر النشاط في الدار .

كان لهذا العم بنات كثيرا ما خطرن في الردهة أمام جون ، وكثيرا ما أشار لهن والدهن إشارات مبهمة كن ينفذنها بسرعة ونشاط ، عرف جون أخيرا أنها رموز اصطلاحية تدل على ما يطلبه الوالد من مختلف المطالب،   كالشاى أو أدوات التدخين مثلا ؛ وكان العم فخورا بهؤلاء  الفتيات ، حتى لقد قال لجون مرة :

_ لقد حجزت هؤلاء  الفتيات هنا في المنزل حيث يجب أن تحفظ الفتيات ، ولم أعبأ باحتجاجاتهن وإلحاحهن فى أن يذهبن إلي المدرسة ، لسبب واحد هو أني رأيت هؤلاء الفتيات العصريات اللواتي برحن ويبحثن في الطرقات مرتفعات القامة ، فأيقنت أنهن بتفكيرهن العصري وثقافتهن وشجاعتهن لسن إلا مصدرا للتعب سواء لآبائهن أو لأزواجهن .  لقد تزوجت من نساء جاهلات وأعتقد أنني أحسنت صنعا بذلك .

وأعقب هذا الحديث بأن صرخ فى ابنته الواقفة أمامه لتتلقى أوامره فى غضب لا مسوغ له :      _ إذهبى إلي أمك ولا تقفى هكذا عندما يتكلم الرجال ، وعندما انصرفت الفتاة مال على جون قائلا : " أترى كيف تطيع الأمر .  إنها تظل كذلك عندما أبعث  ."بها إلي منزل زوجها ) .

راقب جون ما حدث أمامه، رأي بعينيه هذه الفتاة الوديعة تطيع الأمر ، وتنصرف فى استكانة واستسلام بوجهها الباهت العذب وشعرها الأسود الفاحم ، كهؤلاء الفتيات اللواتي كانت أمه تحدثه عنهن ، واللواتى كانت تهفو نفسه إلى واحدة منهن تشاركه حياته . هذه المرة حين رأى بعينيه ما خطر له فى الأمانى لم يتحرك قلبه ولم يحس بأى عاطفة ، علل ذلك أول الأمر بصلة القرابة بينه وبين هذه الفتاة، ولكنه حين عاد إلي المنزل تبين له أن هذا التعليل لا نصيب له من الصحة ، إن قلبه لم يتحرك لهذه الفتاة ، لما يبدو على وجهها من جهل وغباوة . وذلك هو السبب الحقيقي لما اعتراه من جمود نحوها ، كالجمود الذي يعتري المرء أمام دمية .

لا يدري لم قفز إلي خاطره مرة اخرى شبح موللى كن بعنادها وصلابتها وضحكتها التى تبدو فيها قوة الشخصية والإرادة معا .

وعاد إلى هروبه من هذه الصورة بالتفكير مرة اخري فى الوطن الذي تجشم ما تجشم لكى يراه : هل هذا الذي شهده إلى الآن هو الوطن الحبيب ؟

لاح له خاطر جديد ، فما أقبل الصباح حتى قصد إلى عمه وبادره قائلا :

- إنني غير راض عن المقام هنا ، وأحب أن أتغلغل فى أعماق هذه البلاد . أريد أن أري جديدا ، وأكتشف ما لا أعرف .

وأجابه العم بعد تفكير :     - إذا كانت هذه رغبتك يابنى ، فلدى مهمة تستطيع أن تقوم بها تستدعي السفر إلى أقاصى إقليم سشوان . لقد سمعت أنهم كشفوا هناك بعض مقابر الأمراء الأقدمين فى ذلك الاقليم، وإنك لتستطيع ان تمضي إلي هناك فتبتاع لى أقص ما تستطيع من تحف هذا الكشف، حتى إذا وفقت عدت ثانيا وقد أشبعت رغبتك .   (لها بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية