الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 398الرجوع إلى "الثقافة"

(٣)أحاديث رمضان:, في الحياة الروحية

Share

أسمى ماقرره الإسلام ودعا إليه " الوحدانية" ولذلك كان شعاره دائماً " لا إله إلا الله " ._

فالله خالق كل شئ من سماء وأرض ، وجبال وبحار وأشجار ، وحيوان وإنسان . هو رب العالمين لا رب غيره ، وهو القادر على كل شيء ، مدبر الكون وواضع قوانينه ، ومؤلف نظمه ، وهو العالم كل شئ " ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولاحبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " كل شئ في الوجود يستمد منه وجوده وحياته، لا خلق إلا خلقه ، ولا قوة إلا قوته - هو الحق وهو العدل ، وهو المثيب على الخير والمعاقب على الشر " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره .

هذه العقيدة بالوحدانية تكسب معتنقها قوة وعزة ، ذات وحده هو القوي وهو العزيز ، ليس الناس كلهم إلا خلقه ، متساوين في الخضوع لقوته ، والانقياد لإرادته ، هو وحده المعبود ، وهو وحده المستعان ": إياك نعبد وإياك تستعين".

معتنق الوحدانية ليس عبداً لأحد إلا الله ، فهو في العالم مستقل حر ، لأن العالم ليس له إلا سيد واحد وهو الله ، وأما باقي الناس فإخوة متساوون ، فعقيدة الوحدانية كما تتضمن سيادة الله وحده تتضمن أيضاً أخوة الإنسان للانسان ، فلا سيادة طبقات ، ولا سيادة أجناس ، ولا استعباد ملوك، ولا استبداد طغاة ، ولا اعتزاز بنسب أو مال أو جاه أو قوة ، ولاخضوع لمن يريد أن يتصف بصفات الله زوراً ، من بسط سلطان وفرض حماية ومحاولة استعباد- إن حاول أحد ذلك قال المؤمن : " لا إله إلا الله " مدركاً معناها ، رافضاً ما عداها.

عقيدة الوحدانية تشعر الإنسان بالنبل والسمو ، فخضوعه لله وحده يشعره بالتحرر من سيادة أحد عليه ، سواء في ذلك سيادة الناس أو سيادة قوي الطبيعة ، فليس النيل معبوداً تقدم إليه الضحايا ، ولا العواصف والنجوم والشمس والقمر مما يخشى بأسها ، ويتقرب إليها بالقرابين ، لأنها مخلوقة لله مثله ، بل كل قوي العالم يصح أن يستخدمها الإنسان لخيره  لأن الله منحه عقلا يستطيع أن يفهم به . قوانينها فيسخرها لمنفعته.

وكذلك لا تستعبده قوة الناس لأن الناس ليسوا إلا عبيداً مثله لله ؛ فليس لأمة - مهما كانت - أن تستعبده أو تستعبد أمته ، وهو لا يخضع لسيادتها لأنه لا يخضع إلا لسيادة الله ، ولا يستعبده حاكم ولا سلطان ، ولا أي مخلوق في العالم لأنه يعتقد أن " لا إله إلا الله"، كل ما يجب عليه نحو حاكمه أو سلطانه أن يطبع قوانين العدل ، لأن الله أمر بالعدل وبإطاعة العدل ،

ولا يخضع للظلم لأن الله نهى عن الظلم وعن طاعة الظالم أياً كان ، وهو لا يخضع لجبروت من أي صنف لأنه ليس لأحد حتى الجبروت ولكن له حق الأخوة

إن الذي يريد أن يستعبدنا يريد أن يكون إلها و" لا إله إلا الله " والذي يريد أن يكون سيداً طاغياً يريد أن يكون إلها ، و"لا إله إلا الله "، والحا كم الذي يريد أن يذلنا يريد أن يكون إلهاً و" لا إله إلا الله " . إنا لا نقبل من إنسان أيا كان ولا من أمة أيا  كانت إلا أن يكون أخا أو يكونوا إخوة . فأما السيادة والاستعباد فلا ، لأنه لا إله إلا الله . إنا لا نقبل أن نشرك مع الله أحدا غيره مهما كانت منزلته ولو كان نبيا مرسلا ؛ فلا نتقرب بالنذور إلي الأولياء ، ولا نمنحهم شيئاً من القداسة ، ولا نعظم الحكام تعظيم عبادة ، ولا نخضع لهم خضوع ذلة ، إنما نطيع فيهم العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن هذا وحده هو الذي يتفق ولا إله إلا الله . ليس يستعبدنا المال ولا الجاه ولا القوة ، لأنها أعراض زائلة وليست من الإلوهية في شيء ، ولا إله إلا الله .

إن شئت فاستعرض تاريخ المسلمين تجد عزهم جميعا أو عزة أمة من أممهم مقرونة بالتمكن من عقيدة الوحدانية فيهم ، وما توحيه من نبل شعور ، فإذا زالت عقيدة الوحدانية زالت معها عقيدة الأخوة الإنسانية ، وجاء الطغيان من ناحية والعبودية من ناحية ، فزالت العزة . وفشا الذل والمسكنة ، وأصبحت " لا إله إلا الله"  ، ليست عقيدة تعتقد ولكن لفظاً يؤدي ، وغناء يغنى ، وقولاً يسير مع الريح . إن الديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية بمعانها الصحيحة مقدر لها البقاء والتقدم لأنها داعية إلي الأخوة الإنسانية وهي من مستلزمات " لا إله إلا الله " .

والوحدانية الخالصة - مع بساطتها ومعقوليتها - من

أصعب الأمور على النفوس ، تحتاج في اعتناقها إلي نوع من السمو ، كما تحتاج إلي حياطة تامة حتى لا تشوبها شائبة من وثنية ، لأن الناس سرعان ما ينزلقون إلي الشرك .

اليونانيون ألهوا قوي العالم ، والفرس اختصروا الآلهة إلى اثنين : إله الخير وإله الشر وجعلوهما يتنازعان ، والعرب ملئوا الكعبة أصناما ، فلما أتى الإسلام وحطمها ودعا إلي الوحدانية الخالصة وجعل لا إله إلا الله شعارها في كل مناسبة : في الأذان ، في الصلاة ، في كل عارض ، لم تلبث بعض النفوس أن تسربت إليها الوثنية في أشكال خفية ؛ بدأ بعض المسلمين بعظمون شجرة بيعة الرضوان ، فقطعها عمر ، وبدا بعضهم بعظم اهل بيت الرسول تعظيما يقرب من العبادة ، فنهاهم علىّ ، ثم سال سيل الوثنية علي مر الأيام ، وامتلأ العالم الإسلامي بأقطاب يتصرفون في الكون تصرف الله ، وأقيمت الأضرحة تقدم إليها النذور ويستشفع بها ويتقرب إليها كانها آلهة . وأنقلبت الخلافة إلي ملك عضوض ؛ فالحكام كانوا يأمرون ولا راد لأمرهم ويتصرفون ولا معقب لحكمهم ، وذهب معني أخوة الحاكم للمحكوم ، وحل محله نوع من الألوهية ، واستعبد الناس من ناحية الدين ، واستعبدوا من ناحية الدنيا ، وذهب معنى " لا إله إلا الله " إلا من قلوب الخاصة.

" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباد لى من دون الله ، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ، ولا يأمركم  أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون "

لكل زمن وثنية ، ولكل حضارة أصنامها ، حتى هؤلاء المثقفون المتعلمون العاقلون الذين يهزمون بعبدة الأحجار وعبدة النجوم قد يحجبون هم أنفسهم عن الوحدانية بضروب دقيقة من ضروب الوثنية.

إن المعبود الأول اليوم في المدنية الحديثة هي الآلات الصناعية ، لها تتجه الانظار ، وإنها ترفع أكف الدعاء وإياها يعبد أرباب رؤوس الأموال ، ولها يستعبد العمال ، ومنها تشتق المبادىء ، السياسية والتعاليم الأخلاقية وبقوتها  تستعيد الامم وتثار الحروب ، وتطعن في الصميم الأخوة الإنسانية.

إن المذاهب السياسية من ديمقراطية وفاشية واشتراكية وشيوعية مؤسسة عليها وناظرة إليها ، والنظريات الاقتصادية مشتقة منها ومتفرعة عنها .

والإنسان يشقى بهذه الآلات لتأليهها؛ وكانت تكون نعمة عظمي ومصدر سعادة كبري لو نظر إليها في ضوء وحدانية الله بشقي معنييها من تأليه الله وحده وما تستلزمه من أخوة الإنسانية.

وبعد فما أكثر من يقول : " لا إله إلا الله " وما أقل من يعتنقها.

اشترك في نشرتنا البريدية