الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 33الرجوع إلى "الثقافة"

٣ - ابن الهيثم

Share
[ تلخيص (( الثقافة )) عن النص الذى نشرته كلية الهندسة ( جامعة فؤاد الأول ( المحاضرة الأولى من محاضرات ابن الهيثم التذكارية ، وهى التى ألفاها الأستاذ مصطفى نظيف بك يوم أبريل سنة ١٩٣٩ بالكلية ... ... ... ... ... ... ... ... ]

قد يكون من التعنت أن نطالب ابن الهيثم برأى يتفق وأمثال هذه الآرء التى تعد من نتاج العصر الحديث . ولكنى أرى فى الوقت نفسه أنه ليس من العدل ولا من الانصاف لابن الهيثم أن نغفل له آراء قررها تتفق اتجاهاتها واتجاهات هذه الآراء الحديثة .

فهو يعقب على أقواله التى أوردناها انفا ، ببيان ما تؤدى إليه الطريقة التى رسمها لنفسه بحسب ما يرى . فلا يجزم قطعا بأنها توصل إلى الحقيقة ، وإنما يؤمل ويرجو رجاء العالم المتواضع فيقول :

)) ولعلنا ننتهى بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر )) .

ثم يقول : )) ونصل بالتدرج والتلطف إلى الغاية التى عندها يقع اليقين . ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التى يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات )) .

وامتثل قوله بعد هذا : )) وما نحن مع جميع ذلك براء مما هو فى طبيعة الانسان من كدر البشرية ، ولكنا مجتهد يقدر ما هو لنا من القوة الانسانية ، ومن الله نستمد العون فى جميع الأمور )) .

ألا يتفق هذا القول والرأى القائل بأن المعرفة على الوجه العام إنما هى بالإضافة ، وليست على الإطلاق ؟

ولو كان الأمر مقصورا على ما أورد ابن الهيثم فى مقدمة )) المناظر )) من الأقوال لجاز الاعتراض بأننا نميل إلى تحميل أقواله ما لا تحمل من المعانى . ولكن لابن الهيثم أقوالا فى مواضع أخرى تزيد موقفه بيانا .

فقد اتضح لى أن اتجاه تفكيره العام ، يخول لنا أن نجعله من فريق الواقعيين ((Realists الذين يقولون بوجود العالم الخارجي وجودا فى ذاته ، وجودا يصح أن نسميه ((الموضوعيا)) (Objective) وأن الحواس أدوات إدراكه . وهو يرى أن الاعتماد فى البحث عن الحقائق لابد أن يكون أولا على الأمور الحسية . وهو ينص على هذا المعنى فى مقالته التى أوردها ابن أبى أصيمة وأشرنا إليها فيما سبق ، حيث يقول بلفظه :

)) فرأيت أنى لا أصل إلى الحق إلا من أمور يكون عنصرها الأمور الحسية وصورتها الأمور العقلية )) .

والحقيقة التى تعتمد فى معرفتها على الأمور الحسية حتما إضافية وليست مطلقة . ولا شك فى أن الحواس كثيرا ما تخطئ . هو نفسه يعلم بهذا بل ويقرر أن العقل يخطئ أيضا ، يخطئ فى القياس ويخطئ فيما يسميه (( المعرفة (( (Congnition) وأقواله فى كيفية إدراك المبصرات ، وعلل أغلاط البصر ، تشف عن رأيه أن فى الاستطاعة معرفة علل الأخطاء أو الأغلاط ، وفى الاستطاعة اجتنابها . إذا فى الاستطاعة إدراك الشئ إدراكا (( محققا على غاية التحقيق ))

وليس هذا المحقق على غاية التحقيق مطلقا بل هو (( بالإضافة إلى الحس )) تلك عبارته بلفظه .

ورأى ابن الهيثم فى قيمة النظرية العلمية ووظيفتها يتضح بجلاء من قول له رواه (( البيهقى )) وقال إنه من رسالة كانت آخر ما كتب . قال :

(( تخيلنا أوضاعا ملائمة للحركات السماوية . فلو تخيلنا أوضاعا أخرى غيرها ملائمة أيضا لتلك الحركات ، لما كان عن ذلك التخيل مانع . لأنه لم يقم البرهان على أنه لا يمكن أن يكون سوى تلك الأوضاع أوضاع أخر ، ملائمة مناسبة لتلك الحركات ))

ابن الهيثم وفق فى اختيار المثال . والمعنى فى نظرى عميق وجليل ، كلنا يعلم أنه كان السائد فى علم الفلك القديم إلى عصر (( كوبر نيكوس )) نظرية بطليموس فى حركات الأجرام السماوية . وفى هذه النظرية كانت الأرض تعد مركز العالم . وكانت النجوم الثوابت تعد متحركة حركات مستديرة حول قطب العالم . وكانت الكوا كب السيارة يعد الواحد منها متحركا حول محيط دائرة بتحرك مركزها حركة مستديرة حول الأرض . تلك بإيجاز نظرية بطليموس . وهى التى كان يعول عليها فى علم الفلك القديم . حقيقة أن النظرية قبل ابن الهيثم كانت تقتصر فى هيئة الأفلاك على الدوائر المجردة ، وابن الهيثم نفسه فى مقالته )) فى هيئة العالم )) عدلها وذهب إلى القول بتجسم الأفلاك وفصل أحوالها . ولكن هذه تفصيلات لا شأن لنا بها الآن . والذي يعنينا من الأمر في هذا المقام أن هذه هى الأوضاع التى كانت تخيلت للحركات السماوية . وهذا التخيل هو النظرية التى كانت متبعة لأنها تناسب المعلومات الخاصة بتلك الحركات فى ذلك العصر .

ابن الهيثم يقرر صراحة أن مثل هذه النظرية لا يوجد برهان يلزمنا بها دون غيرها ، ومن الجائر أن نتخيل نظرية اخرى تكون مناسبة ملائمة لتلك الحركات ، فهو يذهب إلى أبعد مما كان مسموحا به فى العلم ، خصوصا علم

الطبيعيات إلى عهد قريب . لأنه يجيز قيام نظرية بجانب نظرية اخرى مادامت هى ايضا تلائم وتناسب الواقع المعلوم .

انظروا كيف أجاز هذا الرجل استبدال النظرية الفلكية الحديثة بالنظرية الفلكية القديمة ، قبل أن يدرك العالم ضرورة هذا الاستبدال بأجيال وقرون . وكيف أجاز هذا الموقف الذى اضطر إليه علم الطبيعة الحديث ، لا إزاء نظرية الكم والنظرية الوجبة فحسب ، بل إزاء (( هيزنيرج )) و (( شرودنجر )) أيضا ، بل انظروا كيف ينظر (( اينشتين )) إلى ظاهرة الجاذبية خلال (( قاعدة التكافؤ )) Principle  of Equivalence * بالعين التى كان ينظر بها هذا الرجل منذ تسعة قرون !

هذه الناحية من ابن الهيثم بيناها فيما سبق بالاعتماد على أقوال له وردت فى مواضع مختلفة ، وفى اعتقادى أن هذه الأقوال تبين اتجاه تفكيره العام . فانسجام المعانى التى تنطوى عليها وتلاؤمها بعضها بالآخر ، يجعلانها أدنى إلى أن تكون عناصر تفكير ناضج موحد من أن تكون خواطر عارضة .

ليكن الأمر كذلك ، وليكن أن ابن الهيثم قد رسم فى مقدمة (( المناظر )) خطة للبحث تتوافر فيها عناصر الطريقة الحديثة وتتوافر فيها شرائطها ، ولكن يصح لنا أن نتساءل : ما هى الأدلة على أن ابن الهيثم قد طبق هذه الخطة فى بحوثه وسلك سبيلها عملا وفعلا ؟ فإن وضع الخطط شئ وتنفيذها شئ آخر .

ابن الهيثم فى جميع بحوثه عن الخواص العامة للضوء بدأ بالبحث عن الأمور الموجودة فى الواقع على ما هو عليه . والأمور الموجودة فى الواقع قد تكون فى بعض الأحوال سهلة المنال بسيرة الادراك ، تكفى فيها المشاهدة أو تكفى فيها الخبرة المعتادة ، ولكنها فى أكثر الأحوال يحتاج لمعرفتها إلى شئ من اتخاذ العدة وتكييف الظروف ، أى يحتاج لمعرفها إلى تعديل وتحوير وتغيير فى الأحوال ، عسى أن يتيسر استقراء أمر تشترك فيه الظواهر البحوث عن

حقائقها ، لا يبدو أول وهلة بوضوح ، لأنه يعرض مع أمور أخرى تخفيه عن الادراك . إن معرفة الحقائق الأولية فى الأمور الطبيعية تحتاج إلى إجراء ما نسميه الآن تجارب ، هي عدة العلم الطبيعي الوحيدة فى الوقت الحاضر لاستقراء الأحكام العامة ، ولتحقيق نتائجها القياسية . فهل كان اعتماد ابن الهيثم مقصورا على ما يسهل ملاحظته ومشاهدته ؟ أم هو قد تعمق فى دراساته فسير حقائق الأمور باجراء التجارب واستخلص عناصرها من نتائج هذه التجارب بالاختصار أو الاختزال وبالتجريد ؟

درس ابن الهيثم انتشار الأضواء على السموت المستقيمة ودرس انعكاسها ودرس انعطافها ، وأول ما عنى به فى دراساته جميعها البحث العملى عن كيفية حدوث هذه الأمور باجراء التجارب ، التجارب التى أتخذ فيها أجهزة وآلات خاصة ، وجرى فى استعمالها على نظام .

ومما هو جدير بالذكر أن له اصطلاحا خاصا - غير كلمة التجربة - عبر به عن معنى (Experiment) فى الاصطلاح الحديث . هو يعبر عنه بلفظ (( الاعتبار )) ، ويقول عن الشخص الذى يجرى (( الاكسيرمنت )) ((المعتبر )) ، ويقول عن الاستدلال على صحة أمر من الأمور ، أى مطابقته للواقع بإجراء (( الأكسيرمنت )) ((الإثبات بالاعتبار )) ، تمييزا له عن الإثبات بالقياس . بل هو أدرك أن (( للاعتبار )) فى البحث العلمي وظيفتين : الأولى استقراء الأحكام أو القوانين العامة ، والثانية التحقق من صحة نتائجها القياسية . ويكفينى أن أورد مثالا سهلا بسيطا . كشف ابن الهيثم على أساس الاستقراء المبنى على الاعتبار عن الصفة أو الكيفية العامة التى تمتد عليها الاضواء فى الأوساط المشفة ، ووضع لذلك حكما عاما ، ثم استأنف النظر ، واستنبط مثلا ما يترتب على هذا الحكم من حدوث الأظلال وأشياء الأطلال وأشكالها ، ولكنه لم يقف عند هذا الحد ، بل مضى ليثبت (( إثبانا بالاعتبار )) أن الأظلال وأشياء الأظلال تحدث فعلا على تلك الصفة التى

استنبطها ، أى التى توصل إليها من ذلك الحكم العام بالقياس .

وعلى هذا المنوال أيضا فى بحوثه الأساسية عن الانعكاس والانعطاف .

لاشك عندى فى أن ابن الهيثم أدرك أن الحقائق العلمية يجب أن يكون الطريق إلى معرفتها الاستقراء المبنى على المشاهدة أو الاعتبار ، ثم يجب أن تكون نتائجها القياسية متفقة والواقع الوجود ، الذى وسيلة معرفته المشاهدة أو الاعتبار . ولا شك عندى أيضا فى أنه كان يرى أنه ما لم يتوافر هذان الشرطان فليس المقول حقيقة علمية . وليس يجوز الاعتماد عليه بحال من الأحوال . أعزز قولى الأخير هذا بمثال واحد أكتفي به ، وهو بحث له يتبين منه هذا بأجلى بيان .

لم يكن فى عصر ابن الهيثم معروفا على التحقيق كيفية اشراق الضوء من القمر . فأصحاب التعاليم أى علماء الرياضة والفلك ، كانوا يقولون إن ضوء القمر هو ضوء الشمس منعكسا عن سطحه كما ينعكس الضوء عن سطوح الأجسام الصقيلة كالمريا مثلا . فأراد أن يختبر صحة هذا القول . فانظروا ماذا فعل .

أجرى بحثا هندسيا ، متسلسل الخطوات مستوفى البراهين ، قدر به الجزء من مساحة سطح القمر ، الذى ينعكس عنه إلى نقطة من سطح الارض الضوء الواقع من الشمس على سطح القمر كله . وذلك على فرض أن سطح القمر كرى محدب . فوجد أن ذلك الجزء هو مساحة صغيرة من سطح القمر لا يتجاوز طولها القوس التى توتر عند مركز القمر زاوية قدرها ٣٤ دقيقة ، ولا يتجاوز عرضها القوس التى توتر عند مركز القمر زاوية قدرها ١٧ دقيقة . وأثبت أن هذا الجزء الصغير يقع من سطح القمر على الجزء المقابل للنقطة المفروضة على سطح الأرض وحوالى الجزء الأوسط منه . وبما أن هذه النتيجة التى أثبتها بالبرهان الهندسى لا تتفق والواقع المشاهد من الأمر ، فليس يكون

الضوء المشرق من القمر هو كما يقول أصحاب التعاليم ضوء الشمس منعكسا كما ينعكس عن سطوح الأجسام الصقيلة ؛ وقد راعى فى هذا البحث تأثير الانعطاف أيضا .

على هذه الصفة أبطل تلك النظرية وأقام على أنقاضها نظرية فى ضوء القمر ، هى أن ضوء القمر هو ضوء ثانوى أو عرضى يشرق من سطح القمر المستضىء بالضوء الذاتى المشرق من الشمس ، كما يشرق الضوء من جسم كثيف معتاد إذا وضع بالقرب من جسم مضئ بذاته ، وليس هو ضوء منعكس بالمعنى الخاص بالانعكاس .

والناحية (( الاعتبارية )) Experimental من بحوث ابن الهيثم لها جانب جدير فى نظرى بالذكر وجدير بالتقدير. فابن الهيثم لا يكتفى عند شرح (( الاعتبار )) بوصف الآلة أو الجهاز ، وبوصف كيفية إجراء (( الاعتبار )) بل يأتى بشرح مسهب مفصل ، لكيفية صنع الجهاز بل الأجزاء المختلفة للجهاز الواحد ، من المواد الخام التى تصنع منها . وهذا له فى نظرى دلالته . فهو يدل على أن الأجهزة التى استعملها ان لم يكن هو نفسه قد قام بصنعها بيديه ، فهى على أقل تقدير قد صنعت بناء على تصميمه وبارشاده وتحت إشرافه ؛ وإن كان بعض هذه الأجهزة قد سبقه إلى أمثالها المتقدمون ، فانه لاشك عدلها وغير تصميمها بما جعلها توفى له الأغراض التى طلبها . فجهازه الذى اعتبر به فى الانعكاس وجهازه الذى اعتبر به فى الانعطاف ، يختلف كل منهما اختلافا جوهريا عن نظيره الذى ذكره بطليموس فى كتابه فى المناظر . ولا شك أن كلا من جهازى ابن الهيثم أكثر تعقدا من نظيره من جهازى بطليموس . وصنع مثل هذه الأجهزة فى عصر لم يكن مزودا بمثل الآلات والعدد الميكانيكية المعروفة الآن بالمقاييس والأبعاد والتدريجات المضبوطة ، يدل فى نظرى على أن ابن الهيثم قد اجتمعت فيه الصفات التى تؤهله لأن يكون من بين علماء الطبيعة عالما اجتمعت فيه القدرة الرياضية الرفيعة التى تتجلى فى النواحى الرياضية من بحوثه ، مع الكفاية العملية الممتازة ،

التى يدل عليها صنع مثل هذه الأجهزة واستعمالها فى الأغراض المختلفة .

ولتعقد أجهزته الأساسية فى نظرى سبب وجيه ، فنحن كثيرا ما يكفينا فى الوقت الحاضر عند توضيح قانونى الانعكاس مثلا اعتبار بسيط نفنع فيه بانعكاس ضوء الشمس مثلا عن سطح مرآة أو صفيحة مصقولة مستوية . ولنا شئ من العذر . فقد أصبح قانونا الانعكاس من الأمور المألوفة التى يتلقاها التلاميذ كما يتلقى صغارهم أن الأرض كرية مثلا . ولأننا نتوقع أن المبتدىء بدراسة علم الضوء سيعرض عليه فى أثناء دراسته أمر الانعكاس عن المرايا الكرية مثلا ، وسيقال له إن الجزء الصغير من السطح الكرى أو بوجه عام من السطح المنحنى ، هو بمثابة جزء صغير من سطح مستو . وإذا يكون حكم الانعكاس عن الأول كحكم الانعكاس عن الثانى . أو كما يقال . ولكن مثل هذا التصرف لا يليق فى عصر كانت هذه الأمور فيه إما موضع أخذ ورد ، وإما لا تزال فى عالم الغيب . وليس يليق بمن كلف نفسه مشقة البحث عن حقائق هذه الأمور ، إلا أن يستقصى أكثر ما يمكن من الأحوال . فضوء الشمس قد ينعكس على صفة معينة من السطح المستوى الصقيل ، ولكن ما يدرينا أنه ينعكس على هذه الصفة نفسها عن السطح الكرى أو الاسطوانى أو المخروطى المحدب والمقعر ؟ وإن ثبت أن ضوء الشمس ينعكس على هذه الصفة عن هذه السطوح ، فما يدرينا أن ضوء النار أو ضوء القمر أو ضوء النهار أو الضوء المشرق من جسم كثف مستضئ بالضوء المشرق من جسم مضئ بذاته ، أو ما إلى ذلك ، ينعكس عن هذه السطوح جميعا على الصفة نفسها ؟ هل من سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالاعتبار بهذه الاضواء جميعا ، وبهذه السطوح الصقيلة جميعا ؟

استدراك ورد فى الجزء المنشور من هذه المحاصرة بالعدد ٣٢ ص ٣٣ السطر ١٩ العمود الثاني (( فرنسيس باكون أحد فلاسفة الانجليز فى كتابهم فى القرن التاسع عشر )) وصوابه (( فى القرن السابع عشر ))

اشترك في نشرتنا البريدية