عرضت فى المقال السابق لما رأى الأستاذ أحمد أمين من التزام شعراء العربية فى العصور الإسلامية طريقة الجاهليين فى الأوزان والقوافى ، وبينت موجزا أنهم اخترعوا نظاما للتقفية لم يؤثر عن الجاهلية ، واخترعوا أوزانا على قدر ما أحسنوا من حاجة .
وأعرض فى هذا المقال لرأى الأستاذ فى التزام شعراء العربية موضوعات الشعر الجاهلي. قال الأستاذ :
(( وأما من حيث الموضوع فكانت مصيبتنا فيه أعظم ، لأن تقديسنا للأدب الجاهلي حصر الشعر العربى في نفس الموضوعات التى صيغ فيها الشعر الجاهلى ، من مديح وهجاء ، وفخر وحماسة ، وغزل ورثاء ، ولم يمس الشعراء عواطفهم الحقيقية ولا حالاتهم الاجتماعية إلا مسا رقيقا . وإلا فخبرنى : أين الشعر العراقى الذي تجد فيه الشعراء يتغنون بمناظر العراق الطبيعية ، ويصفون فيه أحداثهم الاجتماعية ؟ وأين الشعر الشامى أو المصرى أو الأندلسى الذي يشيد بذكر مناظر الطبيعة وأحوال الاجتماع للشام ومصر والأندلس ؟
(( إنك تقرأ الشعر العربى فلا تعرف إن كان هذا الشعر لمصرى أو عراقى أو شامى إلا من ترجمة حياة الشاعر . أما القالب كله فشىء واحد ، والموضوع كله واحد ، مديح أو رثاء أو هجاء ، أو نحو ذلك مما قاله الجاهليون )) ا ه .
ذلكم رأى الأستاذ ، وأنا له مخالف . وإن كثيرا من الناظرين فى الأدب العربى يخيل إليهم هذا الرأى فيخالونه حقا . ولعل لهم عذرا من طرائقنا فى درس الأدب والتأليف فيه .
ومنشأ هذا الوهم - فى رأيى - أمور : الأول أن الحوادث السياسية أظهر الحوادث فى تاريخ الأمم ، ولهذا امتلأت بها كتب التاريخ ، وكاد تاريخ الامم يكون تاريخ سياستها وتقلب الدول فيها ، وسيرة ملوكها وولائها ؛ وتبع هذا أن اشهر ما اتصل بالتاريخ السياسى وبالملوك والرؤساء من الشعر ، واشتدت رغبة الناس فيه وعنايتهم به ، ونبه اصحابه وشغلوا دارسى الأدب ومؤرخيه ، وكانت لأخبارهم وأشعارهم الصدارة فى كتب الأدب والتاريخ ، فتوجهت الأنظار إلى هذا الجانب ، وظن أنه ليس فى الأدب العربى سواء .
والثانى من الأمور التى عظمت هذا الوهم فى النفوس أن القصيدة التى يراد بها المدح او الهجاء تحسب كلها مدحا أو هجاء ، ولا يقوم ما فيها من معان أخرى وجدانية وأخلاقية واجتماعية . والثالث أن الأدباء حين أرادوا أن يصنفوا الشعر حصروه فى هذه الاقسام : المدح والهجاء والفخر والحماسة والغزل والرثاء والوصف . لأن هذه المعانى أبين من غيرها وأقرب إلى التحديد ، ولأن الوصف باب يدخل فيه موضوعات كثيرة ، بل يمكن ان يعد معظم أنواع البيان وصفا .
فلما تتابع الأدباء على هذا التقسيم ظن أن الأدب تناول فى كل العصور موضوعات واحدة على طريقة واحدة .
وليس الشأن فى هذه المتوانات إنما الشأن فيما لدينا من شعر ؛ فقد اختلفت الموضوعات وكثرت وقصرت هذه العنوانات عن شمولها . واختلفت طرق معالجة
الموضوع الواحد اختلافا بينا وبقى لها الاسم العام : الوصف أو الغزل الخ .
فعلى الباحث المدقق ألا يقف عند هذا التقسيم وأن بنظر هو إلى الشعر العربي جملة وتفصيلا ، ليستبين ما تناوله من موضوعات ، وما اختلف على الموضوع الواحد من طرائق .
قد قسم ارسطو الشعر إلى مدح وهجاء فقط ، وليس معنى هذا أن الشعر اليوناني كان مقصورا على هذين الموضوعين فى معناهما الخاص المعروف ، ولكنه رأى أن كل شعر يستطاع رده إلى مدح أو هجو .
وكذلك قسم الشعر الأوربي منذ القدم إلى الحماسى والغنائى والتمثيلى ، وبقي هذا التقسيم شاملا ضروب الشعر على مر العصور . وليس معنى هذا أن شعراء أوربا فى القرون الأخيرة لم يأتوا بما لم يسبقوا إليه .
وكذلك الشعر العربى ؛ فان لم تندرج مواعظ أبى المناهية وحكمة المتنبى فلسفة أبى العلاء وقصص ابن الهبارية ومجون ابن حجاج وابن لنكات وتصوف ابن الفارض وابن عربي والشهرزوري - فى باب من الأبواب المعدودة فلا يدل هذا علي أنها لم توجد .
أري أن الشعر العربي لم يحجم عن موضوع ما ، وأحسبه أدخل فى أحوال المعيشة وحادثات الحياة من شعر أمم كثيرة ؛ فقد اعتاد الشعراء منذ الجاهلية أن يقولوا الشعر فى كل خطب . ولا يزال شعراء البادية يسجلون ما يشهدون وما يسمعون من الحادثات الجسام فى أشعارهم . ولا يقع أمر من الغم أو الفرح فى البلاد العربية اليوم إلا سجله الشعراء ؛ وكذلك كان سلفنا : فقد نظموا الشعر فى الموضوعات المعروفة : المدح والهجاء الخ . وفيها يقع من حادثات السياسة وما يقع فى المحافل العامة والمجالس الخاصة وما يقع فى النزاور والهادي والتعامل من جد وهزل ، وفى
غير هذا . بل خالط الشعر العربى معارف الناس وحوادثهم ، حتى صارت كتب الفلك والحيوان والنبات وتقويم البلدان خليطا من العلم والأدب ، فلا يذكر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ، ولا يذكر حيوان أو نبات أو بلد إلا ذكر معها طرف مما قال الشعراء فيها ، حتى ألف ذلك الشعراء واعتادوه ، فوصفه من رآه ومن لم يره . وناهيك بولع ضرير كأبى العلاء يوصف النجوم والمنازل والبروج فى شعره . ولست فى حاجة إلى أن أذكر كتب الأخلاق والمواعظ والتصوف .
وإذا عبرت كتابا مثل (( ديوان المعانى )) لأبى هلال العسكرى أو (( نهاية الأرب )) للنويري رأيت يقينا دخول الشعر عندنا فى كل موضوع . فلو عيب الشعر العربى بأنه أسف إلى موضوعات لا تلائم الشعر وأسرف فى الإكثار من الموضوعات ، لكان ذلك عندي أقرب إلى الحق من أن يعاب باقتصاره على موضوعات قليلة قلد فيها الخلف السلف . مددت يديى الآن إلى (( ديوان المعانى )) فاطلعت فى الفهرس على هذه العناوين :
الباب السادس فى وصف السماء والنجوم والليل والصبح والشمس والقمر وما يجري مع ذلك .
الباب السابع فى صفة السحاب والمطر والبرق والرعد وذكر المياه والرياض والنبات والاشجار والرباعين والثمار والنسيم .
الباب التاسع فى صفة الخط والقلم والدواة والقرطاس وذكر البلاغة وما يجرى مع ذلك .
الباب العاشر فى صفات الخيل والإبل والسير والفلوات وذكر الوحوش والطيور والحشرات وما يجرى مع ذلك .
وفى كل فصل من هذه الأبواب طائفة من الشعر اختارها أبو هلال وليست هي كل ما قيل فى موضوعها . فكيف تسنى لهذا المؤلف وأمثاله أن يجدوا لكل ما يذكرون وصفا فى الشعر لو لم يكثر الشعراء القول فيه ،
ولو لم يدخل الشعر العربى فى كل باب ؟
هنا موضوعات لم يعالجها الجاهليون ، وموضوعات تناولوها ، ولكن الاسلاميين توسعوا فيها واخترعوا ما لم يسبقوا إليه . وهذه وتلك يشملها اسم الوصف . فان قلنا إن شعراء العربية بعد الاسلام لم يزيدوا على الجاهليين شيئا ، فهؤلاء وصفوا وأولئك وصفوا ، كان قولنا بعيدا من الحق .
والناظر فى كتاب (( الحيوان )) للجاحظ و (( حياة الحيوان الكبرى )) للدميري يعرف كيف وصف الشعر العربى كل حيوان كبيرا أو صغيرا وحشيا أو مستأنسا . وهأنذا امد يدي إلى كتاب (( نهاية الأرب )) فأجد فى الجزء الحادي عشر : (( الفن الرابع فى النبات )) ، فأنظر فى تفصيل هذا العنوان : (( الباب الثالث فى الأقوات والخضراوات : الحنطة وما قيل فيها ، الشعير ، وما وصف به الشعراء الزرع وشبهوه به ، الحمص ، الباقلى ، أفعاله وخواصه ، ما وصفه به الشعراء وشبهوه به ، الأرز ، الخشخاش ، وما ينتج عنه من عصارته ، ما وصف به من الشعر ، الكتان وما قيل فى بزره وتشبيهه ، ما وصف به من الشعر . . . إلى البطيج والباذنجان والخيار والقتاء واللفت والفجل ، وما وصف به كل منها من الشعر .
ثم نجد الحوز والفستق والموز . ولا شك أن حظها من الشعر أعظم .
ثم نجد أصناف الورد والرياحين والرياض والأزهار ، وهي قبلة الشعر ومطافه .
وفى الجزءين التاسع والعاشر من الكتاب نجد وصف الحيوان وحشيته ومستأنسه ؛ نجد كل ضروب الحيوان من الأسد والنمر والذئب والثعلب والكلب ، إلى القرد والهرة والفأر ، ثم الحيوان المستأنس ؛ وناهيك بالخيل والإبل ، ولا يذكر حيوان دون أن يذكر ما وصف به من الشعر .
فان قيل إن هذا إسفاف فى الشعر أو إن هؤلاء الواصفين وقفوا عند الظاهر ولم يجيدوا الوصف ، فهذه دعوي اخري ليست من موضوعنا فى هذا المقال ، وإنما يعنينا هنا إقامة الدليل على ان الشعر العربى لم يقف على موضوعات محدودة ، ولم يلزم فيه الاسلاميون سنن الجاهليين ، ولكنه شارك فى كل شئ ، وولج فى كل باب ، حتى صار عرضة لأن يعاب بالشمول لا بالقصور ، وبالعموم لا بالخصوص ، وبالإسراف لا بالبخل .
وأرى التمثيل هنا ضربا من الفضول ، فالأمثلة من الكثرة حيث لا يعنى القارئ أن يجدها كلما أراد . وأمامي منها الآن قصائد وقطع رائعات تشهد بدقة الوصف وحسن التصوير .
وأما قول الأستاذ الجليل إن الشعراء لم يمسوا عواطفهم وحالاتهم الاجتماعية ، وإن شعراء الأقطار العربية العراق والشام ومصر والأندلس لم يعنوا بمناظر بلادهم الطبيعية وأحداثهم الاجتماعية فالمجادلة فيه مقال آخر إن شاء الله .

