-١- قدمت في المقال الماضي مقدمات أربعا ، خلاصتها أن المعيشة التي صورها الشعر الجاهلي باقية إلي يومنا ، وان البداوة متصلة بنا وبالجماعات البشرية ، جديرة بالعناية ، وان البدو والحضر من العرب امة واحدة متواصلة ، وإن الأدب العربي لا محالة يصور معيشة العرب حاضرهم وبادبهم .
وأزيد مقدمة خامسة موصولة بالمقدمات الأربع : تلكم ان اللغات على تطورها مع الامة تحفظ في ألفاظها ومجازاتها وأمثالها كثيرا من تاريخ الأمة ، وكما تتطور الامة فتتقدم ولا يمنعها التقدم ان تحتفظ بما يربطها من سنن وعادات ، وان تعرف تاريخها معرفة واسعة ، كذلك تتطور لغتها ، ولا يضيرها الاحتفاظ بكلمات وجمل وكنايات هي من تاريخها ، بل تمتاز هذه العبارات التاريخية بدلالتها على التاريخ زيادة على تأديتها المعنى المقصود ، فيكون لها جلال التاريخ ، وغرابة الماضي.
هذه مقدمات رأيت أن أصدر بها الكلام في مقالات الأستاذ أحمد أمين ، فان اتفقنا عليها وإلا رجعنا إليها نجادل فيها.
-٢- وبعد ، فأول ما آخذ علي مقالات الأستاذ الغلو في الدعوي ، والإغراق في تصويرها ، وأحسبه يوافقني على هذا ، وإن خالفني في أصل الدعوي . أحسبه يوافقني علي أن من الغلو قوله :
" رفعوا من قيمة كل شئ جاهلي وغلوا في تقديره ؛ فالماء الحقير في مستنقع جاهلي خير من دجلة والفرات والنيل وكل انهار الدنيا ، والجرادتان اللتان غنتا للنعمان كان صوتهما وغناؤهما خيرا من كل صوت وكل غناء ؛ ودوسر كتيبة النعمان بن المنذر اقوي جيش عرفه التاريخ ، وإيام العرب في الجاهلية ووقائعها الحربية لا يعادلها اي يوم من ايام المسلمين وجبلا طئ خير جبال الدنيا لا أعرف أحدا من المتقدمين أو المتأخرين الغلاة أو القاصدين ادعي هذه الدعاوي .
ومما يتصل بهذا الغلو انه جعل رأي طائفة من الأدباء في عصر ما رأي أهل العصر كلهم ، وعمم الدعوي حيث يقتضي الدليل التخصيص ، فقال مثلا : إن الناس ثاروا علي أبي تمام وفضلوا البحتري عليه لأنه ابتكر بعض المعاني . والحق ان ابا تمام نال إعجاب كثير من الناس بهذا الابتكار ولم يكن أعداؤه على مر العصور أكثر من أنصاره .
وإذا وقع مثل هذا الغلو وهذا التعميم في مقال لمثل استاذنا الجليل ، حق لنا ان نظن هذا المقال لم ينل حظه من التثبت والتؤدة والأناة التي عودنا الأستاذ إياها . قدمت هذا قبل تفصيل الكلام في نقد المقال ، إذ شعرت بهذا المعنى غالبا في المقال كله ، لا يخص مسألة بعينها .
ومسالة أخرى انبه إليها قبل المجادلة في آراء الأستاذ ، هي انه حينما تكلم على الأدب العربي نظر إلي الشعر وحده وأغفل النثر ؛ فلنا الحق ان نظن أنه حيثما ذكر " الأدب " في بحثه اراد به الشعر وحده ، فموضوع الجدال هو الشعر لا النثر
-٣- وبعد ، فلا ريب أن شعراء العربية قلدوا شعراء الجاهلية ونقياوهم في كثير من معاني الشعر وصوره ؛ وليس هذا مما يخالف فيه الاستاذ ، ولكن خلافنا إباء في تفصيل هذه الدعوي ، وفي كثير من الأمثلة التي ساقها . وإنا أخذ في نقد أرائه على ترتيبها في مقاليه اللذين نشرا في العددين التاسع عشر والحادي والعشرين من مجلة الثقافة :
١ - أوزان الشعر :
قال : " إنما جوهر التغيير أن يعدلوا أوزان الشعر بما يتفق ورفي آذانهم الموسيقية " . ثم قال : " فالبحور الجاهلية هي البحور التي سار عليها الشعر العربي كله إلي الآن إلا أشياء قليلة . . فكما أن الغناء الجاهلي لا يناسبنا ، فكذلك يجب ان تكون الاوزان والقوافي مسايرة للزمن وأن تحكم كل أمة عربية أذنها الموسيقية فى الأوزان الشعرية التي تناسبها ، والتي لا تناسبها " الخ
ومرد هذا الكلام إلي قضيتين : الأولى أن العرب في العصور الاسلامية كان عليهم ان يتركوا الأوزان الجاهلية لأنها لا تناسبهم ، كما لا يناسبهم الغناء الجاهلي والثانية انهم لم يفعلوا هذا إلا قليلا .
فأما القضية الأولى فأجادل فيها بأنه ليس حتما أن تكون الأوزان الجاهلية غير ملائمة للعرب الاسلاميين . فربما كان من صلة هذه الأوزان بالفطرة ، ومن وضوح نغماتها ، وتناسب اجزائها ، ومن تقارب الطباع في الجاهليين والإسلاميين ، ما يجعل هذه الأوزان ملائمة
وإذا قلنا إن الغناء كان يجب أن يختلف بين الجاهلية والإسلام فلا يستلزم هذا اختلاف الأوزان ، فالغناء الحان تختلف في الوزن الواحد ، فتجد في البيت الفرد صنعة مختلفة لها في السامع آثار مختلفة . فجائز أن يختلف غناء الجاهليين والإسلاميين على البيت الواحد ، ويكون هذا الاختلاف
وافيا بالحاجة التي أحسها الاسلاميون دون احتياج إلي تغيير الوزن نفسه .
لا ينبغي إذن أن يقال كان يجب أن تترك الأوزان الجاهلية لأنها جاهلية ، بل يجب ان يبين ما فيها من نقص أو عيب أو مجافاة للطبائع ، ثم يؤخذ على الإسلاميين أنهم لم يغيروها ، فإذا لم تقم الحجة على هذا كانت الحجة ما فعله الشعراء والمغنون في العصور الإسلامية ، وكان لنا ان تستدل بأفعالهم ، على ان اوزان الجاهلية لاست اذواقهم بمقدار ما ابقوا عليها ، وخالفت اذواقهم بمقدار ما غيروا فيها - وجدوا فيها ملاءمة لاحساسهم ، ولكنها لم تف بكل اذواقهم ، فاخترعوا من الالحان والأوزان على قدر حاجتهم . وبهذا نعرض للدعوي الثانية فنقول :
ليس حقا ان شعراء العربية لم يزيدوا على أوزان الجاهلية وقوافيها . بل زادوا واخترعوا وغيروا .
إن الإسلاميين عنوا بالغناء وافتنوا فيه ، فغيروا من موسيقي الأوزان الجاهلية بألحانهم ، ولكنا مع هذا ندع الغناء ونقصر كلامنا على الأوزان والقوافى وحدها .
فأما القوافي فقد بدأ التصرف فيها منذ المائة الثانية ، نجد القافية المزدوجة ، وهي أوسع القوافي حرية ويسرا ، في شعر ابى العتاهية ، وفي نظم كليلة ودمنة لابان بن عبد الحميد ، ثم يستمر النظم عليها فينظم كتاب " الصادح والياغم " لابن الهبارية ، وتنظم الحوادث التاريخية والقواعد العلمية حتى الحساب والهندسة . فهذا ضرب من التحلل من قيود القافية ، فزع إليه الشعراء في القرن الثاني واستمروا عليه
وكذلك اخترعوا في القوافي المربع والمخمس ثم الموشحات ، وفي آفانين الموشحات متسع لكل ناظم ، فقد اخترعوا من أضربها ما يصعب إحصاؤه . وإن كان شعراؤنا قد اثروا القافية القديمة في أكثر شعرهم ، فما كان هذا تحرجا من الخروج عليها ولا تقديسا للقوافي الجاهلية . ولم نسمع ان احدا عاب على الشعراء الافتنان في القافية
أو دعاهم إلي التزام القوافي الجاهلية ، بل قوبل الاختراع الجيد بالاستحسان كل حين . ومهما يكن فلا يسوغ أن يقال إن الشعر العربي في العصور الإسلامية لم يزد على القوافي الجاهلية إلا قليلا .
وكذلك الوزن فقد خرج كثير من الموشحات عن الأوزان القديمة . والأستاذ اعرف بفنونها ، وبتحرر الناظمين فيها من القيود إلا جمال النغم وموائاة الالحان .
وقد احدثت اوزان اخري في غير الموشحات واخترعت في الأوزان القديمة ضروب ؛ وهذا كله في غير الفنون الآخر التي غلب فيها النظم بالعامية . ولولا ضيق المجال لاتيت بأمثلة من الموشحات وغيرها تدل على أوزان مستحدثة لم تؤثر عن الجاهلية
وحسي هنا ان اعرض أمثلة من شعر بهاء الدين زهير وعلم الدين ايدمر ، وهما من شعراء مصر في القرن السابع ، لتري الافتنان في الوزن والتقفية . والاقتصار على هذين ليس من قلة الأمثلة ، بل من كثرتها واستغنائها عن التعداد يقول بهاء الدين :
يا من لعبت به شمول ما أحسن هذه الشمائل
نشوان يهزه دلال كالغصن مع النسيم مائل
لا يمكنه الكلام لكن قد حمل طرفه رسائل
ومن قول علم الدين ايد مر :
بات وسماره النجوم ساهر فمن ترى
علمك النوم يا جفون
صب علي مذهب النصابي صابي لا يعدل
فحسنه خافق الجناب نابي مبلبل
والطرف من دائم انسكاب كابي مخيل
لسانه الهوى كتوم سائر لما جري
والشأن أن نستر الشئون
ولا اريد ان اثبت هنا سخطا آخر من هذا الموشح لتعرف كيف تتغير القافية فيه ، فذلك في نظام الموشحات معروف .
وانظر في الأبيات الآتية كيف زاد الشاعر على سعة التقفية التصرف في الوزن بين الاطالة والتقصير في المنظومة الواحدة ؛
تحلت الشمس عليها سافره
فقابلتها بنجوم زاهره
ترمقها حين دنا طلوعها
بمقل ترقرقت دموعها
تبكي وفي الأوجه بشر الضحك
فاعجب لها تضحك وهي تبكي
تمايلت تمايل السقيم لما أحست بسري النسيم
فأشفقت على حذر وفرقت من الخفر
من قبل أن يقضي وطر نود لو كان استمر
ذاك العطر لما خطر
على الزهر ساء وسر
بات الندي يشربها نعيما كما يغذي والد فطيما
فأصبحت ودرعها بليل تكاد من قطاره تسيل
وأهدت الصبالها كافورا فملأت أردانها عبيرا
كأنما نواره المستحسن السنه تنطق فهي أعين
في روضة قيد النظر تشكر آلاء المطر
ترنو بأحداق الزهر تحسبها بعد السحر
قد انتثر فيها درر
أو انتشر منها جبر
لم يلتزم صاحب هذا الموشح فيما عدا الأشطر الرائية ارتباطا ما بين الآبيات إلا القافية المزدوجة ، وفي هذا ما فيه من التوسيع على الناظمين ، وامثال هذا في الشعر العربي كثير . ولست احسب ان نظام التقفية في شعر كبار الشعراء في أوربا أوسع من هذا وأيسر ؛ على أن ما ذكرت أمثلة لا قواعد ، فقد كادت الموشحات تخرج على كل قاعدة .
( للكلام صلة )
