كان بائع غرابيل يجول في الطريق هاتفا بغرابيله ، فدعا به رجل ، واستنزله حمله ، وسأله أن يحل وثاقه ، وينثر الغرابيل بين يديه نثرا ، ففعل الرجل ، وجعل ( الزبون ) يحجمها واحدا بعد واحد ، ويطيل النظر في تفقدها ، ويكثر من جسها وغمزها ، حتى إذا أتي عليها جميعا ، عاد إلى تفقدها وجسها وامتحانها ؛ وما زال يفعل ذلك ويكرره حتى استهلك فيه الساعات الطوال ، والرجل ينظر إليه في غيظ وحنق ، لما أضاع من وقته ، وامتهن من سلعته ؛ حتى إذا انتهي اختياره إلي أصلبها خشبا ، وأجودها جلدا ، وألحمها نسجا ، وأحكمها شدا ، قال له : بكم هذا الغربال ياشيخ ؟ فرأي الرجل أن يكافي كل هذا العناء بالاغلاء في الثمن ، فقال : بخمسة وعشرين قرشا ! فقال له في دعة وفتور : بثلاثة فروش تعريفه ! فثار ثائر الرجل ، وضرب الأرض بإطار الغريال ، فوثب حتى صك ناصبته ، فأعاد الضربة بأشد مما ضرب ، فصك الضربال ناصيته بأشد مما صك ؛ وما برح الغيظ يفعل به هذا ، والسابلة يجتمعون حوله من كل مذهب ليطالعوا هذا المشهد العجب ، حتى شدخ الغربال رأسه ، وأسال دمه ، فصاح فيهم : أيها الناس ! أستنظرون أنتم حتى يقتلني هذا الغربال ؟ !
ولا أكتمكم ، يا معشر القراء ، أن هذا القلم كثيرا ما ينشز على ويجمح ، وتستعصب على سياسته وضبط
عنانه . ولقد أسوقه في طريق فيخالفني إلي غيره . ولقد أرسم للمقال نهجا محدودا ، فيأبي إلا تعدي الحد والعدول إلي نهج آخر ، حتى ينتهي في بعض الأحيان إلي الغاية التي يبغيها هو ، لا الغاية التي أطلبها أنا ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !
ومن هذا البلاء الذي امتحنت به من هذا القلم الجامح المتمرد ، أنني بدأت مقال ؛( الحكائين ) على أن يجري كله ، طال أو قصر ، في فنون من التسلية والتندر ، في هذا الحر وهذه الحرب ، خيبة الله عليهما جميعا ، وإن كنت لا أريد ولا أعدو الصدق أبدا . فإذا هو ينظر لي بشبح عبد الحميد ، وحكم عبد الحميد ، و ( حكايات ) من كانوا ينتابون الآستانة في عهد عبد الحميد ، ثم إذا هو يمعن في هذا الطريق إمعانا لم يدخل لي يوم بدأت الحديث في تقدير ولا تصوير !
والآن كيف الرجوع إلي النهج الذي بدأنا بسلوكه ، وكان ، بحمد الله ، تبين الحدود واضح الأعلام ؟
كيف لنا بهذا وقد التوت السبل ، وغشت السياسة وجه الطريق بما هو أحد من الحسك ومن شوك القتاد ؟
أافترانا نستعدي على جماح هذا القلم جهرة القراء ، كما استعدي النظارة على غربالة صاحب الغرابيل ؟ أريد مفاكهة وتندرا ، ويأبي علي القلم إلا خوضا
في ظلمات عبد الحميد ، وما كان يعاني من ظلمه رواد الآستانة من المصريين وغير المصريين ؟
اللهم إنه ليس من الرأي التصدي لكبحه وهو في حمي ثورتة ، بل الرأي كل الرأي في مجاراته وإلانة قياده ، وإظهار المطاوعة له ، حتى تفتر حدته ، ويطامن من جماحه ؛ وحينئذ يتهيأ صرف عنانه إلى وضح الطريق . وكذلك نمضي في المقال علي اسم الله العلي العظيم .
ولقد حدثتك في المقال السابق عن بعض ما جري من المحن على دولة الخلافة باستبداد عبد الحميد ، وظلم عبد الحميد ، حتى لقد انسلخ عنها في ذلك العهد الأشأم قرابة ثلاثين ولاية ، وإن شئت قلت ثلاثين مملكة .
وقلت لك إن المصريين لم يحبوا أحدا كما أحبوا عبد الحميد ، ولم يدينوا بالولاء لأحد كما دانوا لعبد الحميد ، حتى لقد خالط حبه اللحم ولصق بالعظم ، وجري في أعراقهم مجري الدم . فلم تجر بسوء حكمه على الإسلام محنة ، إلا جعلوها موضع سنة ، ولا دب إلى جسم الدولة بظلمه فساد إلا أحالوه على صلاح ؛ فإذا غم عليهم الأمر ولم يهدهم إلي الرأي طول التعسف في التأويل والتعليل ، أحالوا الأمر إلي الحكم التي تعلو على أفهام العباد !.
وإن من الإنصاف أن نقرر أن أشد الناس كانوا استحماسا في هذا الباب هم سلالة الترك المتصمرين . وكان زعيم هؤلاء جميعا شيخا واسع الغني يسكن في بعض أطراف القاهرة ، ولا اسميه ولا أعين مسكنه لكيلا أدل عليه . رحمه الله وغفر لنا وله .
كان هذا الرجل أو هذا الزعيم العظيم ، حين أدركناه ، في حدود السبعين . وكانت داره الواسعة مثابة القصاد ونجعة الرواد . يؤمها في كل ليلة جماعات الظماء إلي
أخبار ( الباب العالي ) ، وما عسي أن يكون قد أجد لدولة الإسلام من مفاخر ضخام !
فإذا كان ( عيد الجلوس السلطاني ) رصعت الدار ، بمصابيح تخطف الأبصار ، ووشيت بأذكي الورود وأنضر الأزهار . وصدحت الموسيقات بأحلى الأنغام ، وقرب للفقراء أشهي الطعام من لحوم الأنعام . ووقف ( البك ) بالباب يستقبل جماعات المهنئين ، الداعين لجلالة ( الخليفة ) بالبقاء على السنين ، حتى يربي عمره على البعثين . وغني في الليل أعلام المغنيين ، ونثرت بدر الدراهم على جماهير المحتشدين ، من المعوزين وغير المعوزين !
وقلت إنه يقف بالباب في تلقي الهناء من الوافدين . وإنه ليكافئ هناءهم بالشكر والدعاء ، كما يصنع أي امرء في أسباب مسراته الخاصة وأفراحه العائلية . وذلك لما يشعر به ، أو ما يريد أن يشعره الناس من أن سهما ، ولو ضئيلا ، من شئون السلطان أو من شئون ( الدولة ) ، يهيئ له تقبل الهناء ، والاثابة عليه بالشكر والدعاء . وكيف لا وقد كسر كل حبه وولائه وإخلاصه على ( البادبشاه ) ، وهو عند ( الباب العالي ) مطلع الرأي ومنزل السر ، على الرغم من بعد الديار ، وشط المزار !.
ولا تظنن أن هذا الرجل كان في هذا الباب فذا منقطع النظير في فتح داره لجماعات ( الاصطمبليين ) ، فلقد كان نظراؤه كثيرين . وإنما أفردناه بالذكر لأنه كان أكبرهم سنا ، وأبعدهم شهرة ، وأوسهم غني ، وأقدرهم على الوصف وتفخيم التصوير .
وبعد ، فما يكاد يخيم الفسق حتى تحتشد دار صاحبنا ودور أمثاله بالوافدين للاستخبار ، والاطلاع على ما أجد ( الباب العالي ) من جلائل الآثار !.
واعلم أولا أن كل شئ يجري علي ( الدولة ) لا بد وأن يكون برأي السلطان وتدبيره ، ودهائه وجبروت حيلته .
ولو بدا لك في هذا الأمؤ كارثة ، ورأيت منه مصيبة واقعة وبلية لا حقة . وهل بعد قوة ( السلطان ) قوة ، أو وراء دهائه دهاء ؟ .
ولعمري ، ما جاءت ( البشري ) بإنسلاخ ولاية من تلك الولايات الثلاثين ، أو وقعت على ( الدولة ) بلية من إحدي الدول الغربية ، كما احتلت الجنود الفرنسية بعض ( جماركها ) أو تذعن لبعض المطالب - ما حدث شئ من ذلك ونحوه ، إلا قال قائلهم : " دي سياسة أفندم " فيرد صاحبه على إحدي عينيه ويهز رأسه ويقول : " دي سياسة كبير ! " فيصيح الثالث : "أمال أفندم - لازم باديشا. هو اللي عاوز كده . إذا كان هو مش عاوز ما كانش يحصل . ! إيش عرفنا إحنا ؟ دى سياسة فوق عقول!"
وسرعان ما تشرق وجوه الجماعة ، ويتطارح الهناء ، وتتصافح الأيدي ، وتتضام الصدور إلي الصدور ، وتبسط الحدود لتحيات الثغور ،
والآن وقد هدأت ثورة هذا القلم ، ما ناله من الجهد والتعب ، نستطيع بحمد الله ، أن نصرف عنانه إلى حيث نشاء ، فهلم إذن إلي معاودة الحديث في ( الحكائين ) والله المستعان :
وإذا كنت سأقتصر على إيراد ( حكاية ) واحدة ، فلعلك واجد فيها أفخم وأضخم ، وأبلغ أعظم ، من كل ما انبث وانبسط ، وشاع وذاع ، وملأ الطباق ، وسطع في الآفاق ، على جميع السن ( الحكائين ) ، من يوم عبد الحميد إلي يوم الدين :
احتشد الجمع ، على العادة في دار صاحبنا . وجعلوا يتقاولون في أمر الدولة ، وعظمة الدولة ، وقوة جيوش الدولة ، وسياسة عبد الحميد ، وشدة دهائه وبعيد مرامية الخ الخ !
وبدا لبعض الحاضرين ، وكان مصريا ، أن يسأل
سؤالا ، فخاف وجبن . والسؤال لاغني عنه ، ولا مفر من العلم بالجواب عليه . فمط المسكين إلي الزعيم عنقه وقال : " ولكن بس ، بس ! " أما باقي الكلام فكان يضطرب في حنجرته اضطرابا " لا يرتقي صدرا عنها ولا يرد " فقال له : " بس ماذا ؟ مالك لا تتكلم ؟ " فأغمض الرجل جفنية ، وحد عزمه وقال ، وكأن صوته هجس هاتف يجيء من وراء الأفق : " بس مسألة الدونمة ( ١ ) ، يعني أن الدولة ليست معتنية بالدونمة ! " وسرعان ما استلقي الزعيم على ظهره مقهقها وهو يقول في نبرات مليئة بالتهكم والاستهزاء : نعم ! معك الحق ، إن الدولة لا تعني بأمر ( الدونتمة ) ثم اعتدل ، وألبس وجهه ثوب الجيد ، وجعل يدير طرفه في الحاضرين ، وتراه يتلفت ذات اليمين وذات الشمال ، ويرفع بصره إلى فوق وإلى تحت ، وإلى قدام وإلى وراء . ثم قال : " فيكم من يكتم السر ؟ " فأجابوا جميعا في نفس واحد : " في بير ! "
" إذن فاسمعوا : لقد زرت ؛( المسابين ) ذات يوم ، وأبديت لفخامة الصدر الأعظم مثل هذه الملاحظة ، فأظهر الموافقة لي ، والندامة على تقصير الدولة في أمر ( الدونتمة ) ، وغمز لي بعينه غمزة خفيت على جميع حاضري المجلس . فلما هم الجميع بالانصراف ، ضغط على يدي واستبقاني . حتى إذا خلا له وجهي ، ولم يبق معنا أحد ، قال لي : " إذا انتصف الليل فامض إلي شارع كذا ، فإذا بلغت الموضع الفلاني فخذ علي يمينك في أول شارع ، ثم خذ على يسارك في ثالث حارة ، ثم عد ثلاث حارات وادخل في الرابعة ، وستلقي زقاقا علي يسارك ، فاسلكة حتى تنتهي إلي خربة على يمينك . وستجد على مدخل هذه الخربة رجلا شحاذا رث الثياب ، مقنع الوجه ، فافعل ما يأمرك " .
" ومضيت في الميعاد ، وإذا الشحاذ في الانتظار ، فما إن رآني حتى أحال طرفه في الأرض والسماء . ولما أمن عيون الإنس والجن ، ودابة الأرض ، وحدق الطير في أوكارها ، أسرع إلى زاوية في الخربة وظل يفحص عن الأرض إلى ان انكشف له غطاء من الحديد فرفعه ، ودفعني إلي ما دونه وتدلي ورائي . وأعاد الغطاء فوقه . وتدلينا في سلم عددت له ١٢٧ درجة . ثم انتهينا إلي دهليز طويل ، سلكنا منه إلى دهليز آخر أعرض وأطول . ومازلنا ننعطف من دهليز إلى آخر ، حتى أفضت بنا خاتمة السعى إلي فضاء يزيد على التسعين ألف فدان ، وقد ازدحم ( بالورش والترسخانات ) العظيمة الهائلة التي لا نظير لها في جميع الدنيا ، وإذا خلق من الناس لا يحصيهم إلا خالقهم .
" ويكشف الشحاذ النقاب عن وجهه فإذا هو سا
الفخامة خليل رفعت باشا الصدر الأعظم بنفسه ؛ وإذا في هذا العالم ثلاثون مليونا من الصناع معهم نساؤهم وأولادهم ( يولدوا ويستولدوا ) لا يري أحد منهم صفحة السماء أبدا . وكلما أتموا بناء مدرعة ، أو نسافة ، أو ( قرويت ) ، أو خطاف ( دردبوه ) ( ١ ) من شباك البحر ( لا من شاف ، ولا من سمع ) . حتى يأتي اليوم المعلوم ، وحينئذ تخرج ( الدونمة ) للقضاء على أساطيل الدول جميعا ؛ " .
الله أكبر ! الله أكبر ! ما شاء الله ! ما شاء الله ! نصر الله السلطان ! آمين آمين !
وسلام على ( فلان بك ) في الحكائين ، ورحمة الله عليهم أجمعين .
