قضية انتشار الثقافة الفرنسية :
يحاول بعض المؤلفين البرهنة على شدة تأثير الحملة الفرنسية في النهضة المصرية ، بقولهم : " إن مصر لا تزال متأثرة بالثقافة الفرنسية . وذلك يدل دلالة قاطعة على عمق تأثير الحملة النابوليونية " .
وقد قال أحد المؤلفين في هذا الصدد ، ما نصه بالحرف : " كان للجهود التي بذلها العلماء الفرنسيون أبعد الأثر في مستقبل مصر الثقافي والفكري . إذ أصبحت مصر شديدة الاتصال بفرنسا والتأثر بها في هذين الميدانين .
أصبحت مصر ميدانا خصباً للثقافة الفرنسية والعلم الفرنسي . وأصبح الأدب الفرنسي أحب ألوان الآداب إلي المصريين وأقربها إلى نفوسهم . وأصبح الفلاسفة الفرنسيون أئمة الفلسفة والفكر عند زعماء النهضة والثقافة في مصر . وقد بلغ من عمق هذا الأثر أن الإنكليز لم يفلحوا في محاربته والقضاء عليه ، على الرغم مما بذلوا من جهود ، منذ احتلالهم لمصر .
وهذا - في حسابنا - أعز آثار الحملة الفرنسية وأزكي ثمراتها" .
إن هذه الملاحظات والمحاكمات تبدو - في الوهلة الأولى - قوية وحاسمة . غير أن قليلا من التأمل في حقائق الأمور - يكفي لزلزلتها ، وشيئاً من التوسع في بحث الوقائع يكفي لهدمها من أساسها :
أنا لا أنكر أن الثقافة الفرنسية أثرت في مصر تأثيراً كبيراً ، وأسلم بأنها فاقت سائر الثقافات من وجهة هذا التأثير .
غير أني أرى من الضروري أن أتساءل - في الوقت نفسه : " فهل كان ذلك من جراء الحملة النابوليونية المعروفة ؟ ".
إذا وسعنا آفاق أنظارنا ، وشملناها إلي سائر أقسام الشرق الأدنى ، وجدنا بسهولة الجواب الحاسم لهذا السؤال :
إن الثقافة الفرنسوية انتشرت في سائر أقسام الدولة العثمانية ، وأثرت فيها ايضاً تأثيراً كبيراً . ونستطيع أن نؤكد أن سيادة هذه الثقافة على مصر ، لم تكن في يوم من الأيام أشد وأقوي من سيادتها على استانبول وأزمير وسلانيك مثلا .
هذا ، ولم تنحصر سيادة الثقافة الفرنسية على الممالك العثمانية وحدها . بل تعدت ذلك إلى الممالك المجاورة لها أيضاً . ومما لاشك فيه أن هذه الثقافة سائدة الآن حتى على إيران .
ولا حاجة لبيان أن البلاد التي ذكرتها آنفا لم تتعرض قط إلى حملة عسكرية فرنسية ، كالتي كانت ذهبت إلي مصر ! وذلك يدل دلالة صريحة ، على أن انتشار الثقافة الفرنسية في الشرق الأدني ، حدث بتأثير عوامل عامة وعميقة ، لا تمت بصلة إلى الحملة النابوليونية التي انحصرت بمصر وحدها ، والتي لم تمكث فيها أيضاً غير مدة قصيرة جداً .
فأعتقد أني لا أكون من المغالين إذا قلت : " إن مصر أصبحت ميداناً خصباً للثقافة الفرنسية والعلم الفرنسي ، ليس من جراء مجئ الحملة الفرنسية إليها ، بل من جراء جلاء الحملة المذكورة عنها . "
ولا أكون من المخطئين ، إذا أدعيت : أن الأدب الفرنسي أصبح أحب ألوان الآداب إلي المصريين وأقربها إلي نفوسهم ، لو لم تفشل الحملة الفرنسية فتضطر إلى الجلاء عن مصر ، قبل أن تمضي مدة طويلة على احتلالها .
قصة حجر الرشيد :
وكثيراً ما يحاول المؤلفون أن يدعموا النظرية التي نحن بصددها ، بقضية اكتشاف الحجر الأثري المعروف بأسم " حجر الرشيد " وذلك خلال اشتغال الجنود الفرنسية بحفر الخنادق حول مدينة " الرشيد " .
إنهم يقولون : إن الحجر المذكور قد كشف النقاب عن أسرار الكتابة الهيروغليفية ؛ وهذا الكشف أدى إلي قراءة كتابات المصريين القدماء ، وضمن الإطلاع على تفاصيل تاريخهم المجيد وحضارتهم الراقية ، وأصبح بذلك عنصراً فعالا جداً في النهضة المصرية .
وقد قال أحد المؤلفين - في هذا الصدد ما يلي : " كان هذا الكشف - في حسابنا نحن المصريين - أجل نتائج الحملة الفرنسية وأبعدها أثراً . إذ آنار للعالم ناحية أطبق عليها الظلام وسادها السكون . وأخرج إلى النور فقرة مفقودة كان لا بد من العثور عليها حتى تستقيم سيرة الحضارة متصلة الحلقات موصولة الفقرات ، وآنار لمصر سبيلها فعرفت نفسها ومقامها بين أمم التاريخ " .
غير أني أرى من الضروري أن ألفت أنظار الذين يرون هذا الرأي إلي الحقائق التالية :
أن حجر الرشيد لم يكشف النقاب عن أسرار الكتابة الهيروغليفية كشفاً مباشراً . بل إن حل الرموز المحفورة على الحجر المذكور ، لم يتيسر إلا بعد مرور مدة تزيد على عشرين عاما .
والباحث الشهير " شامبوليون ، الذي حل رموز الكتابة الهيروغليفية - لأول مرة - لم يتوصل إلي ذلك لمجرد ملاحظة الحجر المذكور ؛ بل توصل إلى ذلك بعد دراسات ومقارنات دقيقة وطويلة ، تناولت ملاحظة خصائص اللغة القبطية ، مع مقارنة عدد كبير من الإشارات الهيروغليفية المنحوتة على مختلف الآثار القديمة المنقولة وغير المنقولة .
ومما يجب ملاحظته في هذا الصدد : أن شامبوليون ولد سنة ١٧٩٠ ؛ فكان في الثامنة من عمره في تاريخ نزول الحملة الفرنسية إلى القطر المصري . وزد على ذلك فإنه لم يزر مصر إلا سنة ١٨٢٨ ، أي بعد مرور أكثر من ربع قرن على تاريخ جلاء الجيوش الفرنسية عن القطر المذكور .
أفلا يكون من الغريب - والحالة هذه - أن يقال إن حل رموز الكتابات الهيروغليفية كان من أجل نتائج الحملة الفرنسية ؟ .
هذا ويجب أن لا يغرب عن البال : أن العلماء كانوا تمكنوا من حل رموز الكتابة الفارسية القديمة ، قبل أن يتمكنوا من قراءة الكتابات الهيروغليفية . كما أنهم توصلوا إلى حل رموز الكتابات المسمارية واللغات الشومرية والآشورية والبابلية ، بعد مدة من الزمن . وقد تمت جميع هذه الاكتشافات الهامة ، دون أن تذهب إلى هضبة إيران ولا إلي بلاد ما بين النهرين ، حملات عسكرية ، مثل الحملة النابوليونية التي ذهبت إلي وادي النيل .
ولهذه الملاحظات كلها ، نستطيع أن نقول : إن العلاقة المزعومة بين أعمال الحملة الفرنسية وبين قضية قراءة الخطوط الهيروغليفية ، لهي من نوع العلاقات العرضية ، التى لا يجوز أن يعبأ بها في الأبحاث العلمية .
أسطورة اللقاء الاول :
يقول بعض المؤلفين - في جملة ما يقوله للبرهنة على علاقة النهضة المصرية بالحملة الفرنسية - إن الحملة المذكورة كانت بمثابة اللقاء الأول بين الشرق والغرب ؛ فكانت لذلك عميقة الأثر في أحوال الشرق . وهي شديدة الشبه - من هذه الوجهة - بفتوحات الإسكندرية المعلومة في القرون الأولى .
غير اني ارى من الضروري أن يلاحظ في هذا الباب الحقائق التالية :
أن مصر لم تكن قبل الحملة الفرنسية منعزلة عن العالم ، كما كانت اليابان مثلا ، بل إنها كانت - بطبيعة مركزها الجغرافي - على اتصال دائم مع العالم الغربي من جهة والعالم الشرقي من جهة أخري . ونستطيع أن نقول إنها كانت حلقة الوصل بين بعض البلاد الغربية وبين بعض البلاد الشرقية .
وكان في مصر قناصل عديدون وأجانب كثيرون . حتى إن الجبرتي يصف في يومياته هذا الصنف من السكان بقوله " الافرنج البلدين " ، ويذكرهم عدة مرات في مختلف المناسبات . ومن المؤكد أن نابوليون نفسه استفاد كثيراً من الفرنسيين الذين كانوا مقيمين في مصر ؛ حتى إنه قد عهد إلى ثلاثة منهم بمهمة المراقبة الرسمية على أعمال " الديوان " المؤلف من بعض الوجوه والعلماء .
ثم إن مصر كانت - عندئذ - جزءاً من أجزاء الدولة العثمانية ، تشترك في حياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية اشتراكا فعلياً ، مثل اشتراك سائر الولايات العثمانية . ويخبرنا الجبرتي - عندما يذكر الوقائع التي حدثت خلال سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف - مثلا ، أنه ورد " أمر بطلب ثلاثة آلاف من العسكر المصري "
للاشتراك في محاربة الروس ( ١ ) . كما أنه يخبرنا - عندما يذكر الوقائع التي حدثت خلال سنة أربع وعشرين ومائة وألف - ان العساكر عادوا من هذا السفر (۲ ) . ثم يعود ويذكر ورود أمر جديد " بطلب العسكر " مرة ثانية بسبب " نقض المهادئة " (٣) .
ويذكر الجبرتي أيضاً - بين وقائع السنة الثامنة
والأربعين والمائة بعد الألف - ورود آغا وبيده مرسوم يطلب سفر ستة آلاف عسكري لمحافظة بغداد كما أنه يذكر - بين وقائع السنة الحادية والتسعين والمائة بعد الألف - وردو أمر بطلب عسكر لسفر العجم (١) .
ومن المعلوم أن الدولة العثمانية كانت شديدة الاحتكاك ومتواصلة اللقاء بالغرب ، منذ قرون عديدة .
وكانت أسست مدرسة الهندسة العسكرية وأخرى للشئون البحرية ، قبل الحملة النابوليونية بمدة غير قصيرة ، وكانت عهدت بتنظيم شئون هاتين المؤسستين الهامتين إلي ضباط أوربيين ؛ وكان بينهم الفرنسي والإنجليزي والسويدي .
وكان قد ترجم وطبع بعض الرجال ، بعض المؤلفات المتعلقة بفنون الحرب ؛ وكان من جملتها كتاب في فن الحرب ، وآخر في فن اللغم ، وآخر في فن الحصار . وكان هناك كتاب " في ترتيب الأوردو وتحصينه موقتاً " ، و كتاب آخر " في وجه تصفيف سفائن الدونيا وفن تدبير حركاتها " .
فكيف يجوز أن يقال - والحالة هذه - إن الحملة النابوليونية علي مصر كانت بمثابة اللقاء الأول بين الشرق والغرب ؟ .
هذا ، ويجب أن لا يغرب عن البال ، أن نابوليون نفسه كان فكر في الذهاب إلي القسطنطينية ، للدخول في خدمة الدولة العثمانية ، تلبية للطلبات التى كانت أذيعت بواسطة السفارات ، وإذا كانت الظروف قد حملته على العدول عن هذه الفكرة ، فإنها لم تحل دون ذهاب غيره من الضباط الفرنسيين ، للأنخراط في سلك الجيش العثماني ومن المعلوم أنه كان بينهم عدد من الذين كانوا رجحوا الخروج من فرنسا على البقاء فيها تحت رحمة الثورة الكبرى .
ومن الأمور المؤكدة أن نابوليون عندما حاصر مدينة عكا - بعد احتلال العريش والغزة ويافا - ، علم أن رئيس الضباط الذين كانوا يشتغلون بتحصين المدينة ، ويضمون الخطط الكاملة للدفاع عنها ، كان ضابطاً إفرنسياً ، من رفاق صفه في المدرسة الحربية ! وكان من غرائب الصدف ؛ أن الظروف ساقت كل واحد من هذين الرفيقين إلي الشرق من طريق خاص ولغاية خاصة ؛ فقد ذهب الاول إلى القسطنطينية ضابطا يخدم الدولة العثمانية بأصلاح مدفعيتها .
وذهب الثاني إلي مصر ، قائداً عاماً لحملة تسعى إلي استعمارها ، وقد قربت حروب الشام المسافة التي كانت تفصل بين هذين الضابطين ؟ إلى أن أصبحا في طرفي أسوار عكا ، أحدهما بأمر على رأس المحاصرين ، والثاني يعمل في عداد المدافعين !
وهذه الحالة لم تكن فريدة في بابها . بل إن المؤلفات التي تصف الحركات العسكرية التي جرت في الشام ، تذكر أسماء غير واحد من الضباط الفرنسيين الذين حاربوا الحملة الفرنسية ، في صفوف الجيوش العثمانية : انهم كانوا ممن التحقوا بخدمة الدولة المذكورة ، ووصلوا الشام عن طريق القسطنطينية ، وذلك لعدم تحيزهم للثورة الكبرى وخروجهم عليها .
وأنا لا أشك في أن كل من يأخذ بنظر الاعتبار هذه الحقائق ، يدرك بسهولة أن القول بأن الحملة الفرنسية على مصر ، كانت اللقاء الأول بين الشرق والغرب ، مما لا يتفق مع أظهر وأثبت وقائع التاريخ ، بوجه من الوجوه .
وأما تشبيه حملة نابوليون على مصر بحملة الإسكندر على الشرق ، فهو ايضاً لا يستند إلى أي أساس صحيح .
لأن حملة الإسكندرية على الشرق ، كانت تكللت بالنجاح ؛ والحكم الذي نشأ عنها استمر عدة قرون ، فترك لذلك آثاراً عميقة في أحوال الشرق . في حين أن حملة نابوليون على مصر لم تتكلل بالنجاح إلا لمدة قصيرة
جداً ، والحكم الذي إستند إلي هذه الحملة لم يستمر إلا ثلاث سنوات . فما كان يمكن أن تترك آثاراً قابلة للقياس مع الآثار التي تركتها حملة الإسكندر بطبيعة الحال .
قضايا التنظيم والعمران :
وكثيراً ما يذكر المؤلفون والمؤرخون " بعض الأعمال العمرانية والتنظيمية ، في عداد الدلائل التي تبرهن على تأثير الحملة الفرنسية في النهضة المصرية .
إنى أعتقد أن كل ما قيل في هذا الصدد أيضاً يحتاج إلى درس و تمحيص :
يجب علينا أن نفكر ملياً : ما هي حقيقة هذه الأعمال العمرانية والتنظيمية ؟ ماذا كان القصد الأصلي منها ؟ وماذا نتج عنها ؟ وماذا كان تأثيرها الفعلي في البلاد ؟ ماذا تم منها فعلا خلال وجود الحملة في مصر ؟ وماذا بقي منها بعد الجلاء ؟ .
ومن البديهي أنه لا يسوغ لنا أن نجزم بتأثير هذه الأعمال التنظيمية والعمرانية في النهضة المصرية ، إلا إذا تأكدنا من أنها استمرت بعد الجلاء ، واتصلت بحركات النهضة بصورة فعلية .
وعندما نبحث في الأمور على ضوء هذه المبادئ نضطر إلى التسليم بأن هذه المزاعم لا تستند إلي أساس متين
مثلا يذكر بعض المؤلفين " التنظيمات الإدارية " التى قام بها الفرنسيون في مصر ، ويشيرون بوجه خاص إلى الدواوين التي ألفوها من الأهلين ، في القاهرة وفي الملحقات ، ويقولون إن ذلك كان بمثابة " إشراك الأهلين في إدارة شئون البلاد " ، بل " تعويدهم على مبادئ الحياة النيابية " .
غير أني أرى من الضروري أن أتساءل - تجاه هذه الأقوال :
- ماذا كانت السلطة المخولة لهذه الدواوين ؟ وكيف كان يمين أعضاؤها؟ و هل خدمت الدواوين المذكورة البلاد خدمة حقيقية ؟ وهل استمرت وواصلت أعمالها ، بعد جلاء الفرنسيين عنها ؟
إن أجوبة هذه الأسئلة تغير منظر القضية تغييراً أساسياً :
إن مهمة هذه الدواوين كانت - من حيث الأساس - تنفيذ أوامر الفرنسيين ، تحت مراقبة مندوبيهم ، وفقاً للتعليمات الموضوعة من قبلهم . وأما أعضاء هذه الدواوين فكانوا يعينون تعييناً ، بعد انتخابهم من قبل الحكام العسكريين . فكانت التعليمات الصادرة إلى هؤلاء الحكام تأمر بانتخابهم من بين الوجوه والعلماء الذين يتمتعون ينفوذ قوي علي الأهلين ، مع ملاحظة " كيفية قبولهم للفرنسين ، مما يدل دلالة صريحة على أن الغرض الأصلي من هذه التشكيلات والتنظيمات كان " الاستفادة من نفوذ هؤلاء على الشعب لتنفيذ مآرب الفرنسيين بعد التأكد من خضوعهم وموالاتهم للأدارة الفرنسية ، .
فكيف يجوز لنا - والحالة هذه - أن نرى في " تأليف هذه الدواوين " ما يمكن أن يعتبر من نوع " تعود الناس علي الحياة النهابية " وما يمكن أن يذكر بين " عوامل النهضة المصرية "
وبذكر أحد المؤلفين - بين مآثر الحملة الفرنسية - الاعمال التنظيمية التي باشروها في جزيرة الروضة ، ويشير بوجه خاص إلي الشارع المستقيم الذي أوجدوه لوصل الجزيرة بالمدينة ، وإلى أشجار السيسبان التي غرسوها في طرفي الشارع المذكور .
غير أني أرى من الضروري أن ألفت الأنظار : أولا : إلى كثرة الأشجار والبساتين والمباني التي خربها ودمرها الفرنسيون في مختلف أنحاء القاهرة -
مقابل ما انشأوه وغرسوه في جزيرة الروضة وشارعها .
وثانياً : إلي الغرض الأصلي الذي كان يهدف إليه الفرنسيون من مشروع جزيرة الروضة وشارعها .
لقد لاحظ نابليون - بعد ثورة القاهرة - أن تفرق الفرنسيين في الحارات المختلفة من المدينة يولد مشاكل كبيرة ، فقرر أن ينشئ مدينة جديدة منفصلة عن القاهرة تخصص لإسكان الجالية الفرنسية ، تجعلها في مأمن من تعرضات الأهلين خلال الثورات التى قد تحدث فى المستقبل ، وتسهل مهمة الجيش خلال تلك الثورات ، ورأى أن جزيرة الروضة هي أوفق الأماكن لتشييد هذه المدينة الفرنسية (۱) ..
فإذا جاز للفرنسيين أن يباهوا بالمشروع الذي وضعوه لتنظيم تلك الجزيرة وبالأشجار التي غرسوها هناك ، دون أن يذكروا شيئاُ مما خربوه ودمروه في سائر الجهات ودون أن يوازنوا بين ما أنشأوه وبين ما دمروه بوجه عام - فهل يجوز المصريين - والعرب أجمعين - ان يقتدوا بهم في هذا المضمار وأن ينظروا إلى القضية بهذا " المنظار الفرنسي" الذي يخفي المعايب عن الانظار ، ويغالي في تنظيم المحاسن إلي أقصي حدود المغالاة ؟
قد يسألني سائل : أفكانت " تخريبات الفرنسيين " التي ذكرتها الآن عديمة الفائدة تماماً ؟ ألم تساعد تلك التخريبات على تنظم مدينة القاهرة مؤخراً ؟
وأما أنا ، فأقول بلا تردد - جواباً علي هذا السؤال - إني أعرف أن الحرائق التي تنشب والزلازل التي تحدث في بعض المدن ايضاً ، قد تساعد على توسيع الشوارع وتنظيم الحارات ، " بسهولة كبيرة ونفقات قليلة " فهل يترتب علينا - بالنظر إلي ذلك - أن نتغني بما للزلازل من أفضال ، وبما للحرائق من حسنات ؟ . .

