رأيه وعقيدته
شرع أبو بكر في نشر مصنفاته ، وقراءتها علي الناس فأحدثت أثرا وضجة استقبلها بعض الناس قبولا حسنا ويوؤها خير مكان ، واضطرب بعضهم الآخر ، لما ورد فيها من الرأي الصريح ، الذي عدوه خارجا عن الصراط المستقيم ، وداعيا إلي البدعة .
كان على الخطيب بحكم اختصاصه بالحديث ان يأخذ يناصر أهله الذين يتقيدون بمضمونه ، فلا يميزون الخروج عليه حتى ولو ناقض أحكام الرأي ، وكان عليه ان يستجب رأي الأشاعرة ، الذين يعتمدون على العقل في اثبات وحدة الاله وصفاته ، فماذا فعل ؟ وضع مؤلفا في شرف أصحاب الحديث ، ذكر فيه سلطانهم ومكانتهم وحسن رأيهم وصواب عقيدتهم ؛ واضاف الطعن على أهل الرأي لصدوفهم عن النظر في احكام القرآن ، وتركهم الحجج بآياته الواضحة البرهان ، وتهكم علي اهل الكلام ، الذين يتخذون العقل حجة ، ويريدون أن يخرجوا عن حب التقليد ، فيخالفون صريح السنة وبين الآيات .
تتبع معايب أهل الرأي والكلام ثم انتمي إلي الأشاعرة ، مع أنهم حاملوا لواء التفكر ، والناسجون على منوال أهل الكلام نفسه الحنابلة - وكانوا يومئذ أهل الحديث الضاربين بسيفه - نسبوه إلى الخوض فيما نهي عنه الحديث ، وإلى الخروج عن النهج المستقيم ، وإلى البدعة الباطلة ، فاجابهم بشرح موقفه ، فيقول ما خلاصته : إن الأشعري لا يخالف عقيدة كبار المحدثين بل يدافع عنها ، ويحمل على مخالفيها ؛ وإذا استعمل العقل للرد عليهم ، فليس في ذلك ادني ضير ، فلم يسلك سلف
الأئمة سبيل النظر ، وابتعدوا عن التقاليد ردأ على أهل لأهواء والبدع ، فليس يجحد إذن كلام الأشعري إلا أحد رجلين جاهل ركن إلى التقليد ، وشق عليه سلوك أهل التحقيق ، أو رجل يعتقد مذاهب فاسدة ، يلبس علي الناس عوار مذهبه ، ويعمى عليهم فضائح عقيدته ، يحرم عليهم مناقشتها والجدل فيها .
خروجه إلى الشام ومقامه فيها
أثار هذا الكلام الحنابلة ، عوضا من أن يهدأهم ؛ ووجدوا في تاريخ بغداد تحاملا على علمائهم ، فتربصوا بالخطيب الدوائر ، حتى سار بهم الحظ في حادثة وقعت سنة ٤٥٠ ، ففيها حصلت فتنة البساسيري وقتل ابو القاسم ابن المسلمة وزير الخليفة ، وكان يحب الخطيب ويجل علمه ؟ واضطربت بغداد ، فسنحت الفرصة للحنابلة ، فصاروا يؤدون الخطيب بشتي الأساليب : كانوا يعطون السقاء قطعة يوم الجمعة ، فكان يقف من بعبد بإزائه ، ويميل رأس القربة ، وبين يديه أجزاء ، فيميل الجميع فتتلف الأجزاء ، وكانوا يطينون عليه باب داره في الليل ، فبيبقى محبوسا في بيته حتى يحضر من يزيل الطين .
ويخسى تفاقم الحال ، ولا ناصر له ، والسلطان بيد من لا يأمن على نفسه منه ، فيستتر ويخرج من بغداد يوم النصف من صفر سنة إحدي وخمسين ، مصطحبا تصانيفه وكتبه وسماعاته ، ميمما شطر دمشق ، ناويا أن يستوطن بها .
ويبلغها سالما ، ويقيم بيبت في جامعها الأموي ؛ ويتخذ لنفسه حلقة كبيرة ، يجتمع الناس إليه في بكرة كل يوم ، ويرتفع صوته بالتدريس يدوي في الجامع حتي سمعه من في اقصاه
ويكثر طلابه ، وتتعدد أصحابه ، ويأنس إلي دمشق فيختلف إلي غوطتها الخلابة ، ويؤم بساتينها ، لا للسمر
وإضاعة الوقت ، بل لقراءة كتب الأدب الظريف وصحائف الحكمة الطريفة ، في ظل الأشجار وقرب الأنهار ، مما يشوق النفس إلي الشعر الرائع ، والقول الخلاب ، والحكمة المستطرفة
ولا يزال على ما وصفنا حتى يحل شهر صفر سنة ٤٥٧ ، وإذا بالنحس يفاجئه ، وسوء الطالع يداهمه ، فيضطر إلي الخروج من دمشق على أسوأ مما خرج عليه من بغداد ، وذلك أنه كان بين الكتب التي سمعها وورد بها دمشق " فضائل الصحابة الأربعة " لأحمد بن حنبل ، و " فضائل العباس " لابن رزقوبه . ولعل إنسانا سأله قراءتهما عليه ، أو إنه اتفق له تدريسهما عرضا ، دون أن ينتبه إلي أن السلطة في دمشق كانت للفاطميين ، وهم خصوم بني العباس ، والناقمون على الخلفاء الثلاثة الراشدين ، الذين سبقوا الإمام عليا . وعرف أمير الجيوش قراءته لهذين الكتابين ، فأمر بالقبض عليه وقتله ، وكان صاحب الشرطة سنيا ، فقصد الخطيب مع جماعة ، ولم يمكنه أن يخالف الأمير ، فأخذه وقال : قد أمرت فيك بكذا وكذا ، ولا أجد لك حيلة إلا أن أعبر بك على دار الشريف ابن أبي الجن العلوي ، فإذا حاذيت الباب أقفز وادخل الدار ، فأرجع إلي الأمير فأخبره بالقصة . فقبل الخطيب رأيه شاكرا ، وسار معه ، وكان الشريف ينزل في دار العقيقي ، حيث تقوم دار الكتب الظاهرية اليوم ، ولا تبعد عن الجامع إلا خطوات ، فسار قليلا ، حتى حاذي الباب ، ودخل دار الشريف ، فأرسل الأمير إلي الشريف أن يبعث به ، وكان هذا قد فكر في حيلة بنجيه بها ، فما وجد إلا أن يأخذ بالتقية ، فبدعي سوء الظن بالخطيب ، فقال : أيها الأمير ، أنت تعرف اعتقادي فيه وفي أمثاله ، وليس في قتله مصلحة ، هذا رجل مشهور بالعراق ، إن قتل قتل به جماعة من الشيعة ، وخربت المشاهد . قال : فما تري ؟ قال : أري أن يخرج من بلدك ؛ فأمر بإخراجه .
وانتهت الحادثة ، دون أن يمس الخطيب بأذي وكان علمه ومكانته الحيلة إلى خلاصه
عودته إلى بغداد ووفاته
وخرج إلى صور ، ثانى بلاد الشام في الحديث بعد دمشق ، وتعرف على عز الدولة الموصوف بالكرم ، وتقرب منه فانتفع ثم هاج به الشوق إلى وطنه ، وكأنه شعر يدنو أجله ، وكان قد اتم السبعين ، فعاد إلي بغداد ، وكان يقف في البلدان التي يمر فيها ، فيحدث من علمه ، ويجادل بفهمه ، حتى دخل بلدته المحبوبة ، وشرع يقريء فيها تصانيفه
ولم يمضي عليه فيها سنة ، حتى مرض ، فلم يشأ إلا ان يختم حياته بعمل صالح يودعها به ، وكان قد احضر معه من الشام ثروة من الثياب والذهب ؛ وما كان له عقب ، فكتب إلي القائم بأمر الله : إني إذا مت يكون مالي لبيت المال ، فأذن حتى افرق مالي علي من شئت ، فأذن له بذلك . فعهد إلي ابى الفضل بن خيرون ان يفرق ثروته من الذهب وقدرها مايتا دينار على المحدثين وعلى من يفرق ثرونه ، إذا لم يكن عليهم ، فهو رئيسهم وصاحبهم ، عاش عيشتهم ، وادرك حاجتهم إلي المال ينفقونه في طلب العلم .
وفي غرة ذي الحجة ، أي بعد شهرين من ابتداء مرضه ، اشتد به الحال ، وايس منه . ثم توفي رابع ساعة من ضحي يوم الاثنين سابع ذي الحجة
وسعي أصحابه ، ينفذون وصيته ، بأن يدفن إلي جانب بشر الحافي ، ليتم له ما دعا الله به عند زمزم ، فوجدوا قبرأ أعده أبو بكر الطريقني الصوي ؟ وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة ، وينام فيه ، ويقرأ القرآن كله ويدعو وذلك منذ عدة سنين ؛ فمضى أصحاب الحديث إليه . وسألوه أن يدفنوا الخطيب في قبره وان يؤثره به ، فامتنع
وقال : موضع قد حفرته ، وختمت فيه عدة ختمات ، ولا أمكن أحدا من الدفن فيه . وهذا مما لا يتصور ؛ فلما رأوا ذلك جاءوا إلي أبي سعد الصوفي صاحب الرباط الذي كان يسكنه الطريقني هذا ، وذكروا له ذلك فأحضره وقال : أنا لا أقول لك اعطهم القبر ؛ ولكن أقول لك لو أن بشرا في الأحياء وأنت إلي جانبه ، فجاء أبوبكر ليقعد دونك ؛ أ كان يحسن بك أن تقعد أعلى منه ؟ قال : لا ، بل كنت أقوم وأجلسه مكاني ، قال : فهكذا ينبغي أن يكون الساعة في حالة الموت ، فانه أحق به منك ، فطاب قلبه فأذن لهم ، وعاش بعد ذلك أربعا وثلاثين سنة
وتأخر بهذا السعي إخراج جنازة الخطيب إلي اليوم الثاني ، فأخرج بكرة الثلاثاء من حجرته ، وعبروا به إلي جامع المنصور في الجانب الغربي للصلاة عليه . وكان بانتظار
جثمانه في ذلك الجامع القضاة والأشراف والنقباء والشهود والفقهاء ، وأهل العلم والصوفية والمستوزرون والعامة وخلق عظيم ، وتقدم القاضي أبو الحسين بن المهتدى العباسي ، فصلي بالناس ، وكبر عليه أربعا على باب المقصورة ، ثم حملت جنازته ، وعبرت بالكرخ ، ومعها ذلك الخلق العظيم ، وبين يدي الجنازة جماعة ينادون : هذا الذي كان يذب عن رسول الله ، هذا الذي ينفي الكذب عن رسول الله ، هذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله ؛ ونسو ان يقولوا :
هذا الذي وضع أصول الحديث ، ونقد رجاله ؛ هذا الذي كان يفهم روح الإسلام بحسن نظر لا يشوب جماله وسماحته
) دمشق (

