ربما يكون من الخير - بعد أن لخصنا ( في الثقافة ١٩٢،١٩١ ) اهم النقط التى آثارها الشاعر " وردسورث " ان تبين وجهة النظر المقابلة التي تولي الدفاع عنها صديقه الشاعر " كولردج " وليس يهمنا هنا أن نقضي بين الطرفين قدر ما يهمنا أن نوجه التفكير إلي مثل هذه المسائل ذات الصبغة العامة في الأدب ، وان نضع امام الذهن العربي الحديث صورا أخري من معالجة قضايا الأدب يضمها إلي ما وردته اسلافه العرب في كتب النقد والموازنات من مناهج وأساليب فقديما بحث نقادنا منزعي السهولة والصعوبة في الشعر ، واختصموا في الطائيين " أبي تمام والبحتري أيهما أصح مذهبا وأهدى سبيلا ؛ وقديما تناول مؤلفونا مسألة القاموس الشعري الخاص فقالوا : ( وللشعراء الفاظ معروفة ، وأمثلة مألوفة ، لا ينبغي للشاعر أن يعدوها ولا أن يستعمل غيرها ، كما ان الكتاب اصطلحوا على الفاظ بعينها سموها الكتابية لا يتجاوزونها إلي سواها )
ولموضوعنا الحاضر جانب آخر من الطرافة ، ذلك أن ما تضمنه من النقد صادر عن شعراء ، وإنما يعرف الشوق من يكابده . سأل " عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر " " البحتري " - وكان بمجلسه يوما : يا ابا عبادة ، أمسلم أشعر أم أبو نواس فقال : أبو نواس ؛ لأنه ينصرف في كل طريق ، ويبرع في كل مذهب ، إن شاء جد وإن شاء هزل ؛ ومسلم يلزم طريقا واحدا لا يتعداه ، ويتحقق بمذهب لا يتخطاه عبيد الله : إن أحمد بن يحيي ثعلبا " لا يوافقك على هذا ! فقال أيها الأمير ، ليس هذا من علم ثعلب واضرابه ممن يحفظ الشعر ولا بقوله ، فإنما يعرف الشعر من دفع إلي مضايقه . فقال : وريت بك زنادي يا أبا عبادة ، إن حكمك في عميك أبي نواس ومسلم وافق
حكم أبي نواس في عميه جرير والفرزدق ، فإنه سئل عنهما ففضل جريرا ، فقيل له : إن ابا عبيدة " لا يوافقك على هذا ! فقال : ليس هذا من علم أبى عبيدة ، فإنما يعرفه من دفع إلي مضايق الشعر .
وبعد فقد رأي " كولردج " أن يقدم بين يدي دفاعه بمقدمة يشرح فيها آراءه في القصيدة والشعر . ومثل هذا الشرح لابد أن يتبع - كما يقول - المنهج الفلسفي الذي يقوم على دعامتين من التحليل والتركيب ، فلكي تكون فكرة واضحة عن حقيقة ما يجب - أولا - أن نفصل أجزاءها القابلة للتمييز - وهذه هي الخطوة العملية في الفلسفة ، ثم تتبع ذلك بأن يحاول رجع هذه الآجزاء ، مرة أخري إلي وحدتها التي توجد عليها . وتلك نتيجة الفلسفة .
إن القصيدة تحتوي نفس العناصر التي يحتويها التأليف النثري ، وإذا فليس الفرق بينهما إلا في كيفية جمع تلك العناصر معا تبعا لهدف مختلف ، وعلى حسب الفرق في الهدف يكون الفرق في التأليف ؛ فمن الممكن مثلا أن تؤلف تأليفا منظوما يكون الغرض منه مجرد إعانة الذاكرة على حفظ مجموعة من الحقائق أو الملاحظات بنوع من الترتيب السطحي ، وأن نسمي التأليف الناتج قصيدة لمجرد أنه يختلف عن النثر بالوزن أو التقفيه أو بهما معا . وفي هذا المعنى - وهو أحط المعاني - نستطيع أن نطلق اسم قصيدة علي الضوابط المعروفة ( بالانجليزية ) لأيام الأشهر ، (ومثلها في ذلك ضوابط العربية ومتونها ) . وبما أن هناك لذة خاصة في توقع تكرار الأصوات والكميات ، فان كل تأليف يحتوي هذا العنصر الجذاب يصح - مهما كانت محتوياته - أن يسمي من حيث الشكل السطحي قصيدة . ولكننا نستطيع أن نميز بين أنواع التأليف بعضها وبعض من حيث الهدف والمحتويات ايضا : فتارة يكون الهدف
المباشر إيصال الحقائق ، سواء أكانت حقائق قطعية قابلة للبرهان كأعمال العلم ، أم حقائق جربت وسجلت كما في التاريخ . وقد يقترن بتحقيق هذا الهدف نوع من اسمي أنواع اللذة العقلية ، ولكن إيصاله ليس الغرض المباشر ؛ وتارة يتجه التأليف إلي إيحاء اللذة ، وينجح في ذلك نجاحا كبيرا ، دون أن يكون موزونا أو مقفي ، كما في القصة والرواية
فهل مجرد إضافة الوزن مع القافية أو بدونها يسمح لمثل هذه الكتابات أن تسمى قصائد ؟ إنه لا شئ يحدث لذة دائمة إلا إذا احتوي في نفسه سر هذه الخاصة ، وإن تحقيق لذة سامية دائمة لا يجئ من مجرد إضافة الوزن ، وإنما يجيء حيث يكون لكل جزء في العمل الفني نصيبه في بناء اللذة المشتركة ، وحيث تكون الأجزاء متناسقة معا تناسقا يبرر الانتباه الخاص لكل منها ، واللذة المتكررة يتكررها مع النغم الموزون ، بجانب اللذة العامة الحاصلة من تالفها جميعا
وإذا فمن هذه الاعتبارات يصح أن تصور التعريف التالي للقصيدة ، فنقول : " القصيدة هي ذلك النوع من لتأليف الذي يخالف الاعمال العلمية في أنه يتخذ ايصال اللذة - لا تقرير الحقيقة . هدفه المباشر ، والذي يتميز عن بقية أنواع الكتابة التي تشترك معه في هذا الهدف بأنه يرمي إلي تحقيق لذة عامة تصدر عنه باعتباره وحدة متماسكة ، وتتمشي وتشوات الارتياح الخاصة التي تصدر عن كل جزء من أجزائه .
فالقصيدة المشروعة - إذا - هي التي ينشد بعض أجزائها بعضا ويفسره ، كل يقوم بنصيبه في بناء الهدف العام للتأليف المنظوم ، ويتناسق واياه . ولقد أجمعت كلمة النقاد الفلسفيين في كل العصور - متفقين في ذلك والحكم العام في الأقطار كافة - علي أن شرف هذا الاسم ( قصيدة)
ينبغي ألا يخلع على نوعين من التأليف ينسبان خطأ إلي القصيدة : أحدهما سلسلة من الأسطر المنظومة أو الأبيات يستقل كل منها بانتباه القارئ جميعه ، وينفصل في السياق حتي يصح وحدة منفكة ، لا عنصرا منسجما ، والثاني تأليف مهلهل عليه القارئ مرا سريعا ويجمع منه النتيجة العامة ، دون أن ينجذب إلي عناصره المكونة له أو يعطي كلا منها نصيبه من الانتباه . وإذا يجب أن تكون القصيدة بحيث تحمل القارئ معها إلي الأمام ، لاعجز الدافع الآلي للاستطلاع ، ولا مجرد الرغبة الملحة في الوصول إلي النتيجة النهائية ، ولكن من طريق النشاط البهيج لعقل يلذ ما في الرحلة نفسها من طرائف وآثار ؟ يجب أن تكون حركة القارئ مثل حركة الحية التي اتخذها المصريون رمزا للقوة الذهنية ، أو مثل حركة انتقال الصوت في الهواء ؛ يجب أن تكون بحيث يقف القارئ عند كل خطوة ، أو يتراجع إلي الوراء قليلا ، ليجمع من تلك الحركة قوة تحمله مرة ثانية في سيره إلي الأمام ،
هذا الإصرار من جانب (كولردج ) علي تناسق أجزاء القصيدة وارتباط عناصرها معا برباط لا ينقصم ، يتفق والفكرة المجمع عليها في النقد الغربى عن وحدة العمل الفني وفي نظري أن هذه النقطة وكثيرا غيرها من دراسات الفن -لم تبحث إلي الآن - من وجهة النظر العربية - بحثا شافيا ، وقد تنبه لها كتابنا الأقدمون - مثل ابن قتيبة وعبد القاهر الجرجاني - كما تنبه لها بالضرورة نقادنا المحدثون، ولكنها لا تزال بعد في حاجة إلي بحث شامل ؛ فكثير من المستشرقين - وبعض المستغربين-يتهمون القصيدة العربية بخلوها من صفة الوحدة الفنية ، وهو اتهام ينبغي ألا يترك مصلتا على نواصي الشعر العربي دون جلاء وتحقيق ولعل لنا - أو لغيرنا - عودة الى هذا الموضوع .
بعد أن شرح " كولردج " صفات القصيدة الجيدة في عليه أن يبحث : ما هو الشعر ؟ وما الشاعر ؟
إن كتابات " أفلاطون " و " تيلور " وأشباههما ، لغة الكتاب المقدس في بعض فصوله ، تمدنا ببراهين لا تقبل الشك - على أن شعرا من أسمي طراز يمكن أن يوجد بلا وزن ولا قافية ، ويمكن أن يوجد حيث الهدف المباشر تقرير الحقيقة لا ايحاء اللذة . وإذا فأيما معي خاص أعطيناه للشعر (وسيتحدد معني الشعر عندما نصور صفات الشاعر الفاضل ، فالسؤالان مرتبطان تمام الارتباط ) فإنه يحمل في طيه نتيجة لازمة هي أنه ، في أية قصيدة ذات طول ، لا يمكن - ولا ينبغي - أن تكون كل أجزائها من الطراز الشعري السامي . غير اننا من جهة اخري ملزمون إلزاما فنيا أن نجعل من القصيدة وحدة متجانسة ؛ فلا بد لنا - إذا - من أن نعمد إلي الأجزاء غير الشعرية في القصيدة فنجعلها تلائم الشعر وتنسجم وإياه انسجاما ، وذلك لن يكون إلا باختيار وترتيب مقصود يقوم به الخاطر يتوجيه من الذهن والإرادة ، حتى يتحقق اشتراك العناصر في خاصية لابد من توفرها في كل ما هو شعري - وإن كانت غير مقصورة علي الشعر - وهي إثارة مقدار من الانتباه أو الاهتمام المستمر الموزع توزيعا متناسبا ، في صورة يقصر دونها النثر حديثا أو كتابة
إن الشاعر - في صورته المثالية - يثير النشاط في النفس الإنسانية كافة ، ويخضع ملكاتها بعضها لبعض حسب اهميتها وشرفها ؛ وهو ينفث روحا من الوحدة تؤلف كلا إلي كل وتجمعه ؛ وعدته في ذلك تلك القوة التركيبية السحرية الى يطلق عليها اسم الخاطر او الخيال . هذه القوة - التي يدفعها التمهم والإرادة إلي العمل ، وبتولياتها بالتوجيه الحازم المستمر الرقيق - تكشف عن نفسها في حفظ التوازن وفي التوفيق بين الكيفيات المتعارضة أو
المتبابينة ؛ فتجمع المتشابه إلي المختلف ، والمعنوي إلي الذاتي والفكرة إلي الصورة ، والفردي إلي العام ؛ وتؤلف بين الجديد الطريف والقديم المألوف ، بين حالة غير عادية من الانفعال ، ونوع غير عادي من الضبط والنظام ، بين الحكم اليقظ الواثق ، والحماسة المتدفقة العميقة ؛ وهي إذ تمزج الطبيعي والمصنوع وتنسقهما معا ، لا تزال تخضع الفن للطبيعة ، والطريقة للمادة ، وإعجابنا بالشاعر لتأثرنا الوجداني بالشعر .
هذا - إذا - مجمل رأي كولردج في القصيدة وفي الشاعر ، وعليه ينبغي نقده - الذي سنلخصه بعد - لنظرية صديقه . وقد رأينا قبل كيف أكد " ورد سورث " في الشاعر جانب الحساسية ، وتقليد الطبيعة والإنسان ، والقدرة على التعبير عن الافكار والإحاسيس في لغة تقريبا من لغة الناس . وهنا نري كيف يضع ( كولردج ) إصبعه على العبقرية الشعرية نفسها تلك التي تعمر عقل الشاعر اولا وتكيف تصوراته وأفكاره وانفعالاته ، ثم يتجلى سحرها بعد في خلق وحدة فنية تهز بمجموعها كما تسر بأجزائها وتثير عند القارئ أو السامع انتباها مستمرا متوازنا لا تسمو إلي إنتاج مثله لغة النثر في حديثه أو كتابته .
" إن الحكم السليم هو جسد العبقرية الشعرية ، والتخيل لبوسها ، والحركة حياتها ، والخاطر(او الخيال المتصرف ) روحها الذي يحيا في المجموع وفي الاجزاء ، والذي يؤلف من شتيت العناصر نظاما واحدا انيقا مبينا)
( للكلام بقية )

