"كان مستر سمبسون قد ارتاب في شخص حضر للتأمين على حياة صديق له يدعى بكويث ، لذلك أخذ يرقب حركاته فأنفذ أول الأمر من براثنه ابنة أخيه التى كان قد أمن عليها وشرع بعد ذلك يمهد السبيل لقتلها ، كما قتل أختها من قبل وقد تلقى مستر سمبسون أخيرًا دعوة من مستر بكويث هذا لتناول الإفطار عنده " .
لم أكن قد زرت مستر بكويث قبل هذا اليوم ، لذلك راعني ما رأيت عليه مسكنه من كآبة وظلام ، فقد كان كل شيء يبعث على الاشمئزاز حقًا ، فالأثاث قذر يعلوه الغبار ، والغرف مظلمة لا يدخلها النور ولا الهواء ، ورائحة الخمر والأفيون تملأ جوها ، وتبعث الضيق في النفس ، وفي أحد الأركان وضعت مائدة أعد عليها طعام الإفطار ، بينما استلقى على مقعد متداع في الركن المقابل رجل بدت على وجهه علامات السقم والهزال ، وانحطاط الصحة ، يدل مظهره على أنه من أحط طبقات المدمنين ، ويوحى النظر إلى سعاله بالنهاية القريبة التي يخطو إليها ، وهي الموت .
وبدأ مستر بكويث الحديث عند ما رآني قائلا في صوت بدت فيه مظاهر الإعياء : - إن سلنكتون لم يأت بعد . ولكن صبرًا فسأدعوه . سلنكتون ! جولياس ! جولياس سيزار . تعال إلي هنا . تعال لتشرب . . .
كان صوت بكويث على ضعفه مخيفًا رهيبًا ، حتى لقد عرتني رعدة خفيفة وأنا أستمع إلى ندائه على سلنكتون ، ذلك النداء الساحر العجيب ! ولم تمض برهة حتى أقبل سلنكتون على الصوت ، ولكنه لم يستطع مع ما حاول من هدوء أن يخفي دهشته المشوبة بالاستنكار لرؤيتي في هذا المكان !
وارتفع صوت بكويث الرهيب مرة أخرى قائلا في هياج :
- جولياس ، جولياس سيزار . هذا هو مستر سمبسون . . . مستر سمبسون ، هذا جولياس صديق روحي ، إنه لا يكف عن سد حاجتها من الخمر . . . إنه دائم الإمداد لي بكل أنواع الخمور . . . والمخدرات ، إنه رجل مفضال ، يجود عليَّ دائمًا بأقوى أنواع الخمر فعلا في العقل . إن جولياس لا يقبل أن أشرب القهوة أو الشاي ، فهو يقذف بما أعده لنفسي منهما في عرض الطريق . . . إنه ليبلغ من كرمه أن يفرغ أواني الماء وأباريقه من هذا السائل الرخيص الذي يرتوي به المجانين ، ويملأها لي بمختلف أنواع المسكرات . هيا يا جولياس وأعد لنا النبيذ الساخن . هيا ، هيا .
كان هناك شيء مرعب يملأ جو الحجرة لم أدركه أول الأمر ، أهو رنين صوت بكويث وهو يدوي في سخرية قاتلة ، أم هو هذا السكون الذي يسودها كلما سكت قليلا ليستجمع أنفاسه ؟ لست أدري ؛ كل ما أعلمه أنني كنت أحس شيئًا رهيبًا يتمشى في جو الغرفة فيبعث الكآبة إلى نفسي ، ترى أين سمعت هذا الصوت ؟ هل أعرف صاحبه ؟ ذلك ما لم أستطع الإجابة عليه ، وما لم يمهلني صوت بكويث قليلا لأفكر فيه ، فقد ارتفع ثانيًا في لهجتة الهستيرية المفزعة صائحًا :
- أعد النبيذ يا جولياس . هيا إلى عملك الدائم ، خذ ، هذه هي الملعقة لتقلب بها الخمر الساخنة ككل يوم ، خذ واندفع بكويث نحو سلنكتون وفي يده الملعقة في عنف ، حتى لقد خيل لي أنه شيشج بها رأسه ، فوقفت بينهما لأحول دون إصابة هذا الأخير . وحانت مني إذ ذاك التفاتة إلى المائدة فتأملت طعام الإفطار فإذا به إبريق من الخمر وبعض سمكات مملحة قد صفت في أحد الأطباق ، وبدا منظرها كأنها جيف صغيرة ، ونوع من الأطعمة الحريقة مما ينهى الأطباء مدمني الخمر عن تعاطيه . لقد كانت مائدة إعدام - ما في ذلك شك - لمثل هذا المريض المتداعي الذي يصرخ صرخاته الأخيرة ، وكأنما أحس سلنكتون بما يجول بخاطري ، فنظر إليَّ موجهًا رأسه إلى عيني لآخر مرة ، وقال في غيظ مكتوم :
- على أية حال فأنا أشكرك لتدخلك بيني وبين هذا المخلوق التعس ، ولدفاعك عني والحيلولة دون اعتدائه عليَّ . مهما كان سبب حضورك فإني أشكر لك هذه اليد . . . . ولم يستطع إتمام كلامه ، فقد ارتفع صوت بكويث مرة أخرى طالبًا إعداد الشراب . وتعمدت أنا أن أتجاهل تلك الرغبة الملحة التي تم عليها حديث سلنكتون في معرفة السر في مجيئي ، وقلت له :
- كيف حال ابنة أخيك يا مستر سلنكتون ؟ وأجابني وقد اشتد غيظه :
- أنا آسف لأن أخبرك يا سيدي أنها قد برهنت على منتهى الغدر ونكران الجميل لأحسن وأخلص أصدقائها ، لقد غادرتني دون أن تترك لي كلمة واحدة ، أو تفسيرًا لتصرفها ، وإني لواثق أنها قد وقعت تحت تأثير شرير سافل ، ولعلك سمعت شيئًا عن ذلك ؟ وأجبت متكلفا عدم الاكتراث :
- لقد سمعت فعلا أنها كانت واقعة تحت تأثير شرير سافل أساء توجيهها .
- أتتأكد من ذلك ؟ - كل التأكد . وللمرة الثالثة صرخ بكويث إليه طالبًا إعداد الشراب ، وكان إذ ذاك قد تهالك على المقعد كأنما قد فقد وعيه ، ولكن سلنكتون لم يعر هذا الصراخ أهمية ، بل التفت إليَّ قائلا : - مستر سمبسون ، إنك رجل مجتمع ، وأنا كذلك ، وأريد أن أكون صريحًا معك . وأجبته مستنكرا : - أنت ؟ مستحيل عليك أن تكون صريحًا . - إنني أؤكد لك أني سأصارحك بكل شيء . - وأنا أؤكد لك بدوري أنك لن تكون صريحًا على الإطلاق ، لا معي ولا مع غيري .
ولكنه استمر في حديثه دون أن يعبأ بمعارضتي قائلا : - إني أصارحك يا مستر سمبسون ، إنني أفهم جيدًا طبيعة عملك ، فأنت كمدير لإحدى شركات التأمين يهمك أن تنقذ أموال شركتك بإنقاذ المؤمنين لديها ، فإن لم تتمكن من إنقاذ هؤلاء المؤمنين ، فلا أقل من التشكيك في وفاتهم للهروب من دفع المبالغ المؤمن بها . ولكني أؤكد لك في هذه الحالة أنك لن تنجح فيما ترمي إليه .
إنك لن تكون أمام خصم سهل المقاومة حين تقف أمامي ، ففي الوقت الموعود ستضطر إلى القيام بتحريات وأبحاث لكي تثبت وجهة نظرك وما تدعيه ، وأهم هذه الأبحاث أن تبين كيف ومتى وقع مستر بكويث في حبائل المخدرات ، ولعلك تعلم أنه ليس من السهل أن تقوم بمثل هذه الأبحاث ، بل لعلك متأكد أنه من المستحيل إثبات ذلك . وإذاً فإني أتركك مع هذا المخلوق التعس لتسمع صرخاته الكريهة ، راجيًا لك صباحًا سعيدًا وتوفيقًا أكثر في حالة غير هذه الحالة .
ولكن سلنكتون لم يغادر الغرفة ، فقد حدث إذ ذاك أمر عجيب ، فإن هذا الرجل المنهدم المتداعي الثمل ،
الذي كان متهالكًا على المقعد ، قد نهض في هياج وقذف في وجه سلنكتون بكوب مملوء بالنبيذ ، فشج رأسه وبلل وجهه وملابسه ؛ وليس هذا كل ما حدث ، لقد جد أمر غريب ؛ هذا الشخص الهالك قد استحال إلى مارد جبار ممتلئًا صحة وعافية ، استحالت الأقدام المهتزة المرتعشة إلى أقدام قوية ثابتة كأنها مثبتة إلى الأرض ، العينان المغلقتان المقرحتان قد استحالنا إلى مصباحين يشعان نارًا .
وأخرج سلنكتون من جيبه منديلا مسح به وجهه ، وجفف الدماء التي سالت من جرح رأسه ؟ ولحظت أن التغير الذي بدا على بكويث يقابله تغير جديد بدا على وجه سلنكتون ، فقد زايله ثباته ، وابتدأ جسده يرتعد ، ولونه يبهت .
وصاح بكويث به : - انظر إليَّ أيها الشرير وتأملني كما أنا حقًا ، لقد استأجرت هذا المسكن خصيصًا لأحيله إلى فخ لك ، وكنت آتي إلى هنا كمدمن سكير لأمهد الطريق لسقوطك في الفخ ، وقد وقعت فيه ولن تغادره حيًا . إن المؤامرة التي دبرتها بالتأمين على حياتي لحساب تابعين من أتباعك زعمتهما أهلي ، كانت مؤامرة تدل على الغباء ، إنها لم تكن مؤامرة ضدي ، بل كانت مؤامرة ضدك ، الم أرك أكثر من مرة تضع السوائل المختلفة من العقاقير المهلكة في كأسي ، وكان يخيل إليك أنني في غيبوبة لا أراك ؟ كم من مرة خطر لي إذ ذاك أن أنسف رأسك بمسدسي الذي كنت دائما أحتفظ به في جيبي ، ولكني كل مرة حاولت ذلك فيها وجدت أنك أحقر من أن أقدم للمحاكمة في سبيل حياتك !!
اصغ إليَّ أيها الشرير ، ولتكن كل كلمة أقولها طعنة إلى قلبك القذر . عندما استأجرت هذه الغرفة لأرمي بنفسي في طريقك ولأقودك إلى الطريق الذي كنت واثقًا أن مظهري وخلقي وإدماني سوف تقودك إلى سلوكه ،
كنت أعرف أنك سوف تسلكه بلا تردد . أتدري لم كنت واثقًا من ذلك ؟ لأنك لم تكن غريبًا عني . لقد كنت أعرف أنك هو الوحش والمجرم الذي قتل فتاة بريئة وثقت به واطمأنت إليه ، والذي كاد يقتل فتاة أخرى لولا عناية الله . لا لسبب إلا لإرواء غلته من المال ، ولكن ساء ما فعلت . أنظر كم كنت أبْلَهَ . هذا السكير المتهدم الذي لم يشرب قطرة واحدة من السموم التي كنت تقدمها إليه ، بل كان يلقيها في كل مكان من النافذة ، على الأرض ، تحت سمعك وبصرك ، ذلك السكير الذي اشترى بالمال الرجل الذي رصدته لمراقبته قبل أن تستأجره لهذه الغاية بأيام ، ذلك السكير الذي كنت تتركه ملقى على الأرض مطمئنًا إلى أنه فقد وعيه لعدم إحساسه بركلاتك الموجعة في أجزاء جسمه في منتصف الليل ، والذي كان في نفس الليل يزورك في مضجعك فيقلب في أوراقك ، ويأخذ عينات من أنواع العقاقير والمساحيق التي كنت تتعجل له بها الفناء ! ذلك السكير يامستر سلنكتون هو نفسه الذي سوف يرسل بعنقك إلى المشنقة وهو مطمئن البال ، فقد كان يحمل مفاتيح كل أبوابك وأدراجك وخزائنك ، ويستطيع أن يخبرك كما تستطيع أنت أن تخبره عن تركيب كل عقاقيرك وتأثيراتها ومظاهر سريان مفعولها ، ويستطيع أن يحدثك عن تقاريرك التي كنت تسجل فيها التطور الذي يعتري حالته الصحية ، بل وهو يعلم أكثر مما تعلم أين تستقر هذه التقارير اليومية التي كنت تكتبها .
وبدرت حركة من سلنكون كأنما كان يفكر في الموضع الذي أخفى فيه هذه التقارير ، ولكن بكويث أسكنه بإشارة صارمة من يده ، واستأنف كلامه قائلا : - لا . إنها ليست في درج منضدة الكتابة كما تتوقع . إنها ليست هناك . ولن تكون هناك بعد اليوم وصاح سلنكتون غاضبًا :
- إذاً فأنت لص وأجاب بكويث دون أن يبدو على ملامحه أي تأثر من هذه التهمة وقد أشار إشارة إلى شخص قد اقترب من الباب : - وإلى جانب ذلك فأنا ظل ابنة أخيك الملازم . لقد علمت كل شئ من مذكراتك . علمت ما دبرته لابنة أخيك بعد أن أمنت على حياتها هي الأخرى . أتذكر ذلك المساء في سكاربرو؟ إن مستر سمبسون لم يأت عبثًا في ذلك اليوم ولا هذا الشخص الواقف بالباب . أتذكره ؟ إنه الشخص الذي كان يجر العربة التي استلقى فيها ظل ابنة أخيك الكهل . لقد دبرنا ثلاثتنا كل وسيلة لإنقاذ ابنة أخيك من بين براثتك وقد تم لنا ما أردناه .
امتقع لون سلنكتون ، وبدأ يفقد ثباته الذي طالما كافح للاحتفاظ به ، وبدأ يقلب عينيه بيني وبين بكويث وبين ذلك الشخص الذي اقترب من الباب كأنما يحرس الحجرة ويحول دون فراره منها ، وتحرك إلى الأمام خطوتين ، ولكنه عاد ثانيًا إلى مكانه . وبدا لي إذ ذاك أمر غريب ! فقد رأيت هذا الشاب الأنيق يتحول إلى شخص محطم منهدم ، حتى لتبدو ملابسه التي طالما بدت لي على غاية من الملاءمة لجسمه كأنما هي ملابس قديمة يرتديها متسول لم يكن صاحبها في يوم من الأيام . أيمكن أن يحدث ذلك ؟ أن يتغير قوام الإنسان ويفقد مزايا تركيب جسمه بهذه السرعة مهما كانت الصدمة ؟ على أية حال لقد حدث هذا ، لقد بدا لي سلنكتون شخصًا آخر يهد جسده المرض وليس بينه وبين الموت إلا لحظات ، بدا لي كأنه هو بكويث الذي رأيته حين ولجت الغرفة . . .
واستأنف بكويث حديثه فقال : - عندما أرسلت تلك الفتاة الجميلة العذبة إلى مكتب ملتام بشركة التأمين لتباشر عملية التأمين على حياتها ، تلك الفتاة التي لم ترحم شبابها فقتلتها بعد ذلك - عندما أرسلت هذه الفتاة إلى مكتب ملتام المسكين لم تكن تعلم
أن القدر يهيئ لهذه الفتاة أن تصبح كل أمل هذا الشاب وأحلام مستقبله ، وأنك حين تقضي على حياتها تقضي على آمال هذا الشاب معها . ولكن يشاء الله أنه وإن فات هذا الشاب أن ينقذ حياتها فإنه لم يفته أن ينتقم لها ، وأن يوقع من أودى بحياتها في حبل المشنقة ، هذا الشاب يا مستر سلنكتون كان يوقن بعد مصابه في حبيبته أنه مكلف بأن ينتقم لها ويحطمك ، وكان يوقن أيضًا أنه إن وفق في هذه السبيل فإنه لا يرتكب إثمًا ، بل يكون مجرد آلة في يد المقادير تهيئها لاستئصال عضو فاسد من أعضاء المجتمع . هذا الشاب يا مستر سلنكتون هو أنا . وإني أشكر الله على أن وفقني إلى إيقاعك في يد العدالة . إنك لم ترني قبل اليوم باسمي الحقيقي ، ولكنك تراني الآن لأول مرة ، وستراني مرة أخرى حين ألوح لك وأنت على حبل المشنقة والجماهير تهتف بلعنتك كسفاح أثيم .
بدرت إذ ذاك حركة لم نفطن لها أول الأمر من سلنكتون ، فقد امتدت يده إلى جيبه فأخرج منه منديله ومسح به جرح رأسه مرة أخرى ، وحين أعاده لم نتبين أنه أخرج ورقة مطوية من جيبه سرعان ما أدار رأسه وأفرغ ما فيها في فمه . فلم تمض لحظات حتى سقط على الأرض فاقد الحراك ... وكانت هذه هي خاتمة حياة ذلك الشخص الذي شعرت نحوه بالكراهية أول مرة رأيته فيها .
أما ملتام فإنه لم ينتفع بحياته بعد ذلك اليوم ، لقد قضى شهورًا قلائل مرتاح البال لأداء واجبه ، وإن كانت العلة لم تبارحه حتى منتصف الخريف ، فلحق بحبيبته ودفن إلى جانبها ؛ وعندما فتحت وصيته وجد أنه ترك كل ما يملك إلى شقيقتها مس نيز التي تزوجت ابن شقيقتي والتي أرى أولادها الآن وأنا أختم هذه القصة من منزلي الريفي الذي ركنت إليه بعد اعتزالي العمل ، يمرحون ويلعبون في هذا القبو الكبير . . . الجميل . . .
