(ز) رأس بدر مولى المعتضد: كان سبب قتله على ما أجمعت عليه الروايات، أن الوزير (القاسم بن عبيد الله كان همّ بتصيير الخلافة من بعد المعتضد في غير ولد المعتضد، وأنه كان ناظر بدراً في ذلك، فامتنع بدر عليه قوال: ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي الذي ولى نعمتي. فلما رأى القاسم ذلك وعلم إنه لا سبيل إلى مخالفة بدر؛ إذ كان بدل صاحب جيش المعتضد والمستولي على أمره والمطاع في خدمه وغلمانه، اضطغنها على بدر. وحدث بالمعتضد حدث الموت وبدر بفارس، فعقد للمكتفي عقد الخلافة وبايع له وهو بالرقة لما كان بين المكتفي وبين بدر من التباعد في حياة والده. . . فقدم بغداد المكتفي وبدر بفارس؛ فلما قدمها عمل القاسم في هلاك بدر. . .)(1)
قال المسعودي: (. . . فلما امتنع عليه أحضر أبا عمر محمد ابن يوسف القاضي فأرسل به إلى بدر في شذاه (قلنا: الشذاء والشذاة والشذاوة؛ تجمع على الشذاءات والشذوات: ضرب من السفن النهرية الصغيرة في العصر العباسي) فأعطاه الأمان والعهود والمواثيق عن المكتفي، وضمن له إنه لا يسلمه عن يده إلا عن رؤية أمير المؤمنين؛ فخلى عسكره وجلس معه في الشذاء مصعدين، فلما انتهوا إلى ناحية المدائن والسيب تلقاه جماعة من الخدم، فأحاطوا بالشذاء، وتنحى أبو عمر إلى طيار فركب فيه، وقرب بدر إلى الشط وسألهم أن يصلي ركعتين وذلك في يوم الجمعة لست خلون من (شهر) رمضان سنة تسع وثمانين ومائتين وقت الزوال من ذلك اليوم؛ فأمهلوه للصلاة. فلما كان في الركعة الثانية قطعت عنقه وأخذ رأسه فحمل إلى المكتفي. فلما
وضع الرأس بين يدي المكتفي سجد وقال: الآن ذقت طعم الحياة ولذة الخلافة. . .)(1)
وزاد الطبري على ذلك قوله: (. . . وورد الخبر على المكتفي بما كان من قتل بدر. . . فرحل منصرفاً إلى مدينة السلام، ورحل معه من كان معه من الجند، وجيء برأس بدر إليه ؛ فوصل إليه قبل ارتحاله من موضع معسكره، فأمر به فنظف ورفع في الخزانة)(2)
(ح) رأس الوزير الحسين بن القاسم بن عبيد الابن سليمان ابن وهب. بن أبي علي بن مقلد قصة هذين الوزيرين إحدى عبر الدهر. قال ابن الطقطقي في الحسين بن القاسم إنه (لم يكن بارعاً في صناعته، ولا شكرت سيرته في وزارته، ولم تطل له المدة حتى عجز واختلت الأحوال عليه. . .، ولما ظهر للمقتدر نقصه وعجزه؛ قبض عليه وصادره، ثم بقى إلى أيام الراضي وأبعد عن العراق. فلما تولى ابن مقلة الوزارة؛ تقدم بقتله؛ وأرسل إليه من قطع رأسه، وحمل رأسه إلى دار الخلافة في سفط(3)، فجعل السفط في الخزانة، وكانت
لهم عادة بمثل ذلك. فحدث إنه لما وقعت الفتنة ببغداد في أيام المتقي؛ أخرج من الخزانة سفط فيه يد مقطوعة ورأس مقطوع؛ وعلى اليد رقعة ملصقة عليها مكتوب؛ هذه اليد يد أبي علي بن مقلة، وهذا الرأس راس الحسين بن القاسم، وهذه اليد هي التي وقعت بقطع هذا الرأس. فعجب الناس من ذلك)(1)
٢ - حمل الرءوس إلى بغداد
كان حمل رءوس العصاة، والخارجين على الدولة، والفارين من وجه العدالة، ومن جرى مجراهم؛ إلى دار الخلافة العباسية ببغداد، أصدق شاهد على الفوز والانتصار، وكان هذا الأمر من الرسوم الجارية في تلك الأيام، فكانت بغداد تستقبل هذه الرؤوس بين حين واخر، فتدخلها مشهرة، ثم يؤتى بها فتوضع بين يدي الخليفة ليشاهدها هو ورجال دولته، وفي ذلك أمر يبتغيه الخليفة. ثم إنها تنصب على المواطن البارزة من البلد كالجسور، وأبواب دار الخلافة؛ ليشاهدها كافة الناس فيعتبرون بها ومن ثمة تستقر في خزانة الرءوس.
(ا) رأس خارجي ظهر ببلاد الحبشة كان رأس هذا الخارجي من أوائل الرءوس التي حملت إلى بغداد، فقد ذكر المقريزي أن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب ابن أبي صفرة حج (في سنة سبع وأربعين (ومائة) ، واستخلف عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج صاحب شرطته، وبعث جيشاً لغزو الحبشة من أجل خارجي ظهر هناك؛ فظفر به الجيش وقدم رأسه في عدة رءوس فحملت إلى بغداد. . .)(2)
(ب) رأس أبي الليث الحارث بن عبد العزيز بن أبي دلف انفرد أبو الليث بذبح نفسه بيده، دون قصد أو تعمد فقد جاء في جملة حوادث سنة٢٨٤هـ أن فيها (ورد الخبر بقتل أبي الليث الحارث بن عبد العزيز بن أبي دلف بسيفه لنفسه في الحرب، وذلك أن سيفه كان على عاتقه مشهراً فكبا به فرسه فذبحه سيفه، فأخذ عيسى النوشري رأسه وأنفذه إلى بغداد)(1)
(يتبع)

