الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 394الرجوع إلى "الثقافة"

٣ - دمشق القديمة

Share

صلاح الدين المنجد أديب معروف لدى قراء " الثقافة " بما ينشر فيها من الفينة والقهنة ، وبما يصطاد لهم من بلاد الشام حينا بعد حين ، وهو أديب منتج أخرج للناس في مدة وجيزة بضعة مؤلفات ، نعقد اليوم هذا الفصل لنقد كتاب من أحدث كتبه عنوانه " دمشق القديمة - أسوارها ، أبراجها ، أبوابها " أخرجته له مطبعة الترقى بدمشق على نفقة الحكومة السورية

وذلك لأن المكتبة العربية كما يؤكد الأستاذ ( خالية من الكتب التي تبحث في آثار سورية ، بحثا يجمع بين التاريخ والفن ) ولما ينقل إليها شئ مما كتب باللغات الأجنبية في هذا الموضوع قبل كتابه هذا .

لا شك أن كتاب " دمشق القديمة " يحوي شيئا من التاريخ والفن ، كما يقول مؤلفه الأديب ، ولكن الفن على ما يبدو لمن يقراء . طغى على التاريخ ، واقتصر على ناحية الإخراج لأن صفحات الكتاب تعد ( ٦٤)  منها ( ١٤ ) بيضاء ، وفي ( ٢٥ ) منهما رسوم ومصورات ، واثنتان عددت فيهما المصادر المخطوطة والطبوعة من عربية وفرنسية وانكليزية وألمانية ، ومقدمة الكتاب استنقدت صفحة منه ، وفى الصفحات الاثنين والعشرين الباقيات نثرت الأسطر والعناوين نثرا فنيا شائقا ، وربع هذه الأسطر ، على وجه التأكيد ، نصوص منقولة من الآثار الترجمة في الكتاب .

ومما لا شك فيه أيضا ، أن كتاب الأستاذ المنجد يعطي قارئه فكرة موجزة عن دمشق القديمة ، قد تغني من لايود الرجوع إلى الكتب المطولة ، ولكنه يحوي مسائل تلفت النظر منها : أن بابا من أبواب دمشق يعرف اليوم " باب السلام " غير أن اسمه ورد في بعض كتب التاريخ " باب السلامة " ويظهر أن الأستاذ أراد إحياء الاسم

القديم ، فذكر في ستة مواضع من كتابه لفظة " السلامة " دون أن يشير إلى مصدرها فى كتب التاريخ القديمة ، وهو لم يقف عند هذا النقص ، بل ذكر لفظة " السلام " في سبعة مواضع أخرى . ومن أغرب الغرائب أن في الكتاب صفحتين متقابلتين ، في الأول تخطيط للباب كتب تحته " باب السلام " وفي الثانية رسم له كتب تحته " باب السلامة " وهذا مما يتنافى ومنطق التأريخ وجمال الفن .

ويذكر الأستاذ فى أكثر من موضع أن كنائس النصارى جعلت مساجد المسلمين ، وذكر مثل هذا الكلام دون بيان مصدره التاريخي أو التحقق من صحته علميا بعد أن ثار جدل كبير بين المؤرخين في إثباته ونفيه

وعند ما قدم الأستاذ كتابه نعته " بالبحث المبسط " وهو يصف بالعمل أحد الأبراح بستة أسطر ، ولكنا نجد سطرا نمها ينص على : " ويسكنه الأن نجار يدعى السيد ابو فواد التوتون ، وأنا لست أدري ما علاقة سكنى السيد أبو فواد ( النجار ! ) ببحث مبسط ؟ ! إن كان للمذكور قصة تستحق التأريخ أفلم يكن من الواجب أن يشير الأستاذ إليها ؟ وإلا فأكثر الآثار التى وضع الكتاب من أجلها عليها حقوق ارتفاق لم يذكر لنا الأستاذ حقا واحدا منها سوى منفعة " السيد أبو فواد التوتون ! " من سكنى برج الصالح أيوب ! كما أن المؤلف لا يشرح لقارئيه معنى لفظة " باشورة " وهى لفظة غير معروفة فى بلاد الشام بمعنى "السوق " ( ١ ) إلا بعد ورودها بضع مرات ، مما يضايق القارئ الذى ينشد المعلومات " المبسطة " !

ويعرض الأستاذ فى كتابه بمهندس فرنسى هدم مئذنة دون أن يناقش الأسباب التى استند إليها ذلك المهندس وبين لنا خطئها ، كما يقتضى البحث العلمى النزيه ، ودون أن يؤكد الناس أن المئذنة ذات قيمة تاريخية ، تجب إعادتها من جديد من قبل دار الأثار المسئولة عن ذلك

ومما يستحق التعرض له في نقد هذا الكتاب ، ما أشار إليه الأمير جعفر الحسني مدير المتحف السورى السابق في مجلة المجمع العلمي العربي ، فقد جاءت في الكتاب هذه الجملة ( المصححة ) . . إن السيل حمل برجا صحيحا ومعه في جانبيه مدينتين ! " ويظهر أن الأستاذ المنجد عندما نقل هذا النص من المؤلفات الأجنبية توهم أن المئذنة هى مدينة ، لأن المؤلف الأجنبي دونها بحروف لغته كما ينطقها العامة عندنا غير مهموزة وبدال مهملة !

إن هذا النقد لا يؤثر على إعجابنا بإنتاج الأستاذ المنجد وأدبه ، آملين أن تكون مؤلفاته المقبلة فيها كل التاريخ وكل الفن ، وكل المتعة

اشترك في نشرتنا البريدية