لجأ رجال التربية إلى الطريقة الطبيعية السيكولوجيه يبحثون عن خلالها الطريقة العملية التى يمكن اقتباسها لإدخالها في المدرسة الحالية
اقد زودت الطبيعة الإنسان بغرائزه ففرضت عليه أن يتعلم حواء أراد أم لم يرد ... أفلا تكون قد زودته في نفس الوقت بالطريقة العملية التي نحن بصدد البحث عنها وعن مميزاتها ؟ قد نجدها لدى الإنسان حين يستجيب الغرائزه . ولكن الإنسان الحالى للتحضر يتحكم في تسيير سلوكه مراعيا في ذلك تقاليد المجتمع الحالى فلا يسمح لغرائزه بالظهور في شكلها الطبيعي إلا بمقدار ما اصطلح المجتمع على السماح به
ولذلك يجب علينا أن لا نبحث عن الطريقة الطبيعية للتعلم لدى هذا الإنسان المتحضر المتكاف؛ والذي يظهر غير ما يبطن ويعمل غير ما يشتهى. وإنما يجب علينا أن نبحث عنها لدى الإنسان البدائي الذي يعيش على الفطرة أو لدى الطفل الناشئ الذي ينطاق على سجيته ولا يعبأ من حوله من الناس . ولو نظرنا إلى الطريقة الطبيعية التي يتعلم بها الإنسان البدائي أو الطفل
الناشي لوجدنا أنها طريقة عادية جدا ؛ طريقة طبيعية تتمنى مع الطريقة السيكولوجية . يتعلم الطفل في منزله كل شي ، يتعلم الكلام ويتعلم المشى ولكن كيف ؟ الم يطلب إليه والده أن نهيا ليأخذ درسا في الكلام أو في كيفية الأكل وهلم جرا كما تفعل مدارسنا الحالية ؛ ولكنه اقتبس ذلك كله دون أن تشعر الأسرة بكيفية تعلمه . هو يتعلم عن طريق غير مباشر ، من طريق حياته في الأسرة وعن طريق تفاعله معها . هو في حاجة أمه دائما لأن لديها الثدى مصدر غذائه . فإذا ابتعدت عنه أمه لتقضى عملا ما ، شعر بحاجته الماسة إلى ندائها . قد يلجأ إلى البكاء ولكن البكاء قد يؤدى إلى مجى الأخ أو الأخت أو الوالد فهل يجد بنيته عندهم ؟ اكلا هو يريد أمه بالذات دون غيرها . وعلى ذلك فهو مضطر إلى ندائها . وهكذا ينطق كلمة ( ماما » أو هكذا يتعلم الطفل كيف يتكلم . مشكلة تثور في وجهه ؟ مشكلة حيوية بالنسبة له تضطره إلى التفكير في حلها والتقاب عليها . ويشعر الطفل أثناء ذلك بقيمة ما يتعلمه فلا عجب إذا رأينا سلوكه خلال ذلك سلوكا تلقائيا . فهو ينطق بمحض رغبته ويتعلم بمحض إرادته ، ثم سرعان ما يجده يستعمل ذلك العلم - الذي كان فرضا فى أول الأمر - وسيلة لتحقيق أغراض حيوية أخرى ترتبط به. فكلمة ماما سرعان ما تجر معها غيرها من الكامات : عاوز ماما ، وهكذا
هذه هي الطريقة العملية للتعلم داخل الأسرة، وهي نفسها الطريقة الموجودة لدى الإنسان البدائي ولدى الطبقات التي ما زالت حتى اليوم تعيش على الفطرة . يصبح الابن فيشاهد والده متوجها إلى الحقل فيسأل : لماذا ؟ ويذهب مع والده فيراه وهو يزرعه . ينظر إليه أولا ثم سرعان ما يشترك شيئا فشيئا في حراسة المواشى وإطعامها أو في السير خلف المحراث ، وهكذا يشترك اشتراكا عمليا في الزراعة فيتعلمها لأن عليها تتوقف حياته وحياة أسرته . لقد امتص واشتق جميع ما يلزمه من معلومات حتى أصبح في النهاية فلاحا أصيلا مع أنه لم يتلق أى درس في أصول الزراعة
هذه هي الطريقة الطبيعية العملية السيكولوجية التي يمكن أن نلاحظ عليها الميزات الآنية :
١ - إن المتعلم يبدأ فيها كنتيجة لاعتراض مشكلة ما سبيل التعلم ، وإن مدى استجابته لها يتوقف على مدى حيويتها بالنسبة إليه
٢ - إن نزوع المتعلم إلى حل المشكلة نزوع تلقائي نابع من ذات نفسه وغير مفروض عليه عن الخارج
- إن ظاهرة التغير - لا الجمود - هي التي تلازم سلوك المتعلم ، وإن المتعلم هو الذى يسيطر على تغيير سلوكه حتى يصل إلى تحقيق هدفه النهائي
4- حيوية المادة التعليمية وثبوتها وعدم قابليتها للنسيان وكيف يمكن أن تنسى وقد أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياة الإنسان
5- ان التعليم ليس هدفا في حدذاته، وإنما هو فرض يتحول إلى وسيلة ترى إلى تحقيق هدف جديد ... يغدو بدوره وسيلة أخرى تفتح أمام الإنسان آفاقا جديدة وهكذا تظل المعلومات مستعملة باستمرار فتظل لذلك دائما أبدا خيرة حية نابضة في القلوب والأذهان
٦ - إن ظاهرة النمو والاستمرار في التعلم صفة أساسية في الشخص الذى يتعلم بهذه الطريقة لن ينقطع تعلمه ما دام يحيا ويميش وسيظل يطلب العلم من المهد إلى اللحد
7- إن الناحية المعملية تغلب على هذه الطريقة . فالطفل داخل الأسرة كالإنسان البدائى فى الغابة وكالفلاح في الحقل يعتمد على الناحية العملية في تعلمه إلى كبير
لقد تعلم الطفل النطق لينادى أمه وقد استجابت لندائه فا نحلت المشكلة ... ولكن ماذا يفعل إذا ناداها فلم تلب النداء ؟! هذه مشكلة جديدة تستدعى منه التفكير والعمل على حلها . قد يحاول اللعاب إليها بنفسه سميا على أربع ... ولكن المشي أفضل لأنه أسرع فليتعلمه هو الآخر . وهو في كل هذه الأحوال يتعلم بطريقة عملية ؛ يقع حينا ويسير حينا آخر . إن الطريقة الطبيعية ذات مظهر عملى يتجلى بوضوح في ممارسة المتعلم بنفسه لما يتعلمه
8- إن هذه الطريقة تتمشى مع الطريقة السيكولوجية بمعنى أنها تستند إلى فرائز الإنسان . فنداء الطفل لأمه مصدره
حافز غريزي هو البحث عن الطعام
۹ - إن هناك عائلا و تشابها بين هذه الطريقة وبين الطريقة العلمية الحديثة ؛ تلك التي وصل إليها علماء العلوم التجريبية مثل علماء الطبيعة أو الكيمياء ، والتى تعتبر في الحقيقة سر ازدهار و تقدم هذه العلوم بل وسيطرتها على توجيه دفة الحضارة الإنسانية في العالم بأسره . تلك الطريقة التى لا تؤمن إلا بالتجارب لأنها سبيل التأكد من صحة الفروض . ولو نظرنا إلى موقف الطفل أثناء تعلمه لوجدناه يشبه في طريقة تعلمه إلى حد كبير جدا عالم الطبيعة أو الكيمياء أثناء تجاربه داخل معمله . ينادى الطفل أمه فتستجيب إليه أحيانا ولكنها أحيانا لا تستجيب . عند ذلك يجرب طريقة أخرى غير النداء ... يلجأ إلى الحبو ولكن الحبو بطى" . عند ذلك يلجأ إلى المشي .. وهكذا يستمر في تعلمه ؟ يجرب هذه الطريقة ثم يتركها إلى غيرها وهكذا . وهو في أثناء تجريبه يحذف الخطأ فلا يتقيد به ويحتفظ بالصواب ويستمك مادام يحقق أغراضه في الحياة . و كذلك شأن العالم في معمله بين الغازات والمساحيق وبين الأوانى والمخابير . يختبر خواص الأكسجين مثلا فيعرف أنه يساعد على الاحتراق - قد يجرب اكتشاف صفات أخرى فإذا لم يجد احتفظ بهذه الصفة المتميزة . ولكن لا يقف عند تحقيق غرضه واكتشافه ... بل يتخذ من هذا الاكتشاف وسيلة إلى تحقيق أغراض أخرى وقد نجح فعلا في استخدام الأكسجين في عمليات اللحام وفي سهر المعادن وما لنا نذهب بعيدا وقد كان تحطيم الذرة فرضا يتجه إليه العلماء مأصبح الآن وسيلة إلى استخدامها في التدبير كما تقول الجهود الآن لاستخدامها كوسيلة من وسائل البناء والتعمير
الا يحق لنا بعد توضيح هذا التماثل والتشابه بين الطريقتين الطبيعية والعلمية أن نقول إن الطريقة التي يتعلم بها الطفل أو الإنسان البدائي هي طريقة علمية أيضا ؟ !
لقد وضحنا مميزات الطريقة الطبيعية التي يتعلم بها الطفل داخل الأسرة ، ولكننا لم نوضح بعد موقف ولى الأمر في الأمرة من الطفل خلال تعليمه ، وكيف يكون ؟ فإن ذلك بالنسبة لنا كريين من الأهمية بمكان حتى نستنتج حدود رساله المربي كما يجب أن تكون
أما موقف الأم من ابنها فهو تمهيد السبيل أمامه حتى يستطيع السير فيها . تسدد محاولاته بإرشاده و تصحيح كلامه . تصحيح خطواته هو ، وإرشاده إلى مواضع الخطأ في كلامه هو . هي لا تفرض عليه كلاما معينا أو السير وفق خطوات مرسومة تصحيح كلماته وجمله حتى تساعده على التعبير عما يجول بذهنه هو من رغبات وآراء قد تبدو مضحكة بالنسبة لنا ولكنها حيوية بالنسبة إليه . وتقف الأم نفس الموقف من طفلها حين يتعلم الشي محوطه بعنايتها وتقيه ما قد يتعرض له من أخطار . تترك له الحرية في المشي ، ولكن بعيدا عن أماكن السقوط . تأخذ أولا بيديه تم بإحدى يديه ، ثم تتركه ولكن وهي أقرب ما تكون إليه حتى إذا اختل نوازته استند إلى صدرها الحنون
موقف الأم ، هو موقف المعهد المعبد المذال للعقبات لا موقف المتحكم المسيطر المتربص للزلات
هذا هو الموقف الذى يجب أن يقفه المربى ممن يتعلم على يديه. وقد شبه بعض العلماء تعهد المربي لتلميذه وهو يتعلم ، كتعهد الزارع لنباته حين ينمو ، وشبهوا هو التعليم في هذه الحالة بنمو النبات . تنمو الشجرة منذ أن كانت بذرة في باطن الأرض إلى أن تذبل وتموت . كذلك يجب أن يشبه التعليم النبات في نموه ؟ فيستمر من المهد إلى اللحد، والنمو في النبات: نمو تلقائي . تنمو الشجرة من تلقاء نفسها وبنفسها ، ولا يستطيع الزارع إصدار الأوامر إليها بالنمو سريعاً أو بطيئاً ، وكذلك يجب أن يكون نمو المتعلم تلقائيا أيضا
ولا يترك النبات مع ذلك هكذا دون عنابة؛ بل إن الزارع يحوطه بعنايته دائما و يلازمه خلال أطوار نمو. ، وهكذا يجب أن لا نترك المتعلم لنفسه
والنمو في النبات عملية مشتركة بين الزارع وبين النبات ... و كذلك يجب أن يكون التعليم عملية نمو متواصل مشترك بين العلم والمتعلم
ويشبه موقف الزارع من النبات الموقف الذي يجدر بالمربى أن ... يقفه فالزارع لا يترك نباته حرا ينجو كما يشاء ، وإلا اموج عوده ، وما استقام له ظل قط. كما أنه لا يتركه بمفرده ليقاوم آنات الزراعة من ديدان وحشرات ، وإلا كان معنى ذلك أنه يتركه
ليموت . وكذلك لا يجدر بالمربى أن يترك تلميذه هكذا حرا يفصل ما يشاء ، ولكن ليس معنى ذلك أيضا أن يقيد حريته ليتحكم فيه ويستعبده ، وهل يتحكم الزارع في النبات فيطلب من بذور الجرجير أن تنتج تفاحا ، أو يأمر القمح بالنمو مربما حتى يحصده بعد شهر ، بينما هو يحتاج إلى شهور ١٢ كلا ، ولكنه يرعى نياته ويقف منه في نموه موقف المدافع عنه ضد كل ما يسوق سير هذا النمو المتصل . يلتقط الديدان ويحرقها ، ويجلب السياد ، ويمنح نباته الماء ولكن عقدار ، وفى ميماد معين بالذات . وكذلك المربى سواء كان ولى أمر أم غيره، يجب ألا يصدر الأوامر إلى ابنه بأن يصبح طبيبا أو مهندسا ، وألا يجيره على تعلم ما لا يريد، وأن لا يحرمه من تعلم ما يريد . وإنما يجب على المربى أن يقدم المتعلم ما يطلبه بنفسه من زاد على ، وأن يزيل من طريقه العقبات حتي يستمر فى تعلمه وإشباع ميوله ورغباته ... وهذا يضطر المربى إلى التفكير فيها يجب تقديمه للمتعلم ، فيعمل هو الآخر ويشترك ... وتسير عملية التعلم سيرها الطبيعي: نمو مشترك وعمل متواصل من جانب المتعلم والمعلم ، وكما أن النمو هو دليل الحياة في النبات. فهو كذلك دليل على حياة المتعلم أيضا
للكلام صله

