المجموعة الحامية النيلية
البادي
يسكن جنوبي منطقة الدنكا أي (في أعالي بحر الجبل) عدة قبائل تتكلم اللهجة البادية نسبة إلى شعب البادي، وبهم بعض الشبه من شعب الدنكا، ولابد أنه حصل اختلاط في المنطقة التي يسهل أن يحتك فيها الدنكا بالقبائل البادية خصوصاً في المجموعة المسماة الشير، ومع ذلك فهم ليسوا زنوجاً نيليين، وهم وإن كانوا ثقافة ولغة وجنساً يتبعون النصف حاميين في شرق أفريقيا لتغلب العنصر الحامي في تكوينهم إلا أنهم يعتبرون ضمن مجموعة قائمة بنفسها وهي، (المجموعة الحامية النيلية) . ويمكن تمييز نوعين من الجماعات التي تتكلم اللهجة البادية: جماعة شرقي بحر الجبل، وجماعة غربة. والمجموعة الشرقية تنقسم إلى عدة قبائل، ويظهر أنهم كانوا يتبعون النظام الطوطمي لوجود بقاياه في بعض القبائل، إذ يعتقدون بانتقال روح الميت إلى حيوان مخصوص عندهم.
والرجل الذي يقوم بعملية استنزال المطر هو رئيس القبيلة، ومركزه يختلف عن مركز الرئيسالروحاني عند الزنوج النيليين، فإذا أخفق في استنزال المطر فانه يذبح في الحال، ويدور البحث عن غيره ليحل محله. كذلك يوجد عدة رؤساء يطلق على كل منهم اسم (صاحب الأرض أو الأب) ، وهو اسم يعطى لكل من جهز قطعة أرض وزرعها، وكذلك يمنح هذا الاسم لخلفة؛ وينحصر عمل هذا الرئيس في القيام ببعض التعاويذ والسحر عند بذر الحبوب وأثناء نمو النبات وقبل عملية الصيد؛ ولهذا الرئيس مقام محترم بين البادي إذ بدونه يفشل الصيد والزرع. وحفلة استنزال المطر تعتبر من المظاهر الممتازة بين البادي؛ وتجري هذه الحفلة على النحو الآتي: يحضر الرئيس قطعاً من حجر الكوارتز بعضها ابيض اللون والبعض الآخر أخضره، ثم يضعها في إناء، وبعد غسلها يضعها على صخر كبير يسمى صخر المطر وهو بقايا آلة قديمة لطحن الحبوب ,
ثم يلطخ الحجر بزيت السمسم، ثم يذبح عنز أسود بجوار هذا الحجر، ويأكل الرئيس ومساعدوه وبعض الشيوخ من لحمه، ثم تؤخذ بقايا الغذاء الذي في معدة العنز وتوضع أيضاً على هذا الحجر، ثم يأتي المطر بعد ذلك. وكثيراً ما تجري هذه الحفلة بجوار مقبرة شيخ مطر قديم أو بعض الأماكن المقدسة التي تنتمي إليه.
اللوتوكو
ولهجة اللوتوكو تتكلمها القبائل الآتية: (١) اللوتوكو (٢) الكويَا (٣) اللنجو. ويلاحظ في هذه القبائل الثلاث أن الرأس طويل، أما القامة فقامة اللوتوكو أطول منها في القبائل الأخرى بمقدار بوصتين. وهم ينقسمون إلى قبائل طوطمية، وأهم مظهر للطوطمية عندهم هو أن كل فرد بعد موته تنتقل روحه إلى الحيوان الذي تقدسه القبيلة؛ فهناك قبيلة تقدس التمساح، وأخرى تقدس القرد، وثالثة تقدس الفيل، ورابعة تقدس النمل الأبيض، وخامسة تقدس الثعبان وهلم جرا؛ وأقوى هذه القبائل هي التي تقدس التمساح، ومنها ينتخب الرؤساء الذين يقومون بحفلة استنزال المطر، ويستعملون في هذه الحفلات حجر المطر السابق ذكره كذلك يستعملون بعض الحراب المقدسة كمساعد، والمياه التي توضع فيها هذه الحراب تحضر من بركة مقدسة يعيش فيها التماسيح التي تنتقل إليها أرواح أجدادهم رؤساء المطر. ومن عاداتهم إخراج عظام الميت بعد دفنه بثلاثة أشهر، وأحياناً من ثلاثة إلى ستة عند اللوتوكو، ويعتقدون أن في ذلك سعادتهم ورفعتهم. كذلك عند موت الميت يسرعون إلى دفنه، ثم بعد ذلك يقيمون له تذكاراً ينوب عن الميت حيث يقيمون له المراسم الجنائزية المختلفة.
المجموعة الزنجية
الأزندي
رؤوسهم متوسطة، وقاماتهم أقصر من قامة الزنوج النيليين، ولونهم أفتح من لونهم، إذ يختلف ما بين لون (الشكلاته) ، ولون بشرة سكان البحر الأبيض المتوسط. وبعض العلماء يعلل ذلك باختلاطهم مع البربر والحامي، وربما كان هذا الاختلاط مع جماعة الفولاني. ويمكن اعتبار الأزندي من زنوج غرب افريقا، إذ تظهر عليهم جميع المميزات التي تميز زنوج غرب أفريقيا
من غيرهم. ومن الصعب التفرقة بين رجل من الأزندي وآخر من سكان أفريقيا الاستوائية الفرنسية أو نيجريا. كما أن لغة الأزندي خالية من الأثر الحامي، على حين أنه توجد بها آثار من لغة البانتو، وهذا ينعدم وجوده في لغة الزنوج النيليين السابق الكلام عليهم. والأزندي من جهة الثقافة يتبعون غرب أفريقيا بعكس الزنوج النيليين الذين يتبعون في ثقافتهم شرق أفريقيا. وهذا يتضح تماماً من نظام بناء كوخ الأزندي ومساكنهم وآلاتهم الحربية والموسيقية مثلا.
والأزندي عبارة عن عدة قبائل ولهم حكومة مركزية عليا وهم ينقسمون إلى ولايات مستقلة عن بعضها، وهي في حرب دائمة مع جيرانها، ولكنها جميعها تخضع لملك واحد من أسرة أرستقراطية مالكة ينتخب دائماً منها الملوك، وهذه العائلة المالكة تسمى (الافنجارا) ومنها ينتخب أيضاً رؤساء الإدارة والحكومة الذين يساعدون الملك، والملك هو الذي ينتخبهم ويوزع عليهم العمل. والملك وهؤلاء الرؤساء لا يشتركون في الحروب ويتلخص النظام الإداري فيما يأتي: ١ - الملك وهو الرئيس العام ويحكم في العاصمة وهو المرجع الأعلى ويحرم عليه أن يدخل الحرب بنفسه. ٢ - مقاطعات أو مديريات يديرها أبناء الملك أو أخوته أو غيرهم من العائلة المالكة، وكل من هؤلاء مطلق السلطة إلا أنهم مسئولون أمام الملك مباشرة عن حفظ الأمن والعدل كما إن عليهم واجبات نحو الملك؛ مثلا إذا أراد الملك عملا لبناء منازله أو جنداً للحرب فعلى هؤلاء المديرين أن يقوموا بجميع العدد اللازم حسب طلب الملك، وهؤلاء المديرون لا يدخلون الحرب. ٣ - تنقسم كل من هذه المديريات إلى عدة أحياء أو مناطق على كل منها نائب أو وكيل، وهذا النائب يباشر الأمور المختصة بالعدل بواسطة عقد مجلس يكون هو عضوا فيه يساعده الرجال المعترف بكفاءتهم في حيه أو منطقته. فإذا ظهر نزاع بين فردين وجب أن تعرض المسألة على نائب الحي أولا، فأن كان موضوع النزاع بسيطاً حله النائب، ولكن إذا كانت المسألة معقدة مهمة فان النائب يحولها مباشرة إلى المدير الذي يحكم المديرية، وهو طبعا أحد أفراد العائلة المالكة؛ ولا يمكن عمل استئناف من المدير إلى الملك، لأن المدير مستقل بشؤون مديريته. فإذا أراد الملك أن يعلن حرباً أو يقوم بعمل اقتصادي
مهم فانه يرسل في الحال إلى المديرين يخبرهم بالعدد اللازم، وعند ذلك يقوم كل مدير بعقد مجلس برياسته يدعو إليه جميع النواب الذين يحكمون الأحياء التي تنقسم إليها مديريته، ويشاورهم في العدد الذي يمكن أن يقدمه كل منهم؛ وهؤلاء النواب يقومون بعد ذلك بجمع العدد اللازم من كل منهم بواسطة قرع الطبول. وبذلك يمكن إرسال العدد المطلوب من العمال والجنود إلى الملك. والملك نفسه يدير مقاطعة في وسط بلاده وهي بمثابة العاصمة وضواحيها، ولكنه يستعين بالمديرين في المسائل القومية المهمة. (بقية في العدد القادم)

