ولم يلبث أن رجع أبو عثمان فى هذه المرة وكأنه لم يكن عند رئيس التحرير فى عمل وأدائه ، بل كان عند رئيس الشرطة فى جناية وعقابها . فظهر منقلب السحنة انقلابا دميما , شوه تشو بها وزاد فيه زيادات ... ورايته بمطرط الوجه مطا شنيعا ، بدأت فيه عيناه الجاحظتان كأنهما غير مستقرتين فى وجهه ، بل معلقتان على جبهته...
وجعل يضرب إحدى يديه بالاخرى ويقول : هذا باب على حدة فىالامتحان والبلوى , ومافيه إلا المئونة العظيمة والمشقة الشديدة ! والعمل فى هذه الصحافة إنما هو امتحانك بالصبر على اثنين : على ضميرك , وعلى رئيس التحرير " وسأل بعض أصحابنا أبا لقمان المرور عن الجزء الذى لا يتجزأ ماهو ؟ فقال : الجزء الذي لا يتجزأ علي بن أبي طالب عليه السلام ... فقال له أبو العيناء محمد :أفليس فى الأرض جزء لا يتجزأ غيره ؟ قال : بلى . حمزة جزء لا يتجزأ .. قال : فما تقول فى أبى بكر وعمر : قال : أبو بكر يتجزأ . قال : فما تقول فى عثمان ؟ قال : يتجزأ مرتين , والزبير يتجزأ مرتين ... قال : فاي شىء تقول فى معاوية ؟ قال : لا يتجزأ
فقد فكرنا فى تأويل أبى لقمان حين جعل الآنام اجزاء لا يتجزأ إلى أى شىء ذهب ؟ فلم نقع عليه إلا أن يكون ابو لقمان كان إذا سمع المتكلمين يذكرون الجزء الذى لا يتجزأ , هاله ذلك وكبر في صدره وتوهم انه الباب الاكبر من علم الفلسفة , وأن الشيء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذى لا يتجزأ ,(١)
قلت : ورجع بنا القول الى رئيس التحرير . فضحك حتى اسفر وجهه ثم قال : إن رئيس التحرير قد تلقى الساعة امرا بان الجزء الذي لا يتجزأ اليوم هو فلان وان فلانا الآخر يتجزا مرتين ... وان المعنى الذي ينتمي عليه رأى الصحيفة
فى هذا النهار هو شأن كذا في عمل كذا ؛ وأن هذا الخبر يجب ان يصور في صيغة تلائم جموع الشعب فتجعله كالخبز الذى يطعمه كل الناس وتثير له شهوة فى النفوس كشبوة الأكل , وطبيعة كطبيعة الهضم ... وقد رى إلى رئيس التحرير بحملة الخبر ؛ وعلى أنا بعد ذلك أن أضرم النار وأن أجعل التراب دقيقا ابيض يعجن ويخبز ويؤكل ويسوغ فى الحلق وتستمرئه المعدة ويسرى فى العروق
وإذا انا كتبت فى هذا احتجت من الترقيع والتمويه , ومن التدليس والتغليط , ومن الخب والمكر , ومن الكذب والبهتان - إلى مثل ما يحتاج إليه الزنديق والدهرئ والمعطل فى إقامة البرهانات على صحة مذهب عرف الناس جميعا انه فاسد '' بالضرورة إذ كان معلوما من الدين بالضرورة أنه فاسد . وأين ترى إلا فى تلك النحل وفى هذه الصحافة أن ينكر المتكلم وهو عارف أنه منكر , وأن يحتري وهو موقن أنه بجترئ , ويكابر وهو واثق أنه يكابر ؟ فقد ظهر تقدير من تقدير , وعمل من عمل , ومذهب من مذهب ؛ والاقة انهم لايستعملون فى الإقناع والجدل والمغالطة إلا الحقائق المؤكدة يأخذونها إذا وجدت ويصنعونها إن لم توجد , إذ كان التأثير لا يتم إلا يجعل القارئ كالحالم يملكه الفكر ولا يملك هو منه شيئا ،ويلقى اليه ولا يمتنع ، ويعطى ولا يرد على من أعطاه
قلت : ولكن ما هو الخبر الذي أرادوك على ان تجعل من ترابه دقيقا أبيض ؟
قال : هو بعينه ذلك الشأن الذى كتبت فيه لهذه الصحيفة نفسها ,أنقضه وأسفهه وأرد عليه وكان يومئذ جزءا يتجزأ ... فإن صنعت اليوم بلاغاتى فى تأييده وتزيينه والإشادة به ، ولم يكن هذا كاسرا لى , ولا حائلا بينى وبين ذات نفسى - فلا أقل من أن يكون الجاحظ تكذيبا للجاحظ .آه لو وضع الرديو فى غرف رؤساء التحرير ليسمع الناس ....
قلت : يا ابا عثمان . هذا كقولك : لو وضع الرديو فى غرف قواد الجيوش أو رؤساء الحكومات قال : ليس هذا من هذا فان للجيش معنى غير الحذق فى تدبير
المعاش والتكسب وجمع المال ؛ و فى أسراره أسرار قوة الأمة وعمل قوتها؛ وللحكومة دخائل سياسية لايحر كما ان فلانا ارتفع وأن فلانا انخفض , ولا تصرفها العشرة أكثر من الخمسة ؛ وفى أسرارها أسرار وجود الأمة ونظام وجودها
قال أبو عثمان : وإنما نزل بصحافتنا دون منزلتها أنها لا تجد الشعب القارئ المميز الصحيح القراءة الصحيح التمييز , ثم هي لا تريد أن تذهب أموالها فى إيجاده وتنشئته . وعمل الصحافة من الشعب عمل التيار من السفن فى تحريكها وتيسير مجراها ، غير أن المضحك أن تيارنا يذهب مع سفينة ويرجع مع سفينة .. ولو أن الصحافة العربية وجدت الشعب قارئا مدركا مميزا معتبرا مستبصرا لما رمت بنفسها على الحكومات والاحزاب عجزا وضعفا وفسولة , ولا خرجت عن النسق الطبيعى الذى وضعت له , فان الشعب تحكمه الحكومة , وإن الحكومة تحكمها الصحافة , فهى من ثم لسان الشعب ؛ وانما يقراها القارئ ليرى كلبته مكتوبة . وشعور الفرد ان له حقا فى رقابة الحكومة وأنه جزء من حركة السياسة والاجتماع هو الذى يوجب عليه أن يبتاع كل يوم صحيفة اليوم
قال أبو عثمان : فالصحافة لا تقوى إلا حيث يكون كل إنسان قارئا , وحيث يكون كل قارىء للصحيفة كأنه محرر فيها ، فهو مشارك فى الراي لانه واحد ممن يدور عليهم الراي , متتبع للحوادث لانه هو من مادتها او هي من مادته , وهو لذلك يريد من الصحيفة حكاية الوقت وتفسير الوقت , وأن تكون له كما يكون التفكير الصحيح للفكر , فيلزمها الصدق ويطلب منها القوة ويلتمس فيها الهداية ،وتأتى اليه فى مطلع كل يوم أو مغربه كما يدخل إلى داره أحد أهله الساكنين فى داره
وفي قلة القراء عندنا آفتان : أما واحدة فهي القلة التى لا تغنى شيئا ، وأما الأخرى فهم على قلتهم لا ترى أكبر شأنهم إلا عبادة ووملهوم , وزرايه اناسياخرين , وتعلق نفاق بنفاق , وتصديق كذب لكذب . وآفة ثالثة تخرج من اجتماع الاثنتين وهى ان أكثرهم لا يكونون في قراءتهم الصحيفة إلا كالنظارة اجتمعوا ويشهدوا ما يتلهون به , أو كالفراغ يلتمسون ما يقطعون به
الوقت , فهم ياخذون السياسة ماخذ من لا يشارك فيها . ويتعاطون الجد تعاطى من يلهو به , ويتلقون الأعمال بروح البطالة , والعزامم باسلوب عدم المبالاة , والمباحثة بفكرة الاهمال , والمعارضة بطبيعة الهزه والتحقير . و هم كالمصلين فى المسجد ؛ فمثل لنفسك نوعا من المصلين اذا اصطفوا وراء الامام تركوه يصل عن نفسه وعنهم وانصرفوا ...
قال أبو عثمان : بهذا ونحوه جاءت الصحف عندنا وأكثرها لاثبات له إلا فى الموضع الذي تكون فيه بين منافعه ووسائل منافعه ؟ ومن هذا ونحوه كان أقوى المادة عندنا أن تظهر الصحيفة مملوءة حكومة وسلطة وباشاوات وبيكوات ... وكان من الطبيعى ان محل الباشا والك والحوادث الحكومية التفهة لا يكون من الجريدة إلا في موضع قلب الحى من الحى .
..ثم استضحك شيخنا وقال : لقد كتبت ذات يوم مقالة اقترح فيها على الحكومة تصحيح هذه الألقاب , وذلك بوضع لقب جديد يكون هو المفسر لجميعها ويكون هو اللقب الاكبر فيها , فاذا أنعم به على إنسان كتبت الصحف هكذا : أنعمت الحكومة على فلان بلقب ( ذو مال ). ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير
فلم يلبث إلا يسيرا ثم عاد متهللا ضاحكا وقد طابت نفسه فليس له جحوظ العينين إلا بالقدر الطبيعى , وجلس إلى وهو يقول :
بيد أن رئيس التحرير لم ينشر ذلك المقال , ولم ير فيه استطرافا ولا ابتكارا ولا نكتة ولا حجة صادقة , بل قال كانك يا أبا عثمان تريد ان يا كل عدد اليوم عدد الغد , فاذا نحن زهدنا فى الالقاب واصغرنا امرها وتهكمتا وقلنا إنها افسدت معنى التقدير الانساني وتركت من لم ينلها من دوى الجاه والغنى , يرى نفسه إلى جانب من نالها كالمرأة المطلقة بجانب المتزوجة وقلنا انها من ذلك تكاد تكون وسيلة من وسائل الدفع إلى التملق والخضوع والنفاق لمن ييدهم الأمر ، أو وسيلة إلى ما هو أحط من ذلك كما كان شانها في عهد الدولة العثمانية البائدة حين كان
الوسام كالرقعة من جلد الدولة , يرقع بها الصدر الذى شقوه وانتزعوا ضميره , اذا نحن قلنا هذا وفعلنا هذا , لم نجد الشعب الذى يحكم لنا . ووجدناذوي المان والجاه والمناصب الذى يحكمون علينا , فكنا كمن يتقدم فى التهمة بغير محام إلى قاض ضعيف .
يا أبا عثمان انما هي حياة ثلاثة أشياء : الصحيفة , ثم الصحيفة ، ثم الحقيقة فالفكرة الأولى للصحيفة والفكرة الثانية هى للصحيفة أيضا . ومتى جاء الشعب الذى يقول : لا . بل هى الحقيقة , ثم الحقيقة ، ثم الصحيفة - فيومئذ لايقال فى الصحافة ما قيل لليهود فى كتاب موسى . تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ..
قلت : اراك يا أبا عثمان لم تنكر شيئا من رئيس التحرير فى هذه المرة , فشق عليك ألا تثلبه ، فغمزته بالكلام عن مرة سالفة .
قال : أما هذه المرة فانا الرئيس لا هو , وفى مثل هذا لا يكون عمك أبو عثمان من ( صعاليك الصحافة ). إن الرجل اشتبه فى كلمة : ماوجهها امرفوعة هي أم منصوبة ؟ وفى لفظة ماهي : اعربية ام مولدة ؟ وفى تعبير اعجمى ما الذي يؤديه من العربية الصحيحة ؟ وفى جملة : اهى فى نسقها أفصح أم يبدلها ؟ إن المعجم هنا لا يفيدهم شيئا إلا اذا نطق ..
ولقد ابتليت هذه الأمة فى عهدها الأخير بحب السهولة بما أثر فيها الاحتلال وسياسته وتحمله الأعباء عنها واستهدافه دونها للخطر , فشبه العامية فى لغة الصحف وفى أخبارهاوفى طريقها إنما هو صورة من سهولة تلك الحياة , وكانه تثبيت للضعف والخور , وانت خبير ان كل شىء يتحول بما تحدث له طعته عاليا او نازلا , فقد تحولت السهولة من شبه العامية إلى نصف العامية فى كتابة اكثر المجلات وفى رسائل طلبة المدارس , حتى وتبدو المقالة فى ألفاظها ومعانيها كأنها القنفذ أراد أن يحمل مأكلة صغاره ، فقرض عنقودا من العنب , ألقاه فى الأرض وأتربه ويمرغ فيه , مم مشى يحمل كل حبة مرضوضة فى عشرين إبرة من شوكة .
ثم مد أبو عثمان يده فتناول مجلة مما أمامه وقعت يده عليها
اتفاقا ،ثم دفعها إلى وقال : اقرأ ولا تجاوز عنوان كل مقالة . فقرأت هذه العناوين :
" مسئولية طبيب عن فتاة عذراء "،" مودة الراقصات الصينيات " تخر مغشيا عليها لأنهم اكتشفوا صورة حبيبها ، " هل يعتبر قبول الهدية دليلا على الحب , واذا كانت ملابس داخلية ... فهل تعتبر وعدا بالزواج """؟ هل تحق للآب ان يطالب صديق ابنته ... بتعويض اذا كانت ابنته غير شرعية ," " بين خطيتين شاب واحد "،" بعد ان قصعل زوجته اخبار السهرة ... لماذا اطلقت عليه الرصاص ","؟ عروس تأخذ ( شبكة ) من شابين تم تطردهما ", زوجة الموظف أين ذهبت " " لماذا خطفت العروس فى اليوم المحدد للزفاف ,,"؟ فى الطريق ما حب بالإكراه "،" فلانون وفلانات , زواج وطلاق , واخبار المراقص , وحوادث أماكن الدعارة الخ الخ .
فقال أبو عثمان : هذه هي حرية النشر ؛ ولئن كان هذا طبيعيا فى قانون الصحافة إنه لاثم كبير فى قانون التربية ؛ فان الأحداث والضعفاء بجدونه عند انفسهم كالتخيير بينالاخذ بالواجبوبين تركه , ولا يفهمون من جواز نشره إلا هذا ". وباب آخر من هذا الشكل فيكم أعظم حاجة إلى أن تعرفوه وتقفوا عنده , وهو ما يصنع الخبر ولاسيما اذا صادف من السامع قلة تجربة , فان قرن بين قلة التجربة وقلة التحفظ - دخل ذلك الخبر إلى مستقره من القلب دخولا سهلا , وصادف موضعا وطيئا وطبيعة قابلة ونفسا ساكنة , ومتى صادق القلب كذلك رسخ رسوخا لا حيلة وفى إزالته
ومتى التى إلى الفتيان شىء من أمور الفتيات فى وقت الغرارة وعند غلبة الطبيعة وشباب الشهوة وقلة التشاغل و... (١) ودق الجرس يدعو أبا عثمان الى رئيس التحرير...
( لها تتمة )
( طنطا )

