الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الرسالة"

٣ - فريزر ودراسة الخرافة، الزواج

Share

قد لا تكون الخرافة استولت على أية ظاهرة اجتماعية  استيلاءها على الزواج وشؤونه؛ فرفعت قدره، ودعت الناس  أليه، وحددت قيوده، ونظمت ما يحيط به من طقوس ورسوم؛  فلا يكاد المرء يفكر في أن يتزوج حتى تتسرب الخرافة مسرعة  إلى تفكيره هذا، محاولة أن تعين له الزوجة التي تليق به، وباحثة  عما إذا كان نجمها يتفق مع نجمه، وطالعها يتلاءم مع طالعه.

وكثيراً ما أحيطت حفلات العقد والزفاف برقي وتعاويذ أملتها  الخرافة وأحكمت وضعها. وبين ظهرانينا من هذه الخرافات الشيء  الكثير؛   (فالتبييته) ، وحساب الطالع، وقراءة الكف،    (وضرب الرمل) ، ترمي غالباً إلى اختيار الزوجة الصالحة والشريكة  الملائمة في الحياة الأسرية؛ وإذا ما قر رأي الشاب والشابة  على الزواج أسبغت عليهما الأحراز والتمائم التي تقيمها الساحر وضره والحاسد وشره. فتارة يكتب لهما بالألفة والمودة، وأخرى  يحصنان مما يوقع بينهما الشحناء والبغضة. ولم تتعفف الخرافة  عن التدخل في العلاقات الجنسية بين المرء وزوجه فتثيرها  وتنشطها، أو تقف في طريقها وتقضي عليها. وكلنا يعرف خرافة    (الحل والربط)  السائدة في قرانا، والتي كانت ولا تزال مصدر  رزق لجماعة السحرة والدجالين، وباب شر دائم وألم مستمر  للزوجين ومن يتصل بهما من أهل وأصدقاء. طغت الخرافة  كذلك على الأسرة المكونة فسولت لبعض الناس أنها قادرة على  أن ترد العاقر ولوداً، وتسلب أم الأولاد نسلها وتقضي عليها  بالحرمان والعقم لم يعن فريزر في كتابه   (محامي الشيطان)  بدراسة هذه

لخرافات المتعددة؛ وإنما تفرغ لإيضاح نقطة واحدة هي موضوع  كلمة اليوم. وتتلخص في أن الخرافة غرست في القلوب حب  الحياة الزوجية وتقديسها، وحملت الناس على احترام القواعد  الخلقية والقوانين الجمعية الخاصة بالعلاقات الجنسية بين العزب  والمتزوجين. ذلك أنها أثارت على الزنا والفسق حرباً شعواء  وصورتهما في أقبح صورة ممكنة، فأبعدت الناس عنهما بقدر  ما قربتهم من الحياة الأسرية المنظمة. فالزنا واللواط وكل اختلاط  جنسي غير مشروع كانت ولا تزال لدى كثير من القبائل  الهمجية من أفحش الخطايا الخلقية التي لا يقع إثمها على مرتكبيها  وذويهم فحسب، بل يتعداهم إلى الطبيعة فيقلب نظامها، وإلى  الآلهة فيثير سخطها وغضبها. وربما أدت فعلة من هذه الفعال  السيئة إلى هلاك الحرث والنسل، وموت الزرع، ويبس الضرع،  وسقوط المطر، والرعد والبرق، ونزول الصواعق التي لا تبقي ولا  تذر. ذلك أضحى الزنا وتوابعه جريمة شعبية تهدد المجتمع بأسره  وتعدو عليه في أهم عناصر حياته من غذاء وماء وأمن وعافية

يزعم سكان برمانيا من أعمال الهند الصينية أن الزنا ذو أثر  سيئ على الحاصلات المختلفة. فإذا ساء المحصول في قرية من  القرى أو انقطع عنها المطر عاماً أو عامين متتاليين اعتقد الناس أن  ذلك راجع إلى ارتكاب الفحشاء التي أغضبت الآلهة. وإذا  وقف البرمانيون على حادثة من حوادث الزنا ألزموا الجناة بشراء  خنزير صغير يكون في سكب دمه ما يغسل خطيئتهم الشنعاء؛  وقد جرت عادة المتقرب أن يبتهل إلى الله حين يقدم قربانه قائلاً:    (إله الأرض والسماء والجبال والهضاب، قد أجدبت الأرض من  أجلي، فلا تنزل عليَّ جام غضبك ونذير سخطك، وارأف بي  وارحمني. هأنذا أصلح الجبال وأسوي الهضاب وأحفر الأرض  وأشق الأنهار، فاللهم رد إلينا الحصَل المفقود، ولا تضيع علينا  أي مجهود، وأخصب أرضنا، ونم زرعنا)

ويعتقد كذلك كثير من برابرة أفريقية الغربية أن الآلهة  تعاقب بالجوع والخوف والقحط والجدب كل جماعة انتهك فيها  عرض إذا اعتدي على محرم. ويروى أنه سنة ١٨٩٨م انقطع المطر

عن هذه الجهات زمناً طويلاً، فجفت الذرة، واحترقت أوراق  البطاطس والنباتات الأخرى. فهرع الأهلون إلى قسسهم  يرجونهم أن يستكشفوا سر هذا السخط العظيم. وبعد تضرع  طويل وابتهال خالص تبين هؤلاء القسس أن آلهة السماء غاضبة على  سكان الأرض لسوء سلوكهم. فجمع كل رئيس أتباعه، وأرسل  فيهم العيون والأرصاد للبحث عن أصل هذه الجناية الكبرى. وقد  أدى البحث الدقيق إلى إثبات أن ثلاث فتيات أبحن أعراضهن  وأكلن بأثدائهن؛ وما إن همت القبائل بمعاقبتهن حتى نزل المطر  مدراراً! ويزعم كثير من متوحشي سومطرة أن الزنا مجلبة  للطاعون والأمراض المهلكة واعتداء الحيوانات المفترسة أمثال  النمر والتمساح. وعلى الجملة فمعظم القبائل الهمجية الباقية إلى  اليوم يعتقد أن كل اعتداء على العرض أو مخالفة لقوانين الزواج  مصدر عقوبات سماويةكثيرة أخصها انقطاع المطر وجفاف  الأرض ونقص الزرع

وليست هذه المعتقدات بمقصورة على القبائل المتوحشة،  بل إن لها أثراً لدى بعض الشعوب المتمدينة. فالإغريق مثلاً يؤمنون  ببعضها ويفسحون للخرافة المجال في العاقات الجنسية كما أفسحوا  لها في شؤونهم الاجتماعية الأخرى. يروي سوفوكل أن بلاد  تيبان أصيبت بالجدب والطاعون تحت حكم أوديب الملك الذي  قتل عفواً أباه وتزوج أمه. فأصبحت القرى والحقول قفراء،  وأضحى كثير من المدن خراباً يباباً. وأعلن وحي   (دلف)   أن لا سبيل لرفع هذه الطامة ورد الحياة إلى هذه الأرض الموات  إلا بطرد المجرم. وفي شرائع بني إسرائيل ما يؤذن بأن ارتكاب  الفحشاء يغير نظام الطبيعة، ويبدل سنة الله في خلقه. يقول  أيوب:   (الزنا جريمة شنعاء، وخطيئة تستوجب قصاصاً  لا مفر منه وناراً تأكل الشحم واللحم وتقضي على الحاصلات  كلها) . وفي القرن الثالث الميلادي لم تؤت الحقول الأرلندية  أكلها، فيما يزعمون، لأن أحد الملوك تزوج بأخته. وما لنا  نذهب بعيداً وكثير منا يعتقد أن مرور الزاني بحقل أو وقوفه

في بيدر يؤذي ثمره وينقص غلته ويذهب ببركته أما أخطار الزنا المباشرة وأثره السيئ في مرتكبيه أنفسهم،  فيكاد يسلم بها في مختلف الجمعيات الإنسانية. وكثيراً ما علل  فقر الرجل وفشله في صناعته أو زراعته بفجوره وفسقه. وإذا  أصاب المرء أمر أو حل به حادث، ظن الناس أن في هذا  انتقاماً منه لجرم اقترفه أو عرض انتهكه. والأمثلة في هذا الباب  كثيرة سواء لدى القبائل الهمجية أم في الأمم المتمدينة؛  وسنكتفي بعرض بعضها. فبدو روديسيا يلعنون كل امرأة  تموت أثناء وضعها، ويتهمونها بالفجور والفسق وقتل روح  بريئة لا إثم لها. وتزعم طائفة من سكان أفريقية الشرقية أن  الطفل الذي يعدو على زوج أبيه يصاب بعاهة دائمة. وتقول  طائفة أخرى إن المرأة تموت إن أتى زوجها الفاحشة أثناء حملها؛  وإذا لمس أب ابنه الصغير صبيحة ارتكابه المنكر مرض ولده  على الأثر. وحدث مرة أن مات ثلاثة أخوة في فترة قصيرة،  فاتهمت أمهم بالزنا مع رحم محرم. ويعتقد كثير من القبائل  الهمجية أن خيانة الزوجة سبب محقق لفشل الزوج في صيده  ورحلاته وحروبه؛ وربما أدى ذلك إلى موته. لهذا اعتاد كثير  من الهنود، إن خرجوا إلى الحرب، أن يجمعوا نساءهم في صعيد  واحد كي ترقب إحداهن الأخرى

فواضح إذن أن الزنا وما اتصل به، في نظر كثير من الشعوب  البائدة والحاضرة، خطر يهدد الفرد والأسرة والجماعة؛ فليس  شره مقصوراً على مرتكبيه وحدهم، بل يتعداهم إلى القبيلة جميعها  والشعب بأسره؛ هو جناية عامة وجريمة شعبية تصيب الأمة  في أموالها وأرواحها. لذلك قسا الناس في محاربته وأنزلوا بالزناة  أشد العذاب. وإذا صح أن نقيس الجريمة بما قدر لها من  قصاص، استطعنا أن نقول إن الزنا من أشنع الجرائم التي عرفها  الإنسان، إن لم يكن أشنعها. وهذه القسوة الزائدة في مطاردة  الزنا والزناة سهلة التعليل؛ فإن المسألة مسألة حياة وموت، مسألة  دفاع عن مجتمع مهدد في أعز شيء لديه، فهو مدفوع بطبيعته إلى  أن يحارب من يحاول الاعتداء عليه

ومن هنا كانت العقوبات الصارمة التي أنزلتها الأمم والشرائع  المختلفة بكل من استباح عرضاً أو جنى على عفاف امرأة. فقوانين  

(ماني)  تقضي بأن ترسل على الزانية كلاب تنهشها جهرة تحت سمع  الجمهور وبصره، وعلى الزاني بأن يوضع فوق حديدة محماة يقلى بها  قلياً. وتعاقب قوانين حامورابي الزناة بالشنق والإغراق؛  وقد كان بنو إسرائيل يحكمون على الزاني غير المحصن بالرجم،  وعلى المحصن بالقتل. ولا تزال بعض القبائل الهمجية تطبق  هذه العقوبات على الزناة في غير ما شفقة. ففي أفريقية الوسطى  يجلد الزاني وتهاجم حقوله ومنازله ويسلب ماله. وإذا تبين أحد  الأحباش أن أخته أو ابنته ارتكبت الفاحشة قتلها جهرة وقتل  عشيقها معها. ولدى الهوثيثوت قانون مشهور يحكم على الزناة  بالقتل ضرباً بعصا غليظة. وقد اعتاد سكان الهند الشرقية أن  يرموا الزناة في عرض النهر بعد أن يثقلوهم بالحجارة، فإذا استطاع  أحدهم النجاة عفي عنه، وفي سومطرة يوأد الزاني ويقبر حياً

وهناك نوع خاص من الفحشاء اشتد هوله فقست الجمعية  في محاربته، وهو ما كان بين أفراد الأسرة القريبين كالرجل  وزوجة ابنه، والمرأة وأب زوجها. ولكي يُدرأ خطر هذا  المنكر وضعت في سبيله عقبات تحول دون وقوعه؛ وهذا  هو السر في أن القبائل الهمجية تباعد بين الأقارب الأقربين،  في حين أنها لا تجد غضاضة في أن يختلط الأجانب بعضهم ببعض،  فجماعة البنتو في أفريقية الوسطى لا يسمحون مطلقاً للرجل بأن يتناول طعام العشاء مع حماته، ولا للمرأة بأن تتعشى مع حميها منفردين،  ومن الجرم أن يرى رجلحماته تأكل؛ وعليه أن يكفر عن هذا  بمختلف القرابين، وليس له أن ينعم النظر فيها، وإذا خاطبها  وجب عليه أن يطأطئ رأسه ويغض من طرفه، وإن صادفها  على غرة أفسح لها الطريق، وسارع إلى الغابة مختفياً كي لا تراه  ولا يراها تماماً. وأغرب من هذا أن أهل سومطرة لا يبيحون  للرجل أن يأكل مع صهره عاري الوجه؛ وإذا رأى صهره فمه  مفتوحاً أحس بخجل عظيم، وتوارى في الغابات المجاورة، فهذه  العادات والتقاليد الغريبة يفسرها شيء واحد، وهو أن  هذه القبائل تحول دون أي اختلاط يكون وراءه معصية  الأقارب الأقربين

نرى بعد الذي تقدم أن الخرافة صورت الزنا والفسق بصورة  شنعاء لدى كثير من الشعوب قديمها وحديثها، وأبرزتهما في  مظهر عاملين خطرين من عوامل القضاء على الفرد والأسرة  والجماعة، وبذا استطاعت إلى حد كبير محاربتها والقضاء  عليهما. وإذا كانت الجمعية تنظر بعين السخط والمقت إلى كل  اختلاط جنسي غير مشروع، فإنها تدفع الأفراد تبعاً إلى احترام  الزواج والخضوع لقيوده. وكل رأي أو عقيدة أو تشريع  يحارب الإباحية هو في الوقت نفسه سلاح قوي لتثبيت  دعائم الحياة الأسرية.  

(لها بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية