عيب من عيوبي، أننى أنفر من الزحمة، واكره الضجيج. وأطبق هذا فى عالم الأدب كتطبيقى له فى عالم الحياة. فيكفى أن تثور الضجة حول مؤلف أو مؤلف، حتى يصرفنى هذا عنه إلى حين، ثم أتناوله فى هدوء وانفراد لأرى رأيى فيه. وكذلك أصنع مع كل شخصية فى الحياة يتزاحم حولها المتزاحمون، إلا أن يخلو الجو، وتهدأ الضجة، فأقرب من هذه الشخصية لأتملاها، وكأنما لم أسمع من قبل عنها شيئاً!
ويسبق إلى نفسى سوء الظن؛ بكل ضجة وازدحام. ويقع فى بعض الأحيان، أن يتبين لى خطئى فى إساءة الظن بإحدى
الضجات؛ ولكن هذا لا يعصمنى فى المرة التالية، من تغلب هذا الطبع، أو هذا العيب، الذى أعترف به ولا أخفيه!
كان هذا شأنى منذ أكثر من عشر سنوات مع (أهل الكهف) لتوفيق الحكيم. فآنى لأذكر أن ضجة استقباله فى عالم الأدب، قد أخرتنى نحو عام كامل لا أقرأ الكتاب، ولا أعرف عن صاحبه شيئاً، حتى قرأته، فعلمت خطئى فى هذا التأخير
وكذلك كان شأنى مع (قيس ولبنى) لعزيز أباظة. لقد كنت أعرف فيمن أثنوا على الرواية وشاعرها من لا أشك فى صدق تقديرهم وصدق تعبيرهم ولكنى كنت أعرف بجوارهم جماعة أخرى؛ يضجون ويتبارون فى الضجيج؛ وأنا على يقين جازم من أنهم إنما يتوجهون بالضجة إلى عزيز بك أباظة المدير!
ولما كنت قد قضيت شطراً من حياتى فى احتقار هذا الصنف من الناس؛ وفى كشف العوامل الخفية التى تحفز هذه الطفيليات الواغلة فى الأدب. فقد وجدتنى - دون وعى - أعزف عن شهود الرواية وهى تمثل على المسرح، وأعزف عن قراءتها بعد أن طبعت فى كتاب. وكأنما اختلطت الرواية فى وعيى
الباطن بما أكرهه من تزاحم المتزاحمين! وأخيراً أقرأ فى مجلة الثقافة للدكتور الفاضل أحمد بك زكى كلمة تحت عنوان: (بين المقروء والمسموع) يثنى فيه على (قيس ولبنى) ثم يوازن بينها وبين (مجنون ليلى) فيفضل الثانية على الأولى
والدكتور زكى بك من الرجال القلائل الذين أشعر لهم بالود والاحترام فى هذا الزمان، والذين أثق بأخلاقهم وتلذ لى قراءتهم فى آن. ولكنى أعرف (مجنون ليلى) وأعرف مستواها الفنى والتعبيرى! قلت فى نفسي: إن كلمة هذا الرجل الفاضل فى الموازنة بين الروايتين فرصة سانحة لقراءتهما جميعاً
قال الدكتور زكى: (وجلست إلى (قيس ولبنى) أقرأه ساعتين حتى أتيت على آخره. أفتدرى إلام شاقني؟ شاقنى إلى صنوه (مجنون ليلى) لشوقى بك. ومددت يدى فجررته من محبسه على رف الكتب. وأخذت أقرأ لشوقي، فما أحسست أنى انتقلت بعيداً. كان إحساسى إحساس من انتقل من منشستر إلى لندن. أو من ليون إلى باريس، أو من الإسكندرية إلى القاهرة. الناس هم الناس، واللسان هو اللسان، وأسلوب العيش هو أسلوب العيش، والمدنية هى المدنية، وإنما فى ظرف أكبر. فعزيزى يترسم خطوات شوقى، وله من جزالة لفظه ما يعينه على أن يحاكيه فيقاربه، ويقاربه كثيراً. وهذه خير تحية (يتحي) (١) بها شاعر فى مصر أو فى الشرق كله
(كان إحساسي. إلى أن بلغت إلى قول شوقى على لسان قيس. قيس ليلى. إذ بلغ وهو فى سبيله إلى ليلى، جبل التوباد، ملعب صباهما ومرتع شبابهما. قال قيس ليلى:
جبل التوباد حياك الحيا ... وسقى الله صبانا ورعى
فيك ناغينا الهوى من مهده ... ورضعناه فكنت المرضعا
وحدونا الشمس فى مغربها ... وبكرنا فسبقنا المطلعا
وعلى سفحك عشنا زمناً ... ورعينا غنم الأهل معا
هذه الربوة كانت ملعباً ... لشبابنا وكانت مرتعا
كم بنينا فى حصاها أربعاً ... وانثنينا فمحونا الأربعا
وخططنا فى نقا الرمل فلم ... تحفظ الريح ولا الرمل وعى
(الله! الله!
لم تزل ليلى بعينى طفلة ... لم تزد عن أمس إلا إصبعا
ما لأحجارك صمنا كلما ... هاج بى الشوق أبت أن تسمعا
كلما جئتك راجعت الصبا ... فأبت أيامه أن ترجعا
قد يهون العمر إلا ساعة ... وتهون الأرض إلا موضعا
(الله! الله! مرة أخرى، لهذا البيت الأخير (بلغت هذه القطعة، فقلت: معيار المقارنة أن أجد مثلها لقيس لبنى. وبحثت فلم أجد (أم أنا عميت؟ ربما. . . (أم أنى نظرت فى الكتابين نظرة القارئ العادي، ومثل هذا الذى طلبت، يحتاج لا إلى بصر قارئ مثلى عابر، وإنما إلى بصيرة أديب مكين؟ ربما أيضاً)
ومع احترامى لهذا التواضع العلمى النبيل فيما كتبه الدكتور العالم الأديب. فأننى أخشى أن تكون عاطفة (تقديس الموتى) - وهى عاطفة إنسانية عامة وعاطفة مصرية خاصة - قد غلبت فى نفسه على حاسة الفن، التى ألمحها فى كل ما يكتبه!
وإلا فما يمكن أن يقرأ الإنسان هاتين الروايتين فى وقت واحد؛ دون أن يحس بالفارق الهائل بين الحياة الحارة والصدق الطبيعي، فى (قيس ولبنى) ، وبين الموت البارد، والتلفيق المتهافت فى (مجنون ليلى) من ناحية رسم الشخصيات وإجراء الحوادث والعرض الفني. ولا بين الطلاقة والقدرة على الأداء فى الرواية الأولى، والاضطرار والتهافت فى مواضع كثيرة من الرواية الثانية
ويجب أن يلاحظ أننى أتحدث عن (الروايتين) لا عن (الشاعرين) فشوقى الشاعر قد يكون أكبر من عزيز أباظة الشاعر فى مجموعهما. ولكن رواية (مجنون ليلى) أصغر بما لا يقاس من رواية (قيس ولبنى) . أصغر من جميع الوجوه التى تقاس منها الرواية الشعرية
والقطعة التى اقتبسها الدكتور زكى من (مجنون ليلى) قطعة عذبة النغمة جميلة التصوير، وهناك قطعة أخرى أو قطعتان فى الرواية من هذا النوع. ولكن الرواية وحدة كاملة تقاس
بمجموعها: برسم الشخصيات، وإجراء الحوادث، وعرض المشاهد، والتعبير القوى عن هذا كله فى النهاية. وقياس الروايتين على هذا النحو، لا يدع مجالاً للشك فى تقرير الحقيقة التى أسلفناها
إن معظم الخطأ الذى قد نقع فيه عند الموازنة بين عمل شاعر كشوقى بك، نال فى زمانه شهرة عالية؛ وبين عمل لأحد الأدباء المعاصرين. إنما ينشأ من اعتمادنا على ما تحوى ذاكرتنا من طنين سبق؛ واطمئناننا إلى هذه الأوهام المقررة؛ والاستغناء بذلك عن مراجعة الأثر الفنى مراجعة جديدة
ولكن الدكتور زكى بك يقول: أنه أعاد قراءة (مجنون ليلى) . وهذا هو موضع العجب. فالأمر من الوضوح الحاسم، بحيث لا يقع فيه التباس
إن عمل شوقى بك فى (مجنون ليلى) كان عملا مشكورا من الوجهة التاريخية فى الأدب. وذلك لفتح هذا المجال، ومحاولة نظم الرواية فى اللغة العربية - وإن يكن غيره قد حاول قبله ولم يبلغ ما بلغه - وعند هذا الحد يقف تقدير هذه الروايات التى أخرجها جميعاً، و (مجنون ليلى) فى أولها
فإما حين تعرض هذه الروايات للتقدير الفني، فإنها تبدو عملا بدائيا متهافتا من جميع الوجوه وأول ما يلحق الناقد فى (مجنون ليلى) هو البرود والركود. فالمجنون - وهو المثل الأعلى لحرارة العاطفة، وللجد فيها ذلك الجد المتلف - يصبح فى يد شوقى طيفا متهافتا كأنه أحد شبان القاهرة المترفين الأطرياء اللطاف! كل حرارة الحب عنده بكاء ودموع وإغماء. وذلك كل نصيبه من الجد فى هذه العاطفة المشبوبة. بينما يلمح فى (قيس ولبنى) حرارة العاشق، وحركة الإنسان، وفحولة هذه العاطفة فى نفسه المحبة المهتاجة
أنك لا تلمح مرة واحدة فى (مجنون ليلى) تلك الحرقة اللاعجة، ولا تلك الثورة العاصفة. ولم تكن كل ميزة المجنون هى الحب المتهالك الذائب من الرقة والحنين - كما فهم شوقى وكما يفهم الكثيرون من الظرفاء المترفين الوادعين - إنما كانت هى الثورة المشبوبة والحرقة الموقدة، والاضطرام العنيف لقد كان يحب، ولم يكن (يتدلع) ! وكان هذا الحب
يتعمقه ويهيجه ويشقيه، وكان هذا الحب يقيمه ويقعده ويثير اعمق مشاعره، ويهزه فى الصميم؛ ولم يكن الإغماء والنواح هو كل حظه من الحب المجنون! استمع إليه فيما يروى له من شعر، ثم استمع إليه فيما ينطق به شوقي، تجد المسافة شاسعة بين شعور وشعور: استمع إليه يقول:
فيا رب إذ صيرت ليلى هى المنى ... فزِنِّى بعينها كما زنتها ليا
وإلا فبغضها إلىّ وأهلها ... فأنى بليلى قد لقيت الدواهيا
أو قوله:
كان فؤادى فى مخالب طائر ... إذا ذكرت ليلى يشد به قبضا
كأن فجاج الأرض حلقة خاتم ... عليى فما تزداد طولاً ولا عرضا
هذه النغمة الجادة، التى تشعرك (بالهول) فى هذا الحب العنيف العميق، لا تسمعها مرة واحدة فى (مجنون ليلى) . وذلك هو المقياس الأول فى صحة رسم شخصية المجنون، وتصوير عاطفته كإنسان يحب حقيقة، لا مترف يتظرف بالتهالك فى الحب و (يذوب) حنيناً وإغماء كان (الذوبان) هو وحده دلالة الحب الإنسانى العميق!
فإذا شئت هذه النغمة الجادة الصادقة العميقة، فانك واجدها فى (قيس ولبنى) أن شوقى لم يعرف الحب، واغلب الظن أنه لم يعرف (الألم) والألم هو ذلك الزاد الإلهي، الذى يفجر عواطف الفنان؛ وبدونه يصبح الفن بل تصبح الحياة كلها متعة رخية توحى باللطف والرقة، ولكنها لا توحى بالعمق والصدق. وما الحب وما الحياة بدون الألم الصادق العميق؟
أما عرض المواقف والمشاهد، فتبدو فيها السذاجة وقلة الحيلة، فى إثارة النظارة بالمشاهد الملفقة. وذلك طبيعى ما دامت الحرارة الإنسانية الطبيعية مفقودة
وإلا ففيم هذا الإغماء الذى لا يفيق منه المجنون حتى يعود إليه خمس مرات! لقد أغمى على (قيس لبنى) مرتين. ولكن ذلك كان لمرض هده ولأزمات نفسية حقيقية تهد الكيان. أما المجنون، فيبدو لنا متهالكا متهافتا منذ أول فصل فى الرواية، قبل آية أزمة من الأزمات، قبل أن تمنع منه ليلى وقبل أن يهدر دمه وقبل أن تتزوج سواه فكأنما هو
(مستعد سلفا) لهذا (الذوبان) الرقيق لأن هذه هى سمة الحب الوحيدة، كما يتوهمها الرجل الظريف!
ومشهد وادى عبقر وشياطينه وحواره مع شيطانه، وكذلك مشهد الصبية الذين يتحاورون:فريق مع الجنون وفريق عليه كلاهما حيلة من الحيل الرخيصة، التى تنشئها (قلة الحيلة) للفت النظر، حينما تقل الحرارة الطبيعية الصادقة!
وأعجب شئ هو ذلك الخصام بين رجال قيس ورجال لبنى، وكأنه لا يجرى فى الصحراء وما بها من رجولة وفتوة، إنما يجرى فى (صالون) بين بعض المترفين الظرفاء ويا للإخفاق عندما أراد شوقى أن يقلد شكسبير فى يوليوس قيصر، فيصور ثورة الجماهير واندفاعها من جانب إلى جانب، متأثرة ببلاغة خطيب!
وموقف (ورد) زوج ليلى ذلك الموقف الطرى المريب. الكى يقول لنا: أنه رجل كريم عطوف. لقد صور لنا (عزيز أباظة) ذلك الموقف نفسه أو ما يشبهه يقفه زوج لبنى فلم يمل به إلى هذه الطراوة المخنثة، وهو يصور نبله وكرمه. ذلك أنه صوره (إنسانا) حيا، لا دمية من الدمى، التى عرضها شوقى وسماها أشخاصاً!
وذلك فى الحقيقة هو الفارق الأصيل بين الروايتين والمؤلفين وهو يلخص الفوارق كلها، ويختصرها: الصدق والطبيعة، والتلفيق والصنعة فى كل موقف، وفى كل شخصية، وفى كل عاطفة أو شعور
ومن العجيب أن تخون شوقى فى رواياته الشعرية أقوى خصائصه التى بهرت أهل زمانه، وهى قوة الأداء ووضوح التنغيم. ففى (مجنون ليلى) أضطرارات فى التعبير لا تجد لها مثالا واحدا فى (قيس ولبنى) ففى بيت واحد كهذا:
لِم إذن يا هند من ... قيس ومما قال تَبْرا
يضطر إلى تسكين الميم فى (لِمَ) وتسهيل الهمزة فى تبرأ. ويطرد هذا التسهيل فى مواضع شتى مثل (كيف تجرا) أى تجرأ، و(تهزا بنا) أى تهزأ. . . الخ وتشاء تصبح (تشا) فقط اضطراراً للقافية فى قوله:
وليلى تفيض على من تشاء ... رضاها وتحرمه من تشا
و(مُنازل) تصبح (مُنازِ) فقط لضرورة الوزن
فى قوله:
(أنعم (منازِ) مساء ... نعمت سعد مساء)
وليلى تصبح (ليلَ) لنفس السبب فى بيت ينطق به ثلاثة:
أوغل الليل فلنقم
بل رويداً ... واسمعى (ليلَ)
خل عنى دعنى
ومظلوم هذا (الترخيم) الذى يسرف شوقى فى استعماله كلما نادى واحتاج للحذف خضوعا للضرورات النظمية! والرُّبى تصبح (الرُّبىِ) لحركة القافية:
عارضنا الحسين فى ... طريقه ليثرب
هذا سنى جبينه ... ملء الوهاد والرًّبى
وشيطان من وادى عبقر ممن يوحون بالشعر للشعراء يهبط ويهبط حتى يضع لا للناهية فى موضع لا النافية لضعفه فى النظم كقوله. (لا أدر. تلك ضجة) !
وكثير من مثل هذه الاضطرارات التى يعانيها المبتدئون فى النظم، والتى تندر فى شعر شوقى فى غير الروايات، مما يدل على أنه كان يعاني، لا فى تلفيق المواقف فحسب، ولكن فى تذليل النظم أيضاً
وهذه عيوب تفهم حين ننظر نظرة تاريخية كما قلنا، فنسجل أن شوقى كان يطوع اللغة لفن جديد عليها فكان عمله هو عمل المبتدئ؛ وجهده هو جهد المبتدئ. وهذا كلام مفهوم. فإما حين نقيسه إلى عمل ناضج من الوجهة الفنية ومن الوجهة التعبيرية كالعمل الذى قام به عزيز أباظة فى (قيس ولبنى) فإننا نشعر بالفارق العظيم بين العملين من الوجهة الفنية الصحيحة.
