الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 210الرجوع إلى "الثقافة"

٣- محمد بن دنيال

Share

وهذه هي البابة الثالثة من بابات ابن دنيال التي عرضنا للحديث عنها في عددين سابقين من اعداد " الثقافة " تكلمنا في أولها عن ) طيف الخيال ( ، وفي ثانيهما عن عجيب وغريب ( ، كما ذكرنا شيئا عن نشأة هذا الفن ، أعني ) خيال الظل ( ، وحياة ابن دنيال ومؤلفاته

ونحن إن نعرض اليوم للقراء البابة الثالثة نضع بين أيديهم مسرحية تختلف في موضوعها عن البابتين السابقتين اختلافا عجيبا ، وإن اتفقت معهما في الأسلوب والهزل . فمن جهة الموضوع فهنا نقرأ شيئا عن الحب وحيل المحبين ، لكنه حب ليس من ذلك النوع الذي نجده عند مجنون ليلي ، وقيس لبني ، وكثير عزة ، وجميل بثينة ، ومرقش أسماء ، وكثيرين وكثيرات ممن تزدحم بهم كتب الأدب العربي ، بل حب نواسي وشعر ابن دنيال ليس أيضا من نوع الشعر الذي نقرؤه للغزلين من شعراء العربية كابن أذينة ، وابن أبي ربيعة ، وابن ذريح ، رئيس بن الحطيم ، وسويد بن أبي كاهل ، والعرجي ، بل شعر قصد منه إلي جانب التمثيل والغناء للهو والمرح ، فهو شعر غنائي تمثيلي هزلي ، ووضع لمسرح خاص ، وهو مسرح ) خيال الظل ( المصري ، وصيغ في أوزان خاصة يتفق تقطيعها وألحان المسرحية الموسيقية . ثم لا يفوتنا أن ابن دنيال ألف هذه القطع في مصر ، وعرضت على المصريين ، لذلك عني في شعرها ونثرها بأن يكونا مصريين . وحيل ) المتيم ( ليست كتلك التي نقرؤها في المؤلفات التي أفردت للحب وأهله ، وحيلهم ونوادرهم ، بل هي حيل مصرية ؛ فنري مثلا نقار الديكة ، وتناطح الخراف ، وما إلي الديكة والخراف من طيور وحيوانات كانت

وما زالت إلي اليوم موضع لهو ورياضة بعض المصريين في كثير من القري والأرياف . وقد أشار المؤلف إلي ذلك في مقدمته التي يقول فيها بعد البسملة : قد أجبت أيها الأستاذ المعلم ، والمطبوع المترجم ، سؤالك الثالث ، وخضت معك خوض الحارث ، وارتحلت لك هذه البابة ، كرما بالإجابة ، وهي بابة المتيم والضائع اليتيم ، وضمنتها طرفا من احوال المحبين ، وطرفا من الغزل الذي هو السحر المبين ، وطرفا من الملاعيب ، وطرفا من المجون الذي ما عيب ، فإذا ما دعيت إلي صدر من صدور الزمان فاجل الستارة وغن في أصبهان :

قل لسادات الزمان         لا برحتم في أمان

وبقيتم في نعيم                ما تبقى الهرمان

ثم يأخذ ابن دنيال بعد ذلك في عرض شخوصة . فيخرج شخص هيجه الغرام ، فييكى بانتحاب ، وينشد متأوها نشيدا يصف فيه حاله ، وما انتابه من سقم وأرق ، جاء فيه ؟

أهل الغرام تجمعوا                وتوسلووا وتضرعوا

موتوا تعيشوا في الهوي             وتمزقوا وتقطعوا

وخذوا حديث متيم                عمن سواء أو دعوا

صب سماء دموعه                    من سببها لا تقلع

لم يبق إلاأضلع                     من سقمه تنقعقع

وادي العقيق بجفنه                 والدمع منه ينبع

ثم يقول : واه واه ! واحباه واقلباه ، المتيم مسكين ذبح بغير سكين ، من ارسل ناظره اتعب خاطرة والعاشق كل شئ يذكره ، لمعان البرق يؤرقه ومحبوب الريح بقلقه ، وإذا دنا الليل منه ، يهرب النوم عنه . ثم ينوح ويعدد في رهاوي ويقول :

هكذا كل أخي وجد يكون      أم أنا وحدي لي هذا الجنون

من معيني ومعيني ادمع           وعيون الصب في الصب معين

وبعد أن يفرغ من نواحه يقول : أيها السادة

متيم بالسعادة ، ولا بليتم بعشق متذلل وإفلاس عاشق متعلل ، عبدكم المتيم الهائم في الضائع اليتيم ، الذي فتن الألباب ، وغلق على الفلاح الباب ، ذو القوام الأهيف ، والخصر المخطف والطرف الأدعج الأوطف ؛ ) وطف الرجل كثر شعر حاجبيه وعينيه ( ، والردف المردف ، والجبين الأبلج ، والثغر المفلج ، الذي خده الورد وعذاره البنفسج ، الكامل الأوصاف ، القليل الإنصاف . . ثم ينشد موشحا يردفه بقوله : إنه هو الموصلي لا يدق إلا أبواب الكبار . فيخرج شخص دميم ، ويقول غلامكم القديم ، ويضرط من فمه بصفير ، ويتبع تصفيقه بشخير . ويقول : يا متيم خانك الاعتقاد ، وتبدلت بالياسمين شوك القتاد ، وعرضت عرضك لمعترض ، وتداويت بمهترض ، ) الهرض الحصف الذي يظهر علي الجلد ( . . وبعد ذلك ينشد شعرا في محاسن الصغير علي الكبير ، ثم في الختام يقول : ألا يزدرد الإنسان الصغير ولا يزدرد الكبير فيقول له المتيم : فض الله فاك ، ولا سلمك ولا كفاك . أين الهلال من قمر الأبدار ، واين الرمان من الجلنار ، وهل يفضل البلح على التمر ، أو الحضرم بلذة الخمر ؟ وبعد ذلك يظهر خادم المعشوق ، واسمه ) بابا بيرم ( ومعه رسالة إلي المتيم ، وكان قد سبق أن مدح ) بابا بيرم ( المتيم لدي المعشوق فبين له خصاله الجيدة ، ونوع الحيوانات التي لديه ، وحبه للرياضة ؛ ففرح المعشوق وكتب للمتيم بذلك ؛ فسر المتيم سرورا عظيما ، ورقص فرحا ، وأحضر الخمر والكأس ، وغني حتي جلب المعشوق ، فغنيا بالتناوب .

وفي الدور الختامي يغني المتيم ديكة( أبو العرف صباح ) :

ما لي إلا ديكي أبا العرف صباح      

                             الفاره (١) في الديوك نفرا وصياح

قد مد إلي النقار عنقا وجناح

                             فاقبله وما عليك في ذاك جناح

فيقول المتيم : لا تذكر ديكك صباح ، حتى تري القيم صباح ، الذي ما قاومه في الديوك احد ، وهو لذلك بيضة البلد

ديك من الهنود         حذار من بأسه الشديد

إن كان منقاره فطار (1)   فإن كفيه من حديد

كأنما عرفه عقيق        يري علي ورده الخدود

له إذا هاجه نقار        من خصمه وثبة الأسود

وهنا يعرض المؤلف للنظارة منظرا من أجمل مناظر البابة ، إذ يصور لنا نقار الديكة ، وكيف كان يجري ، فتحط الرهون علي يد الحكم ) زيهون ( ، ويخرج ديك اليتيم ، ويتلوه ديك المتيم ، فينشد المتيم ويقول :

أهلا وسهلا بطلعة الديك    كأنه عروة الصعاليك

أني بتاج كأنه ملك             بين دجاج مثل المماليك

بطيلسان مثل الحرير مع التيسر   على منكبيه محبوك

رأيته إذ يسير من ذنب           كأنه الصالح بن رزيك (٣)

ويل لديك أني بناقره                وهم في حربه بتحريك

فإنه يستبيح من دمه                    ما لم يكن مثله بمسفوك

فيقف الحكم بينهما بعصاه ، فينقرانه في قفاه فيأخذ نفسه بالأهبة ، ثم يبتدي قبل كلامه بالخطبة ويقول

الحمد لله فالق الإصباح ، وملهم الديك تقسيم الزمان

بالصباح ، الذي توجه بتاج من عقيق ، ويرفعه ببرقع من

الشقيق ، وألبسه الطيلسان المدبج، وأقامه في صورة الملك

المتوج ، وخصه بالكرم والإيثار ، وفضله بذلك على جميع

الأطيار ، وميزه بالذب عن الحريم ، ومقاومة الغريم ، والصلاة والسلام والتحية والإكرام على سيد المرسلين ، ورسول رب العالمين ، وعلي آله وأصحابه أجمعين ، وبعد : فإن مكافحة الأقران ، ولا تختص بنوع من الحيوان ، وأحسن ما تفرج عليه السوفة والملوك ، مناقرة الديوك ، لأنه مناصلة ومناضلة ، ومقاومة ومنازلة ، وهذان الديكان قد وقفا للاصطلام ( صلمه قطعه وقيل قطع أذنه وأنفه من أصلهما ) وأصرا علي الإقدام ، فمن هرب من النقار والتجأ إلي الفرار وجب علي العاقلة ما تقرر ، وليس بعار إذا عاد المغلوب وتكور باسم الله عليك يا صياح ، وأعيذك بالله يا صياح ... ثم يناقر الحكم بينهما على ذلك المثال وعادة الخيال ، فيستقفي ديك اليتيم من النقار وينزوي بالهزيمة والفرار وهنا يصبح اليتيم ويقول : ديكى والله ما انهزم ، ولا علي الفراز عزم ، وإنما حضر الوقت المعلوم للآذان ، فانصرف من اللعب إلي تسبيح الملك الديان ، وهذه عادة هذا الديك المبارك في إلهامه ، وإقباله وإقدامه ، ولئن هرب ديكي من صباح فدونك كبشي النطاح ، وكل لاعب يعرف كبشي الذي كأنه الأسد الوحشي ، يكاد ينطح ناطح البروج ، وبهدم بقرنية سد ياجوح ومأجوج فيعلن الحكم ذلك ، فيقبل المتيم ويقول إن حروفه من البشمور ( ١ ) واسمه ( وحشى)، أما خروف اليتيم فاسمه ) أبو الشين ( . ومن ثم نري أم اليتيم تظهر وفي يدها مبخرة ، فتبخر خروف ابنها ، وتتحدث عنه وعن صوفه ، وعن وفاة زوجها . ويأتي بعدها الحكم فيلقي كلمة تشبه تلك التي ألقاها عند نقار الديكين ؛ ويحدث أن يهزم خروف اليتيم ، ويولي الأدبار ، فيغني كل من اليتيم

والمتيم هو الا يعقبه حديث لليتيم عن ثوره وبطشه ، وعن عنايته هو به ، ومن ثم يأخذ في تعداد محاسن الحديقة التي يقيم فيها هذا الثور ، فينبري له المتيم مفاخرا بثوره ، فيحضر الثوران و يقوم الحكم ) زيهون ( ويلقي خطبة من ذلك النوع الذي قرأناه له في الديكة ؛ لكن هذه المرة تدور الدائرة على المتيم إذ يهزم ثورة ويولي ، فيتألم المتيم وينشد نشيدا يتحدث فيه عن ذي القرنين وما جري له ، وبعد ان يفرغ من كلامه ينادي : ياريس على إني أريد أن اصنع من لحمه خوانا للإخوان ، فيستدعي الجزار ( تعاشير ) والكبابحي ( أبو جعران) ، فتقام الوليمة ويؤتي بالخمر والبخور والعود والند لكن يلاحظ ان اليتيم لا يظهر ، بل نري علي المسرح شخوصا أخري يمثل كل شخص منها رذيلة من الرذائل فنري المخنث والطفيلى ، ويدور كلام بين الأخير وبين المتيم ينتهي بطلب المتيم التوبة ، ثم يلتفت إلي القبلة ويموت ، فينقل إلي حيث يغسل ويكفن ويدفن ، وبذلك تنتهي البابة الثالثة من بابات ابن دنيال

اشترك في نشرتنا البريدية