الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 191الرجوع إلى "الثقافة"

٣- مستقبل المدنية

Share

قال المستر جود في محاضرتيه الأوليين إن الداء الذي أصيبت به مدنيتنا ناشئ من الهوة الفاصلة بين قوتنا وحكمتنا ؛ وأشار في محاضرته الثالثة إلي وسيلتين لتخطي هذه الهوة : اولاهما وقف تقدم العلوم الطبيعية التي تزيد من قوة الإنسان ، وتوجيه العناية إلى العلوم النفسية التي تصلح من روحه فيحسن استخدام القوة التي تهبها إياه العلوم .

أما الثانية فهي جمع شتات العالم كله ، أو على الأقل القسم المتمدن الراقي منه ، تحت لواء حكومة واحدة ، تنظم جهوده ومصالحه أيا كان نوع هذه الحكومة ، تعاهدية كانت أو حلفا أو غيرهما من الأنواع التي تقبلها عقول الناس في هذه الأيام والتي يمكن أن تتطور مع الزمن فتبلغ من التماسك درجة لا يتصورها أهل هذا الجيل

وقال بعد ذلك إن الوسيلة الأولى مستحيلة من الوجهة العملية ، وإن الثانية لا تحسم الداء وإن كانت تسكنه إلي

حين ، فهي أشبه بجسر يمتد فوق الثغرة ولا يسدها ، دعائمه مزعزعة ما دامت تستند إلي قلوب أهل هذه الأيام بحالها التي هي عليها الآن . ثم عرض المحاضر بعد ذلك إلي نوع آخر من العلاج هو في رأيه خير  علاج مستطاع ، فقال : إن علينا أن نذهب إلي أبعد مما يستطيع العلم والسياسة ان يصلا إليه ، إن علينا أن نذهب إلي نفوس الناس وارواحهم لتعالجها حتى تستطيع دعائم هذا الجسر الممتد فوق الثغرة

أن تثبت على مر الزمان . ويشرح المستر جود في محاضرته الرابعة هذا العلاج ويفصل القول فيه فيقول :

لاشئ في اعتقادي يسد هذه الثغرة التي تفصل قدرتنا عن حكمتنا غير إحياء القيم الأخلاقية العليا ، وليس ثمة وسيلة إلي إحياء هذه القيم إلا إحياء العقيدة الدينية في النفوس . فما السبيل إلي هذا الإحياء ؛ ليست معرفة هذا السبيل بالأمر الهين ، ولكنا لا نشك في ان العالم مهيأ له في هذه الأيام ، مستعد للاستجابة للنداء الذي يصدر به استعدادا لم يشاهد مثله من قبل . لقد ظل العالم في الماضي القريب ينشىء

جيلا من البشر لا عقيدة لهم ولا شريعة روحية ، وهي ظاهرة لم تكن مألوفة في أغلب العصور الماضية ، فقد كان لكل جيل من الخلق في كل عصر من العصور عقيدة وعبادة ، لأن العقيدة والعبادة حاجة من حاجات البشر عامة . وتلك الحاجة نفسها كامنة في نفوسنا نحن أبناء هذه الأيام ، ولكنها حبيسة

مكبوتة ، أو إذا شئت أن نستخدم الألفاظ السيكولوجية الشائعة على ألسنة الناس الان فقل إنها نشطة في اللاشعور أو العقل الباطن ، لذلك كان من واجب علماء التحليل النفساني أن يعنوا اكثر مما يعنون الآن بحاجات أبناء هذا الجيل الدينية المكبوتة .

وبسبب اختفاء هذه العقيدة الدينية ، أو بسبب وجودها مكبوتة في عقلنا الباطن ، ينشأ الشبان الآن وليست لهم فلسفة في الحياة أو لهم فلسفة ولكنها الفلسفة التى تلائم وحدها ظروف هذا العالم والتي يندفع إليها بغريزتهم ملايين الشبان ، فلسفة " كل واشرب فانك ميت في غد " - واستميح السامعين عذرا إذا أشرت إلي هذه الفلسفة للمرة الثانية - أو أنهم يعبدون آلهة مزيفة كاذبة كإله السرعة مثلا ، فقد

ظلت انجلترا وأمريكا وغيرهما من بلاد أوربا قبل الحرب الحاضرة تنشيء جيلا من الشبان يطبقون السماء على الأرض إن استطاعوا ليقتصدوا من وقتهم خمس دقائق ، ثم لا يعرفون قط ماذا يصنعون بهذه الدقائق الخمس بعد أن يقتصدوها

تبدئ القول ونعيده ان في ابناء هذا الجيل شعورا شديدا مكبوتا بالحاجة إلي العقيدة الدينية ، فإذا لم يوجد مصرف لهذا الميل القوي المكبوت ، أو بعبارة اخري إذا لم ينتقل هذا الميل من اللاشعور إلي الشعور ، فإنه لا بد منتج من الشرور أكثر مما في العالم الآن . والميل المكبوت في الفرد

قد يؤدي إلي المرض أو إلي الجنون ، وهو يفعل أكثر من ذلك في المجتمع . ويخيل إلينا أن الشباب في وسط أوربا قد وجد هذا المصرف ، فوجه هذا الميل الديني المكبوت إلي عبادة الدولة أو عبادة الزعيم . ذلك ان

الطبيعة لا تطيق الفراغ في عالم الروح كما لا تطيقه في عالم المادة ، وان بصائر الناس إذا عميت عن رؤية إله السماء اتخذت لها في الأرض بديلا منه ، فعبدت الدولة او عبدت الزعيم الذي تتمثل فيه الدولة ؛ وليست هذه العبادة إلا مصرفا للعقيدة الدينية الكامنة في اللاشعور ، وما من شك في ان الحالة العقلية التي تسود المانيا في هذه الأيام اقرب الحالات

إلي النزعة الدينية القوية أو أنها هي النزعة الدينية بعينها في مظهر غير المظهر الديني المألوف . وهل ثمة فرق كبير في المظهر الخارجي بين تضحية الناس بأرواحهم وعقولهم وابدانهم في سبيل عقيدتهم الدينية في الأزمنة الماضية ، وبين تسليم النازيين عقولهم وأبدانهم وارواحهم للزعيم ؟ أليس لسان حالهم يقول للزعيم : " استخدامنا كيف تشاء واسلبنا

حق معرفة ما تستخدمنا فيه ! إنا على استعداد لأن نلقى الموت من أجلك ، ولكنا نرجو ألا نعرف منك لماذا تسوقنا إلي الموت ! امرنا نقاتل الشيوعية ، ولكن لا تدعنا نعرف ما هي الشيوعية ! وحرم علينا الآداب والفنون التي لا تصلح لنا ولكن لا تقل لنا لم كانت غير صالحة او ماذا فيها غير صالح ! ؟ أليست هذه هي العاطفة الدينية في أقوي درجاتها ؟

إن في هذا كله لشواهد يجب ألا نغفل عنها ، إنه ليشهد بأن شبان ألمانيا الذين حيل بينهم وبين الدين الصحيح لم يطيقوا صبرا علي هذا الحرمان فأنشأوا لهم دينا جديدا هو عبادة الزعيم ، وعلي اي شئ آخر يدلنا هذا ؟ إنه ليدل علي أن المسرح مهيأ والطريق معد للعودة إلي الدين الصحيح حتى تنصرف فيه القوة الكبيرة المتجمعة في اللاشعور ، وإلا وجدت لنفسها مصرفا آخر قد يطغي هو الآخر على العالم ويغرقه في الآثام والشرور .

وجملة القول ان الثغرة التي وصفتها لا يمكن ان تسد إلا إذا نظر الناس نظرة اخري إلي الحياة ، وافصحت هذه النظرة عن نفسها من الوجهة العملية بتقدير جديد للقيم الروحية العليا ، وإنا لنري الآن شواهد قوية على وجود

قلق روحي يختمر في كثير من البلاد ، وهو أظهر ما يكون بين شباب الجامعات ، شأنه في ذلك شأن غيره من أنواع القلق النفسي والاضطراب . وليس يسعنا الآن إلا أن نلاحظ ما طرأ من التبدل على الموضوعات التي تثير اهتمام هؤلاء الشبان . فقد كانت هذه الموضوعات منذ سنين قليلة تدور حول الشئون الاقتصادية ، وكانت المركبة هي التي تستأثر بمناقشاتهم ، فلم نكن نسمع منهم إلا قولهم : إلي أي حد

تستطيع المدنية الحاضرة البقاء في ظل الرأسمالية ؟ وهل في وسع الرأسمالية أن تمنع الحروب ؟ وهل البلاد الرأسمالية سائرة في طريق الشيوعية الروسية ؟ وهل يكتب البقاء للصناعات إذا انتزع منها عامل الربح ؟ هذه الموضوعات وأمثالها هي التي كانت تثير الجدل قبل الحرب الحاضرة ، وكان الشبان يرجون ان يصلوا من وراء بحثها إلي حل المشاكل التي اوجدها الاقتصاد وأوجدتها السياسة ، ويضعوا أساس عالم خير من عالم تلك الأيام

أما الآن فقد تبدلت هذه الموضوعات ، فلم نعد نسمع إلا قولهم : هل أراد الله هذه الحرب ؟ وإذا كان قد أرادها فهل ارادها للخير ؟ ولماذا اطلق الله قوي الشر التي أغرقت هذا العالم في بحر من الدماء ؟ ولماذا خلق اولئك المجرمين الذين اوقعوا العالم في هذه المأساة ؟ ولماذا يجيز الله هذه الشرور كلها ؟ وهل هي نقمة من الله حلت بنا جزاءً

وفاقا على خطايانا ؟ وهل يرجي بعد الحرب أن تقوم الصناعة على اسس غير الأسس الحاضرة ، فتعمل لسد حاجات الناس جميعا لا لزيادة ثراء العدد القليل منهم ؟ وهل تتاح الفرصة لخلق مجتمع قائم على الحب والتعاون ، لا علي الحقد والمنافسة ؟

تلك هي الأسئلة التي تفصح بها عن نفسها الروح الأخلاقية الكامنة في الجيل الجديد . فإلي أي مدى تستطيع أن تصل بهم هذه الروح التي تختمر فيهم ؟ وهل تتحول هذه الروح إلي بحث ديني حقيقي ؟ ليس من حقى أن أتنبأ ،

ولكن من واجبى أن ألفت النظر إلي شئ واحد شديد الصلة بهذا الموضوع ، ذلك هو نظرة الناس في هذه الأيام إلي الشر . لقد نشأ جيلنا نحن الشيوخ ، وهو يعتقد أن الشر نتيجة من نتائج الأحوال السائدة في العالم ، كالفقر وفساد التربية ونحوهما ، واستخلص من ذلك ان الشر يمكن علاجه بالأعمال الاجتماعية والسياسية ، فكنا نقول :

" امحوا الفقر بالاشتراكية ، وأحسنوا تربية الأطفال تمح البغضاء من نفوس الكبار ، ويصل الإنسان إلي مستوي من الخير يكاد يبلغ حد الكمال لكن الحرب قد جعلت من المستحيل على الناس أن ينظروا إلي الشر هذه النظرة السهلة ، فهو في نظر شباب هذه الأيام عام متأصل في النفوس لا يمكن القول بأنه من نتاج الظروف ، بل هو إفصاح عن شئ اساسي في طبيعة الناس ، وقد يكون في طبيعة الكون كله . أليست هذه هي نظرة الأديان إلي

الشر ؟ وسؤال آخر لا بد أن نسأله ، وهو : هل الكنائس القائمة في هذه الأيام صالحة لاستقبال الروح الجديد ؟ أقول مرة اخري : ليس من حقى أن أتنبأ ، ولكنني استطيع أن أقول إني أشك في قدرتها على ذلك إن معظم الشبان يرون أن الكنائس الحاضرة قد أساءت إلي نفسها بما قدمته وما تقدمه كل يوم من عون لنظام المجتمع القائم الآن ، أي للنظام الذي ألهب نار الحرب وكثيرا ما كانت عونا للأقوياء والأثرياء ، فهي لذلك عاجزة عن استقبال الوحي الجديد . قد أكون مخطئا في هذا ، ولكن اكبر

ظني أنى لست مخطئا في اعتقادى أن الروح الديني الجديد لا بد منطلق من عقاله عما قريب ، وان انطلاقه يهيئ للأديان الكبرى فرصة لم تتح لها طوال المائة عام الأخيرة . فهل في مقدور هذه الأديان أن تنتهز هذه الفرصة السانحة ؟ إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي يتوقف عليه إلي حد كبير مستقبل مدنيتنا الحاضرة . فهل يستمع إلي ذلك رجال الدين ؟

اشترك في نشرتنا البريدية