الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 332 الرجوع إلى "الثقافة"

٣ - من لندن

Share

صور من الحياة والفكر المعاصر فى انجلترا

عزيزتى . . . .

لم تمر ليلة على استلامى خطابك إلا وجلست إلى جانب النارومعى أدوات الكتابةللرد عليك ، ولكن حملات ح ٧٠ اشتدت أخيرا ، وهذه لا تقرئنا السلام من بعيد كما فعلت كل القنابل الطائرة مع مقاطعتنا بغير استثناء . ولكن فى ليلة واحدة سقطت واحدة منها على المثلث الأخضر فى آخر شارعنا ، فكانت أول مرة تهزنى فيها الغارات منذ أول الحرب . سلبتنى هذه الحوادث وقت فراغى الوحيد فى المساء وصرت الآن لا أكاد أفرغ من رفع مائدة العشاء وشحن آخر ضيف إلى حجرة الجلوس حتى يدق النفير ، فأجدهم حولى فى البدرون من جديد ، وأجدنى فى المطبخ مرة ثانية أعد أكواب الشاى التقليدية بعد الغارة ، وهكذا تنتهى الليلة دون أن أكتب لك .

وها أنا أقرأ خطابك مرة ثانية فألمس فيه سعادتك بالرجوع إلى وطنك بعد غيبة طويلة ، وأحس رضاك عن كل ما حولك وما يجري لك فأودع بشى من الخيبة أملنا فى عودتك للاقامة الدائمة بيننا كماصور لى الوهم ، لما كنت أحسه من صدق سعادتك فى بلادنا ، ولكن يبدو أن الصلة التى تربط الإنسان بوطنه أقوى بكثير مما نحب أن نعترف أحيانا .

ولكن يجب أن تعلمى أنى افتقدك كثيرا ، افتقد عبثك معى فى المطبخ تحاولين أصناف الطعام المصرى ، لعبين بعض الأسطوانات المصرية ، تحاولين أن تخلقى عة من وطنك حولك ، ولكم تذوقت واستمعت إلى الصينيين والهنود والشرقيين الذين نزلوا لدى ، وأنصت إليهم وهم يعددون لى أحيانا نقائص وطنهم وعيبهم نواحى

ضعف بلادهم . ولكن كلا منهم كان يحس فى أعماق نفسه " أن لا شئ كأرض الوطن " .

ناولت خطابك كرغبتك لكل واحد من أصحابنا بالتوالى ، وكلهم قبلوا اعتباره خطابا خاصا لكل منهم . قرأه دافيد ومس لزلى وبرادفيلد وجون وسلفيا ، لا زالوا جميعهم عندى . دافيد ومس لزلى بتبادلان النظرات على المائدة ، وهذه على عادتها القديمة من حضور العشاء فى السواريه كما لو كانت نزيلة الجروفتر أوهايد بارك ، ولم تنقطع عن نقدها اللاذع لجون كلما حضر العشاء بغير صدريته أو رباط رقبته ، وجون الذى يصر على أن يظل كما هو لم يستطع زواجه أن بغير شيئا من نظرة دافيد له ، بل إن الخلاف بينها على أشده الآن والحملة على الزوجة ضمنا ولكن خلف ظهرها ، فلا بد أن يكون بها مس حتى ترضى الزواج من جون المفلس وتنتقل إلى بوردنج هاوس كمنزل الزوجية ؛ وفوق كل فهى لم تتخذ موقفا حاسما من ناحيتة العقلية ، كل هذه الخزعبلات التى يطالعها فى كتب الشعر والفلسفة والفن التى هى أصل الداء مع طبقة المثقفين وأبناء الجامعات . . وبراد فيلد كالعادة يتخذ موقفه المحايد من كل هذه المشاحنات ، ولم يفلح دافيد - بقوة انحيازه فى الحكم على كل من يعرف ومن لا يعرف من الناس - فى أن يستصدر موافقته مرة على ما يعتقده هو ويراه فى الناس على طول عهد صداقته لدافيد ، لأن يرادفيلد كما تعرفين لا يهتم إلا بمن له دراية بسباق الخيل والكلاب ونتائج الفوت بول كل يوم سبت بعد نشرة الأخبار المسائية .

وهكذا يا عزيزنى ترين أن الحياة تسير فى مملكتى الصغيرة كما تركنها ، وستظل تسير كما كانت لسنوات لا أحصيها لا فى صلتها بوجوه وامزجة بشرية مختلفة . إن كل حجرة فى منزلى تروى لى قصة وتاريخا ، وفى هذا الاثاث الجامد الصامت أقرأ مرحلة من حياة عديدين .

على ذلك المقعد فى " اللونج " جلس روبرت بوجهه الصارم الطافح بالعزيمة والمطامح ، وهو فى آخر مراحل دراسته الجامعية ، وترك منزلى ليشغل منصبه الاكاديمى كقاض فى بوغندا . وجلس بعده جيفتر الذى كانت له حياة العمل التجارى وما أصاب فيه من نجاح وثراء . وكم جلست نانسى الجميلة الفاتنة - أنت تعرفينها زارتنا مرة مع زوجها -  على نفس المقعد تحرك النار فى تراخ والسعادة ترقص فى عينيها تحدثنى عن منزلها المقبل مع ماك الذى كان يبادلها نفس الحب . . وتجلس مس لزلى الآن

وكثيرات غيرها مثلها ضاعت عليهن أحلى متع الدهر - الزوجية والأمومة - ولم يبق لهن غير الكتاب أو شغل الابرة يقطعن فيه ساعات المساء الطويلة المملة فى اللونج إلى جانب النار . . وغيرهم . . وغيرهم .      أنا أستعيد حياتهم وأحس بأنى أحببتهم جميعا ، أحبهم لأنى أرى فيهم جانبا من الإنسانية التى تكون ثروة حياتى الروحية التى أعيش عليها . اكتبى كثيرا ولا تنسينا

طبق الأصل

اشترك في نشرتنا البريدية