الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 36الرجوع إلى "الثقافة"

٤ - الأدب الجاهلی وأثره

Share

أبنت في المقال السابق أن الشعر العربي الإسلامي لم يقف على موضوعات الشعر الجاهلي ، ولم يقتصر على موضوعات معينة ، بل تناول كل ما تقع عليه العين ويدركه الفكر من احوال المعيشة وحاوثاتها ، وقلت إنه عم حتى كان عرضه أن يعاب بهذا العموم

وفي هذا المقال أعرض لقول أستاذنا الجليل : " ولم يمس الشعراء عواطفهم الحقيقية ، ولا حالتهم الاجتماعية إلا مسا رقيقا . وإلا فخبرني : اين الشعر العراقي الذي تجد فيه الشعراء يتغنون بمناظر العراق الطبيعية ، ويصفون فيه احداثهم الاجتماعية ؟ واين الشعر الشامي أو المصري أو الأندلسي الذي يشيد بذكر مناظر الطبيعة وأحوال الاجتماع للشام ومصر والأندلس ؟ إنك تقرأ الشعر العربي فلا تعرف إن كان هذا الشعر لمصري أو عراقي أو شامي إلا من ترجمة حياة الشاعر " الخ .

وجوابي ان من الشعر ضربا إنسانيا عاما لا يصف إقليما معينا ولا حادثات بعينها ، ولكنه يبين عن وجدان الإنسان : آماله وآماله . وقد شارك العرب في هذا غيرهم بل أكثروا منه وغلوا فيه ، حتى كار شعرهم يكون وجدانيا كله .

وأما الشعر الذي يصف بيئة إقليم ، أو حادثة بعينها من حوادث الاجتماع ، فهو كثير في دواوين شعراء العربية ، فليس في البلاد العربية والبلاد الإسلامية التي عاش فيها شعراء العربية مرأي رائع من مرائي السماء والأرض إلا وصفه الشعراء ؛ وليس فيها بناء عظيم ،

أو أثر عادي عجيب إلا ذكروه وكرروا وصفه والحديث عنه على مر الدهور .

وأبدأ بالكلام على مصر ، ثم أفني بالعراق والشام : النيل مذكور في الشعر ، موصوف في كل العصور ، ولا يخلو ديوان شاعري مصري من قطع في النيل وفيضانه والخليج وفتحه . وقلما ورد مصر شاعر عربي إلا ذكر النيل في شعره .

وحسبي أمثلة قليلة تدل على ما وراءها قال الأمير تميم بن المعز لدين الله الفاطمي :

يا حبذا حلوان فالنيل       ربع بحسن اللهو مأهول

رحت ومركوبي به أوهم     على جناح الريح محمول (١)

كأنها في الماء زنجية          لها من الموج أكاليل

والنيل في رونق شمس الضحي

               سيف صقيل المتن مسلول

حتي إذا ما درجته الصبا         وماج منه العرض والطول

فهو لمن أبصره جوشن            على مهاد الأرض مسدول

أو حبك ترصيعها جوهر           مبدد فيهن محلول

وله في قبضان النيل :

انظر إلي النيل قد عتي عساكره

                           من المياه فجاءت وهي تسقيق

كأن خلجانه والماء يأخذها

                       مدائن فتحت فاحتازها الغرق

كأن تياره ملك رأي ظفرا

                               فكر إثر الأعادي ، محتق تزق الخ

ويقول ابن تبيانة المصري :

يا ساري البرق في آفاق مصر لقد

          أذكرتني من زمان النيل ما عذبا

حدث عن البحر أو دسي ولا حرج

           وانقل عن النار أو قلبي ولا كذبا

واندب على الهرم الغربي لي عمرا

                فحبذا هرم فرفته وصبا

وإني لشتاق إلي ظل روضة

          على النيل أروي العيش منها عن النضر

إلي مصر يحلو نيلها مخصب التري

          فيغني الوري في الحالتين عن القطر الخ

 ويقول علم الدين أيدمر وهو من شعراء مصر :

كيمياء النيل خالصة            قد أنتنا منه بالعجب

كان من ذوب الذجين فقد     عاد بالتدبير من ذهب

راقص بالحسن مبتهج           فهو في عجب وفي طرب

ومغاني مصر تسمعه           نغمة الشادي بلا صخب

ونسيم الريح لاعبة           في خلال الروض بالقضب

ولابراهيم بن عبدون الكاتب :

والنيل بين الجانبين كأنما

               صبت بصفحته صفيحة صيقل

يأتيك من كدر الزواخر مده

               بممسك من مائه ومصندل

فكأن ضوء البدر في تمويجه

                برق يموج في سحاب مسبل

وكأن نور السررج في جنباته

               زهر الكواكب تحت ليل أئس

مثل الرياض مصنفا نؤارها

               يبدو لعين مشبه وممثل

وللقاضي الفاضل رسائل عدة في وصف النيل . وكذلك أكثر الشعراء في وصف جزيرة الروضة والخليج وبركة الحبش كقول ابن مماتي :

جزيرة مصر لا عدتك مسرة

                      ولا زالت اللذات فيك اتصالها

فكم فيك من شمس علي غصن بأنة

                  يميت ويحيي هجرها ووصالها

مغانيك فوق النيل أضحت هوادجا

                  ومختلفات الموج فيها وجمالها

ومن أعجب الأشياء أنك جنة

                  ترف علي أهل الضلال ظلالها

ويقول ابن الساعاتي في يوم كسر الخليج :

إن يوم الخليج يوم من الحس

                من بديع المرئي والمسموع

كم لديه من ليث غاب صئول

              ومهاة مثل الغزال المروع

وعلي السد عزة قبل أن

           تملكه غلة الحب الحضوع

كسروا جسره هناك فاكي

             كسر قلب يتلوه فيض الدموع

ولأمية بن عبد العزيز الأندلسي في البركه :

لله يوم ببركة الحبش             والأفق بين الضياء والغبش

والنيل بين الرياح مضطرب    كصارم في يمين مرتعش

ونحن في روضة مؤنقة           دج بالنور عطفها ووشي

قد نسجتها يد الغمام لنا       فنحن من نسجها علي فرش

وأولع الشعراء بوصف نواعير مصر ( السواقي )  كقول الأمير تميم :

ناعوة أنت أنين الهوى

                  لما شكت حر وساويسها

أنينها صرة تدويرها

           ودمعها  ماء قواديسها

كأنما الكيزان في بئرها

            هام ملوك في نواويسها

تقذف بالماء إلي روضة

كأنها ريش وطواويسها

ووكذلك أكثر شعراء مصر من وصف المروج والرياض والحدائق ونظموا كثيرا من الطرديات التي توصف فيها البرية ونباتها وانواع الطير والوحش وتصور فنا من المعيشة ممتعا .

وأما الأبنية فما قصر الشعراء في وصفها . فالأهرام كانت حيرة الشعراء ومبعث كثير من أشعارهم . يقول عمارة اليمني شاعر الفاطميين :

خليلي ما تحت السماء بنية

      تماثل في إتقانها هرمى مصر

بناء يخاف الدهر منه وكل ما

            على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر

تنزه طرفي في بديع بنائها

          ولم يتنزه في المراد بها فكري

وقال ابن الساعاتي :

ومن العجائب ، والعجائب جمة

               دقت عن الإكثار والإسهاب ،

هرمان قد هرم الزمان وأدبرت

              أيامه ويزيد حسن شباب

لله أي بنية أزلية

       تبني السماء بأطول الأسباب

وكأنما وقفت وقوف تبلد

          أسفا علي الأيام والأحقاب

كتمت عن الأسماع فصل خطابها

            وغدت تشير به إلي الألباب

ومثل هذا كثير يضيق المجال عن إثباته . ووصف الشعراء كثيرا من أبنية مصر ، وحسبك ما قالوا في أديار مصر ، فقلما حرم دير ذكرهم إياه وحنينهم إليه .

يقول ابن عاصم في دير طمويه ( طموه ) :

واشرب بطمويه من صهباء صافية

                  تزري بخمر قري هيت وعانات

على رياض من النوار زاهرة

                 تجري الجداول منها بين جنات

كأن نبت الشقيق العصفري بها

                كاسات خمر بدت في إثر كاسات

كأن نرجسها من حسنه حدق

               في خفية تتناجي بالإشارات

كأنما النيل في مر النسيم به

         مستلئم في دروع سابريات

ولابن الزنبقي المصري في دير القصير ، وكثيرا ما نظم فيه الشعراء :

حسرة في القلب ما اقتلها

              كأنها في القلب أطراف الأسل

كم وكم من ليلة أحييتها

               يا صاحبي بالدير في خير محل

دير القصير الفرد في صفاته

              يا من رأي الجنة في رأس جبل ؛ الخ

وأستاذنا أحمد أمين يذكر أننا امضينا مع بعض الأصحاب يوما وليلة في اديار وادي النطرون فلم تذكرها في شعر ولا نثر : !

ولعمارة اليمني قصيدة يصف فيها دار بدر بن رز بك ، منها :

وسقيت من ذوب النضار سقوفها

                  حتي لكاد نضارها أن يقطرا

لم يبد فيها الروض إلا مزهرا

                   والنخل والرمان إلا مثمرا

وبها من الحيوان كل مشهر

                  ليس الوشيح العبقري مشهرا

وكأن صولتك المخوفة أمنت

              أسرابها ألا نراع وتذعرا

أنشأت فيها للعيون بدائعا

                      رفت فأذهل حسنها من أبصرا

فمن الرخام مسيرا ومسهما

                    ومنعما ومدرهما   ومدنرا

والعاج بين الأبنوس كأنه

أرض من الكافور تنبت عنبرا الخ

وهي قصيدة طويلة جيدة . وكذلك افتن شعراء مصر في وصف رياضها ورباحيتها وثمارها ، وتفكهوا بذكر اطعمتها ، ولا سيما الكنافة والقطائف .

أهدي ابن نياتة المصري كنافة مخنقة ( محشوة ؟ ) وكتب :

يا سيدي جاءتك في صدرها          كأنها روحي في صدري

كنافة بالحلو موعودة                  كما تقول : العسل المصري

قد خنقتني عبرتي كاسمها             وبادرت من خلفها تجري

ما خرج الفستق من قشره           فيها وقد اخرجت من قشري

ونشرها من طيها لم يفح           فاعجب لسوء الطي والنشر

فانظر لهذه الدعاية المصرية التي تمثل بيئتها . وأما الأحداث السياسية والاجتماعية فقد كانت كما هي اليوم ، مستبق الشعراء ، حتى ضمنت كتب التاريخ

فضلا عن كتب الأدب كثيرا منها .

فأحداث الدول الطولونية والإخشيدية والفاطمية ودولة المماليك والحروب الصليبية ، قد سجل الشعراء كثير منها ، حتى الشعراء الطارئون على مصر كأبي نواس وأبي الطيب . ذكر أبو نواس ثورة أهل الحوف وما فعله الخصيب لاخضاعهم . وذكر ان الطيب ثورة شبيب الخارجي وابدع في وصفها ، وعظم قصيدة رائعة حينما اصطلح كافور وأنوجور بن الإخشيد بعد تنافر .

ومن يتصفح دواوين شعراء مصر ، وهي لم تتلى حظها من العناية حتى اليوم ، ويطلع على كتب التاريخ المصري يعرف كيف تغلغل الشعر في معايش الناس ، مسراتها وأحزانها وجدها وهزلها

ويضيق هذا المقال عن إجمال القول في شعراء العراق والشام ، ومشاركتهم في الواقعات الإجتماعية ، وافتنائهم في وصف البيئات الطبيعية والصناعية التي عاشوا فيها فموعدنا بهذا ، العدد الآتي إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية