الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 368الرجوع إلى "الثقافة"

(٤) الأشعار الأندلسية، وأثرها في الأشعار الأوربية، رأي المدرسة الأسبانية

Share

ثم يمضي ربيرا في المقارنة بين الأشعار الأندلسية الأسطورية والأشعار الفرنسية خطوة أخرى ، فيلاحظ أن إحدي الأساطير البروفانسية تزعم أن شرلمان طرد مرة من ملكه في فرنسا ، فذهب يلتمس العيش في بلاط أحد الأمراء المسلمين في أسبانيا وتزوج أخته ، وأن ملك المسلمين الذي يظهر في ملحمة رولان هو على التحديد صاحب سرقسطة الذي يظهر في قصة إزراق ، وأن " منت " أو " منتيل " الذي نراه في قصة إزراق ، نراه في الملاحم الخاصة بشرلمان تحت إسم أومنت Omont Aumont أولمنتOlmont- ويلاحظ كذلك أن كثيراً من مؤرخي الآدب الفرنسي يذهبون إلي أن الأساطير الفرنسية كتبت في النصف الثاني من القرن الثاني عشر ، أي في عنفوان عصر إنتقال عناصر الحضارة الإسلامية من إسبانيا إلي أوربا .

وكان من مستدن بيدال قبل ظهور أبحاث ربيرا يقول : " عبثاً تحاول أن تجد في أشعار الملاحم القشتالية آثاراً عربية " فاكتفى ربيرا بتنبيهه إلي أن ألفاظاً متواردة في هذه الملاحم كالغارة algara والدليل adalide والقاضي alcalde والمغفرalmofar والطلائع atalayaوغيرها كثير يثبت أثر المسلمين ولغتهم في صميم هذه الملاحم ، وأن الملك يختص نفسه بخمس الغنائم في هذه الاساطير ، وهذه قاعدة شرعية إسلامية ، ولفت نظره كذلك إلى تحجب كثير من النساء فيها ، ولم يزل يناقش العالم الفيلولوجي

الكبير حتى جمله يقول : " لابد من الوصول إلى الأشعار القصصبة الأندلسية ( يسميها الموريسكية ) ، والأشعار القصصية التي ظهرت في نواحي الحدود الشمالية حتى نعثر على هذه التأثيرات الإسلامية التي يشير إليها ربيرا في الشعر القصصي القشتالي " .

ويقول جلذالذ بالنثيا مزيداً في إيضاح نظرية أستاذه ربيرا " لا يمكن إنكار الأثر الإسلامي بأية حال : فإذا كان الناس لا ينازعون في أنه قد وجدت - وقتاما - أشعار جرمانية استعملها القوط الغربيون ، فإن وجود أشعار أسطورية بين المسلمين الأسبان أمر أكثر إحتمالاً ؛ وإذا كانت أوصاف المجتمع التي ترد في القصائد القشتالية تتفق مع أوصاف المجتمع الجرماني كما يصفها تاسبتوس ، فإن وجود ملامح عربية في هذه الأشعار أمر لا يقل إحتمالاً عن وجود الملامح الجرمانية . فالكرم ، ووجود نظام "الولاء" في الجيوش ، وروح الانتقام ، ودفع دية المقتول ، وشعور الشرف المرهف ، كل هذه صفات أصيلة في الخلق العربي . ولنصف إلي ذلك أن " السيد " عاش مع بعض ملوك الطوائف المسلمين ( حتى إسمه ، هو ترجمة للفظ العربي سيدي ) ، مما جعله يعامل المسلمين المنهزمين بكرم ظاهر كما يقرر بيدال نفسه ، ثم إن قصيدة السيد نشأت وتمت في مناطق الحدود الشمالية ، كل هذا يجعلاننا لا نستغرب وجود آثار إسلامية . فهل من المعقول أن الأثر الإسلامي في الأدب الأسباني يبدأ فقط في القرن الخامس عشر يظهور ما بين أيدينا من الأشعار الموريسكية الشمالية مع أن المسلمين وجدوا على هذه الحدود نفسها قروناً طويلة قبل ذلك ؟ "

ومهما يكن من الأمر - يقول جندذالذ بالنشيا مستطرداً - فإن الشعر الأسطوري القشتالي لابد أن يكون قد قلد نموذجاً جرمانياً أو نموزجاً إسلامياً أندلسياً ، فأما النموذج

الجرماني فقديم جداً ، ثم ، إنه وصل أسبانيا معدلاً بتاثيرات رومانية حدثت على مر قرون طويلة ، وأما النموذج الإسلامي الأندلسي فقريب مرتبط بالشعر الأسباني يرابطني الزمان والمكان .

-٣- ثم التفت وبيرا بعد ذلك إلي الأرجال الأنداسية ملتمساً فيها بعض البرهان على ما يقول ، وله في هذا الميدان آراء لطيفة لا بأس من تلخيصها ، وربما لم يجد القارئ المختص بالدراسات الأندلسية الآن في هذه الآراء كثيراً من الجديد ، ولكنه ينبغي أن يذكر أن ربيرا وصل إلي هذه الآراء سنة ١٩١٢ ، أي في زمن كانت معلوماتنا عن الأدب الأندلسي الشعبي لا تعدو بضع إشارات من دوزي : قبل أن يطلع ربيرا على كلام أبي الحسن بن بسام عن متقدم القبري وأصل الأزجال قال في بحث له سنة ١٩١٢ إنه لا يشك في أنه قد وجد عند الأندلسيين نوع من الشعر الشعبي ، وأن هذا الشعر الشعبي هو المفتاح الذي نصل به إلي كشف كثير من النواحي المغلفة في حياة الأندلسيين وفنونهم ؛ وبعد ثلاث سنوات أى في سنة ١٩١٥ عثر على الفقرة الهامة من " الذخيرة " التي يقول ابن تمام فيها إن أول من نظم الموشحات في الفطر الأندلسي هو مقدم القسيري الضرير ، وأنه كان ينظمها من أبيات قصار ، وأن معظم منظومانه من هذا الطراز لم يراع فيها دقة النظم ، وأنه كان يستعمل في نظمه ألفاظاً وعبارات مما يستعمله العوام : فكان يأتي بعبارة عامية ويجملها مطلعاً لمقطوعته ؛ ثم يفسح على منوالها ففرنين صغيرتين ، من غير مراعاة كبيرة للقاغية ثم يؤلفين بالعامية علي وزن وقافية جديدة يتبعهما بثلاث فقرات مماثلة للأولي في الوزن والقافية ، وعلى هذا المنوال يمضي في صياغة موشحته العامية .

وجاء بعد مقدم سعيد بن عبد ربه إبن عم الشاعر المعروف فوضع أزجالاً بالعامية الصرفة وتلاء الرمادي فجرد هذا النوع الشعري ، ونسج على منواله كثيرون ، ثم جاء أبو عثمان بن سعيد الحوت ، وأخذ يقلد القطعات الشرقية المعروفة بالمجالي ، وإرتفعت قيمة هذا النوع الشعري الشعبي حتى إن أبن هانئ نفسه وضع موشحات ، ولكن الظاهر أن الموشحات كانت أسعد حظاً عند الشعراء ، فلم يخل واحد منهم في القرن الخامس من نظمها والتبريز فيها ، حتى إننا نجد أبن اللبانه يمدح الرشيد بن المعتمد صاحب إشبيلية في موشحة لطيفة ، وأبا بكر شاعر المأمون صاحب طليطلة يبرع في نظم الموشحات وتذيع منظوماته على كل لسان في الأندلس ، وكذلك ينبغى أبو عبادة محمد بن عبادة بفضل بني صهاوح أصحاب المرية في موشحات رائقة .

لم يلبث هذا النوع من الشعر الموشح ومن الزجل أن شاع بين أهل الأنداس شيوعاً عظيماً ، وجد العوام في الزجل مطلبهم من الشعر ، فنبغ منهم كثيرون أخذوا يجولون البلاد جماعات يتقدون بأشعارهم ، وسماهم الناس ((الأصحاب)) وقد وصف المقري لنا هؤلاء الأصحاب بأنهم جماعات من الناس يميلون إلى اللهو والغناء والطرب ، يبرعون في النكات والفكاهات ، ويطوفون على الناس بأزجال فيها كثير من الفحش والمجون

نبغ في هذا الفن الزجلي كثيرون منهم أبن بقي الأبيض وأبو القاسم الحضرمي ، وأبو بقي وهو رجل إشتهر بمجدوله ولم يقتصر الزجل على هذا الشعر الفاحش المساجن ، بل شارك فيه كثيرون من أهل الوقار بأزجال لطيفة . وليس لدينا لسوء الحظ من هذا الإنتاج الزجلي الوافر إلا فقرات صغيرة وجزء كبير من ديوان زعيم الزجالين الأندلسيين أبي بكر بن قزمان الشاب ، وسنخصه بالحديث التالي .

( للحديث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية