الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 450الرجوع إلى "الثقافة"

٤ - الحملة الفرنسية، والنهضة المصرية

Share

التأثيرات "الغير مباشرة "

يهتم بعض المؤلفين بالبحث عن التأثيرات التي تجرى عن طرق " غير مباشرة " ، ويزعمون أن الحملة الفرنسية كانت شديدة التأثير جداً من هذه الوجهة ؛ لأنها أظهرت للملأ ضعف الدولة العثمانية ، وكسرت شوكة أمراء المماليك وقوت مكانة علماء الدين ؛ وكل ذلك ساعد على نشوء الفكرة الإستقلالية في البلاد ، وعُبد السبل أمام حركات النهوض والإنقلاب

غير أن جميع هذه الملاحظات تفقد قوتها فتنهار من نفسها عندما تدرس الأمور دراسة جدية ، بنظرات علمية ، متحررة عن سيطرة المزاعم الفرنسية .

فأولاً : إن ضعف الدولة العثمانية ، لم يكن من الأمور الخافية على الناس قبل الحملة الفرنسية ، فالانكسارات الفظيعة التى كانت منيت بها الجيوش العثمانية في حروبها الأخيرة مع الجيوش الروسية كانت تعلن ذلك للملأ بأوضح شكل وأجلى بيان .

ومن المعلوم أن آثار هذا الضعف كانت قد تجلت في الميادين المصرية نفسها ، عند ما قام على بك الكبير على الدولة العثمانية سنة ١٧٧١ ، وقد أعلن الموما إليه إستقلاله عن الدولة ، وطرد الوالي العثماني من مصر ، ثم أرسل جيشاً لفتح اليمن والحجاز ، وإستولى عليهما بسهولة ، وصار يلقب بلقب " سلطان مصر وخاقان البحرين " ثم أرسل قوة عسكرية أخرى لفتح بلاد الشام ، كما أوفد مندوبين للمفاوضة مع البندقية وروسيا ، بنية عقد محالفات تضمن مصالح الطرفين وقد حدث كل ذلك ، قبل مجيء الحملة

الفرنسية إلي مصر بمدة تزيد على ربع القرن . ويجب ألا يغرب عن البال في هذا الصدد ، أن أمثال هذه الحركات الأنفصالية والأستقلالية ، كانت تحدث فى مختلف أقسام البلاد العثمانية ، من حين إلى آخر . فقد قام ولاة عديدون - بعضهم في القسم الأوربي من أراضي الدولة ، وبعضهم في القسم الآسيوي منها - يعلنون إنفصالهم عن الدولة العثمانية ، ويستقلون في إدارة شئون ولاياتهم إستقلالاً تاماً ، ثم يسعون إلى توسيع دوائر أحكامهم هذه ، بالاستيلاء على الولايات المجاورة لولايتهم الأصلية . والتواريخ العثمانية تذكر بإسهاب تفاصيل الثورات التى قام بها أحد الولاة في أقصى الغرب من ولايات البلقان ، وحاكم ثان على ضفاف الدانوب ، وثالث في بلاد ما بين النهرين .

ولا حاجة إلى القول بأن حدوث ثورة علي بك الكبير في مصر قبل الحملة الفرنسية ، وحدوث ثورات عديدة في مختلف أقسام البلاد العثمانية - بعد الحملة الفرسية على مصر ، وقبل قيام محمد على باشا في مصر -...مما يدل دللالة قاطعة على أن عوامل قيام هذه الثورات وهذه الحركات الإنفصالية ، تعود إلى أحوال الدولة العثمانية ، ولا تمت بصلة ما إلى الحملة الفرنسية .

وأما القول بأن الحملة الفرنسية قوت نفوذ علماء الدين وساعدت بذلك على إستقلال مصر ، فذلك أيضاً من الأقوال التي لا تستند إلى أي أساس صحيح .

فإن التواريخ العثمانية تشهد على الدوام بأن علماء الدين كانوا يتمتعون بنفوذ قوي جداً ، حتى في عاصمة الدولة نفسها . والتواريخ المصرية أيضاً تعطي أمثلة كثيرة على نفوذ العلماء ، وتأثيرهم في شئون الحكومة والشعب ، قبل الحملة الفرنسية بمدة طويلة .

فإننا نجد أدلة قطعية على ذلك ، في يوميات الجبرتي أيضاً .

يصف الجبرتي - بين وقائع سنة إحدى وتسعين ومائة ألف - تفاصيل النزاع الذي قام بين مشايخ الأزهر وبين أمراء المماليك ، ويبين كيف أن هذا النزاع إنتهى بإنتصار العلماء على الأمراء .

ومن المفيد أن ننقل هنا بعض الأسطر مما كتبه الجبرتي في هذا الصدد :

" ... وصل الخبر إلى الشيخ الدردير وأهل الجامع . فاجتمعوا في صبحها ، وأبطلوا الدروس والإذان والصلوات ، وقفلوا أبواب الجامع . وجلس المشايخ بالقبلة القديمة ، وطلع الصغار على المنارات يكثرون الصياح والدعاء على الأمراء ، وأغلق أهل الأسواق القريبة الحوانيت . وبلغ الأمراء ذلك فأرسلوا إلى يوسف بك فأطلق المسجونين.

"...ذهب إلي إبراهيم أغا طائفة من مجاوري المغاربة وتبعهم بعض العوام ، وبأيديهم العصي والمسارق ، وضربوا أتباع الأغا ورموهم بالأحجار (١) ".

ويصف الجبرتي - بين وقائع سنة تسع ومائتين وألف - ما حدث بين الشيخ الشرقاوي وبين محمد بك الألفي بتفصيل تام .

فيجدر بنا أن نقرأ بإمعان بعض الأسطر مما كتبه الجبرتي حول هذه القضية :

" إن الشيخ الشرقاوي له حصة في قرية بشرقية بلبيس حضر إليه أهلها ، وشكوا من محمد بك الآلفي ، وذكروا أن أتباعه حضروا إليهم وظلموهم وطلبوا منهم ما لا قدرة لهم عليه ؛ وإستغاثوا بالشيخ . فاغتاظ الشيخ الشرقاوي من ذلك . وحضر إلي الأزهر وجمع المشايخ ، وقفلوا أبواب الجامع . وأمروا الناس بغلق الأسواق والحوانيت . ثم ركبوا في ثاني يوم ، وإجتمع عليهم خلق كثير من العامة ،

وتبعوهم إلى بيت الشيخ السادات ، وإزدحم الناس على بيت الشيخ ...

فقالوا : نريد العدل ، ورفع الظلم والجور ، وإقامة الشرع ، وإبطال الحوادث التي أبدعتموها وأحدثتموها (١) .

ويظهر من التفاصيل التي يذكرها الجبرتي في يومياته بعد هذه الأسطر - والتي يؤيدها المؤرخ الرسمي العثماني جودت باشا في تاريخه المشهور : أن الآزمة التي بدأت بهذه الصورة ، قد إستمرت ثلاثة أيام ، جرت خلالها مفاوضات ومناقشات كثيرة . وفي الأخير توسط الوالي بين الطرفين ، وحملهما على إنهاء الخلاف ، بعد أن تعهد الأمراء " أن يسيروا في الناس سيرة حسنة " وبعد أن وقعوا على وثيقة مكتوبة في هذا الشأن .

ويصف الجبرتي إنتهاء الأزمة بهذه العبارات والتفاصيل التى تستوقف الأنظار :

" رجع المشايخ وحول كل واحد منهم وأمامه وخلفه جموع عظيمة من العامة ، وهم ينادون : حسب ما رسم سادتنا العلماء ، بأن جميع المظالم والحوادث والمكوس بطالة في مملكة الديار المصرية " (٢).

حدثت هذه الحوادث الهامة قبل وصول الحملة الفرنسية إلي مصر . وقبل إحتكا كها بالعلماء أو الأمراء .

أفليس من الغريب أن يعزو البعض - مع كل ذلك - إلي الحملة الفرنسية تأثيراً قوياً في " تقوية سلطة علماء الدين ، وكسر شوكة أمراء المماليك ، وأن يتخذوا ذلك برهاناً على خدمة الحملة الفرنسية للنهضة المصرية ؟

الحملة الفرنسية ومحمد على باشا :

من أغرب الأدلة التي إبتكرها بعض المؤلفين لتأييد النظرية التي نبحث فيها ، قولهم :

" إن الإصلاحات التي قام بها محمد علي باشا في مصر ، كانت ملهمة من أعمال الحملة الفرنسية وأغراضها . . "

وقد قرأت في أحد المؤلفات العربية المشهورة عن " تاريخ مصر الحديث " العبارات التالية ، بحروفها:

" نشأ محمد علي باشا في كنف الحملة الفرنسية . وقد فطن إلى أغراضها ، فعول على تحقيقها وتكوين دولة كبرى مستقلة في آسيا وأفريقيا ، تكون مصر قاعدتها..."

يلاحظ أن الأحكام والمزاعم التي تتضمنها هذه العبارات مهمة وخطيرة جداً :

(أ) أن محمد علي باشا الذي أسس الدولة المصرية الحديثة ، وبعث روح النهضة فيها ، إنما نشأ في كنف الحملة الفرنسية .

(ب) ولهذا السبب ، فطن إلى أغراض هذه الحملة فعول على تحقيق هذه الأغراض .

(ج) أما أغراض هذه الحملة الفرنسية وأهدافها ، فكانت سامية جداً ؛ لأن إنهاض مصر ، وجعلها قاعدة الدولة كبرى مستقلة ، تبسط جناحيها على قارتي آسيا وأفرقيا كان من جملة هذه الأغراض السامية .

أنا لا أستطيع أن أن أتصور مثالاً أوضح وأفصح من هذا المثال ، لتبيان عمق " سهواة الغلط " الذي تنزلق إليه أقلام المؤلفين والمؤرخين عندما يعتمدون على ما يكتبه " أصحاب الأغراض من الأجانب " ، دون أن يشعروا بما في ذلك من خروج على الحقائق الثابتة ، وتخليط بين الوقائع الراهنة

وهل من حاجة إلى التذكير بأن محمد على باشا إنما ذهب إلى مصر مع القوى العسكرية التي أرسلت إليها بغية طرد الفرنسيين منها ؟

وهل من حاجة إلى التأكيد بأن ذلك كان في السنة الأخيرة من السنين التي قضتها الحملة الفرنسية في الديار المصرية ؟

ولا شك في أن كل من يلاحظ هذه الحقائق الثابتة يفهم بداهة : أن محمد علي باشا لم يتصل بالحملة المذكورة - وبرجالها - إلا في ساحات المحاربات الأخيرة ، وفي مواقف المخاصمات العنيفة .

فكيف يجوز أن يقال - مع ذلك - إن محمد على باشا نشأ في كنف الحملة الفرنسية ؟

وكيف يجوز أن يبنى على مثل هذه الأسس الواهية نظرية تتعلق بمنابع وعوامل النهضة المصرية بوجه خاص والنهضة العربية بوجه عام ؟ !

خلاصة القول وخاتمة البحث :

وخلاصة القول : أنني لم أصادف بين جميع الدلائل والبراهين التي قرأتها في الكتب المختلفة أي برهان منقول ، يؤيد - بصورة منطقية - الرأي القائل بأن الحملة الفرنسية كانت من العوامل الفعالة في النهضة المصرية .

يظهر أن هذا الرأي إستولى على الأذهان ، من جراء إعتماد المؤلفين المؤرخين على ما كتبه بعض الفرنسيين في هذا المضمار .

ولا حاجة إلي للقول بأن هؤلاء الفرنسيين كانوا كتبوا ما كتبوه في هذا الشأن ، ومدفوعين بنزعة التبجح والمباهاة . إنهم كانوا يعملون بذلك على إشباع غرورهم القومي ، دون أن يلتفتوا إلي الحقائق والوقائع التي تناقض مزاعمهم هذه مناقضة تامة .

وقد تبنى بعض المؤلفين المصريين هذه الآراء والمزاعم - المنشورة في الكتب والمجلات الفرنسية - قبل درسها درساً إنتقادياً وتمحيصها تمحيصاً علمياً . ثم أخذوا يبحثون عن أدلة جديدة ، تدعم هذه الآراء وتؤيد هذه المزاعم ، التي كانت قد تسربت إلى أذهانهم قبلاً .

وبعد ذلك ، إقتدى بهم عدد كبير من المؤلفين في

مختلف الأقطار العربية ؛ وشاعت هذه الفكرة - بهذه الصورة - شيوعاً غريباً . .

وأما أنا ، فأستطيع أن أؤكد الآن - بعد الأبحاث الإنتقادية التي سردتها آنفاً- أن علاقة النهضة المصرية بالحملة الفرنسية . لاتتعدى قط حدود العلاقات الزمنية. ومن المعلوم أن أمثال هذه العلاقات ، لاتدل على الأسباب والمسببات .

إن كل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد - بصيغة التأكيد - يتحصر فيما يلى : " أن النهضة المصرية ، حدثت بعد الحملة الفرنسية " .

لا يستطيع أحد أن ينكر ذلك أبداً . ولكن . هل يستطيع أحد أن يدعي - مع ذلك - أن المدة المقصودة من لفظة " بعد " كانت قصيرة إلى درجة تستدعي البحث والإهتمام ؟ حتى ولو كانت هذه المدة قصيرة ، بل ضئيلة ، هل يستطيع أحد أن يستنتج من ذلك - بطريقة منطقية - أن الحملة الفرنسية كانت من عوامل النهضة المصرية ؟

من المعلوم أن حدوث حادثتين من الحوادث في وقت واحد - أو في أوقات متقاربة متتالية - لا يكون مبرراً للمحكم بأن إحدى الحادثتين كانت من العوامل والمسببات التي أوجدت الأخرى . إذ من الممكن أن تحدث كل واحدة من الحادثتين من جراء أسباب خاصة بها ، مستقلة عن الأسباب الوجبة للأخرى ؛ كما أنه من الممكن أن تحدث الحادثتان من جراء عامل مشترك بينهما ، يستوجب حدوث الحادثتين في وقت واحد أو في وقتين متقاربين .

كلنا نعلم - مثلاً - أن عودة الخطاطيف واللقالق إلى البلاد المعتدلة ، وتورق الأشجار وتزهرها في تلك البلاد ، من الأمور التي تحدث عادة في وقت واحد ، فهل يخطر على بال أحد منا أن يدعي - بناء على ذلك : أن تورق الأشجار حدث من جراء عودة الخطاطيف ، أو بالعكس أن عودة الخطاطيف كانت نتيجة من نتائج نضج الأشجار ؟

وكلنا نعلم - كذلك - أن الديك يصبح - عادة - قبل طلوع الشمس . فهل يخطر على بال أحد منا أن يستنتج من ذلك : أن صياح الديك هو السبب الموجب لشروق الشمس ؟

إن السؤال الأخير ، يذكرني بالأسطورة التى خلدها " أدمون روستان " في تمثيليته المشهورة :

بتوهم الديك بأن الشمس تشرق بناء على صياحه هو ، فينتفخ زهواً وغروراً على سائر الحيوانات ، عند ما يشهدهم على أن الشمس قد أشرقت فعلاً ، تلبية لندائه !

أنا لا أستغرب أبداً ، أن يتوهم بعض الكتاب - من أبناء فرنسا - " أن الحملة الفرنسية خدمت النهضة المصرية " ولا أستغرب كذلك أن يتباهى هؤلاء بهذه الخدمة الموهومة ، مباهاة الديك الآنف الذكر الذي يرمز إلي أجدادهم الغاليين .

غير أني أستغرب إستغراباً شديداً ، كيف يظهر بين كتاب العرب من يشارك ذلك الديك أوهامه ومزاعمه ، فينبري للتمسح بذكر نعمه وأفضاله .

لأني أعتقد كل الأعتقاد - بناء على الدلائل التي إستعرضتها آنفاً - : أن العلاقة التي تربط النهضة المصرية بالحملة الفرنسية ، هي من نوع العلاقات التى تربط طلوع الشمس بصياح الديك ! ...

اشترك في نشرتنا البريدية