قد يعرض علينا الفنان صورة الحياة الشعبية الخشنة فنطرب لها ، وتلذ جمالها ؛ تطرب لصورة الراعي يسوق غنمه ، أو الصائد ينشر شباكه ، أو الفلاحة ترد الماء بجرتها ؛ ونطرب للقطعة الشعرية تقص قصة البدوي في خيمته ، وقد عرج عليه طارق مرمل الزاد معني بحاجته ، في ليلة من جمادي ذات أندية ، لا يبصر الكلب من ظلمائها الطبب ، ونطرب لقصائد " وردسورث " يصور فيها حياة الزراع في وديان "كمبرلاند " و " وستمور لاند " في انجلترا ؛ ونطرب للفصل التمثيلي يعرض علينا مجموعة من عوام الناس في ثيابهم الخلق ، وأشخاصهم التي تقتحمها العين ، وفي تفكيرهم الساذج وألسنتهم غير المصقولة ؛ تطرب لهذا وذاك ، ولعل مرجع هذا الطرب - كما يري " كولردج " واحد من أسباب ثلاثة : ) الأول ( كون الأشياء المعروضة طبيعية لم تغير من بساطتها يد التهذيب والتثقيف الاجتماعي الراقي ، والنفس الإنسانية - كما يظهر بالتجربة - ميالة إلي الإعجاب بما هو طبيعي ، بل نزاعة في كثير من أحوالها إلي التجرد من مظاهر العمران والرجوع إلي أحضان الطبيعة . ) والثاني ( أن روحا رفيقة خفية من معرفة الفنان وموهبته تسري تحت ذلك السطح الظاهري للمعرض الطبيعي ، فتمتزج به امتزاج الماء بالرياح ، وتزيده سحرا وتأثيرا . و ) الثالث ( إحساس بالسمو والرفعة يثيره في نفس القارئ ذلك التقابل المعروض عليه بين ما هو طبيعي خشن ، وما هو مصنوع رقيق : كما يطرب أهل الطبقات الراقية إذ يطلعون علي تقليد ناجح لآداب الطبقات الدنيا وأحاديثها وكالذي كان يفعله الملوك والأشراف في الزمان الأول إذ يحتفظون في بلاطهم بالمضحكين وذوي الغفلة ، بل الحاذقين في إدعائها ، والبارعين في تقليد أصناف الناس . ولكن ( وردسورث ) اختار الحياة المتواضعة الخشنة
مادة لقصائده - لا لسبب من هذه الأسباب الماضية بل لأن مشاعر القلب الأساسية - كما يقول - تجد في ذلك الميدان أرضا أنسب لنمائها ونضجها ، ولأن تأمل هذه الأحاسيس في بساطتها أيسر ، والتعبير الشعري عنها يجيء أكثر حياة وقوة . والواقع أن هذا المنزع جزء من ظاهرة أوسع عند " ورد سورث " ورفاقه الرومانسيين ، هي حب الطبيعة وتشخيصها ، والحديث إليها ، واستيحاؤها ما ضمنته من آيات وأسرار . ثم هي إلي جانب ذلك جزء من الثورة التي يشنها الجديد علي القديم ، والتي يسوق إليها مغالاة عصر من العصور في التزام قاموس شعري خاص ، وأوزان بعينها لا تقبل الزيادة ولا النقصان ، وسطحات شعرية تحلق في الآفاق العليا كأنما تستنكف أن تتخذ من الطبيعة ومظاهرها وأهلها الفطريين موضوعات لها . فصيحة " ورد سورت " - إذا - لم تكن إلا صيحة التمرد والإصلاح ، صيحة العدول عن النماذج المحفوظة المتكلفة ، والموضوعات الموغلة في آفاق التجريد . و " كولردج " يعرف لصديقه هذا الفضل ويشيد به في نقده في كرم وسخاء ولكنه يلاحظ أن أطرف قصائد صاحبه ، التي كان فيها مؤثرا إلي درجة كبيرة أو صغيرة ، لم تستمد أشخاصها من الحياة الخشنة كما يريد أن يفهمها " وردسورث " ، وأن العواطف واللغة التي افترض أنها نقلت عن عقول أولئك الأشخاص ومحادثاتهم إنما ترجع إلي ظروف وأحوال ليست مرتبطة ارتباطا ضروريا بخشونة العيش وسذاجته إن أفكار الزراع الرعاة من بعض وديان انجلترا - كما تعرضها تلك القصائد - ربما كانت راجعة إلي أسباب تنتج عنها في العادة نفس النتائج في كل ظروف الحياة في المدن والقري . و " كولردج " يعتبر من بين هذه الأسباب عاملين رئيسيين :
) الأول ( روح الاستقلال الذي يرفع الإنسان فوق مستوي العبودية والكد اليومي لمصلحة الاخرين ، لا فوق
ضرورة العمل وبساطة الحياة المنزلية المقتصدة . و ) الثاني ( تلك التربية الدينية القوية غير الطموح ، التي لم يعرف اصحابها من بين الكتب غير الكتاب المقدس ومجموعة الأناشيد الدينية ، وما أطرف الملاحظة التي يسوقها أحد الباحثين إذ يقول : " إن الرجل ذا التربية المحدودة ، قد يستطيع إذا كان ذا شخصية قوية مرهفة - ان يربي في نفسه بمداومة القراءة للكتاب المقدس ملكة من البلاغ جذابة مؤثرة لا يستطيعها أولئك المتعلمون الذين تطغي الألسنة المختلفة والعبارات المتكلفة على أسلوبهم فتفسده
غير أن الشاعر - كما يفهمه " كولردج " في رأيه الذي اسلفناء - ي تجة إلي اعمق ما في الحياة العقلية من صور ومشاعر ، وينقلها نقلا يهز النفس الإنسانية وما حباها الله من قدرات ومواهب فطبيعي - إذا - ان تقل ثقة ناقدنا بالحياة الخشنة ، وأن يري فيها عائقا لحياة المشاعر الصحيحة والعقل الفكر . وليست كل حياة خشنة عاملة ناصبة بميسرة للروح أن تحيا ناجحة سعيدة ، بل لا بد لذلك من ظروف اخري مساعدة من تربية أو حساسية فطرية ، حتى تستطيع هيئات الطبيعة وتغيراتها واحداثها ان تكون منبهة لها تنبيها كافيا . فإذا لم تكن هذه كافية للتنبيه والتنشيط تقلص العقل وتحجر ، وأصبح الشخص شهونيا أمانيا جافيا غليظ القلب .
ولعل معترضا يعترض هنا بأن الريفيين السويسريين واشباههم من الجبليين يمتازون بروح قوية من النشاط والعمل ، والحرص على التراث والوطن
وجواب " كولردج " على هذا ان ذلك إنما يرجع إلي نوع خاص من الحياة الزراعية تحت ظروف من الثروة تسمح بتنبيه الحس وتحصيل الآداب الجمهورية الحقيقية وليس ذلك راجعا إلي الحياة الخشنة على إطلاقها ، أو إلي خلو المعيشة من مظاهر التثقيف ، فإن من الجبليين الغلاظ العقل الجامدي الحس من تكون عندهم الجبال وكل
ما فيها من رهبة وجلال مجرد صور للعمى وموسيقى للصم .
يطيل " كولردج " في هذه النقطة إطالة ظاهرة ويكثر لها من الأمثلة وتحليلها لأنها تمس مبدأ اساسيا عنده في طبيعة الشعر ، فهو يعتنق - في إيمان قوي - تلك القاعدة التي وضعها ارسغلو من ان الشعر في جوهره مثالي عام يتحاشى كل العوارض ، وإذا طرق الأمور الفردية من طبقة او صفة او مهنة ،فانما يطرقها ليمثل بها الطائفة العامة ، وان أشخاص الشعر يجب أن يظهروا دائما في ثياب من الصفات المشتركة العامة ، لا الفردية الخاصة .
إن لغة الطبقات الدنيا إذا جردت من صفاتها وخشوناتها المحلية - كما فعل " ورد سورث " واعيد بناؤها لتوافق مقتضيات تأليف الكلام فإنها لن تختلف عن لغة أي رجل آخر ذي ذوق عام ، مهما كان متعلما أو مهذيا ، إلا حيث تكون التصورات التي يرغب الجاهل الجلف في التعبير عنها أقل عددا ، وأقل تميزا ؛ فالشخص الخام لنقص تطور ملكاته ، ولانحطاط مستوي ثقافته - يتجه نحو التعبير عن الحقائق المنعزلة التي كسبها من تجربته المحدودة او اعتقاده التقليدي ، على حين ان الرجل المثقف يتجه إلي البحث والتعبير عن روابط الأشياء وأثر الحقائق بعضها في بعض مما تستنتج منه القوانين العامة ، فإن قيمة الحقائق عند الرجل العاقل إنما هي في إيصالها إلي القانون العام ؛ وما القانون العام إلا الوجود الحقيقي للأشياء ، والحل الوحيد لمسائلها ، وفي معرفته شرف الإنسانية وقوتها الحقيقية
ولا يستطيع " كولردج " أن يوافق " ورد سورث " فيما زعمه من أن احسن أجزاء اللغة إنما يشتق من الموضوعات التي يتصل بها عوام الناس وأرباب الحرف والمهن في حياتهم اليوم اليومية . فلكوردج على ذلك جوابان : ) الأول ( أنه إذا كان الاتصال بالشئ يستلزم معرفته إلي درجة تجعل من الممكن التأمل فيه تأملا مميزا ، فإن
معرفة الجلف غير المتعلم بما حوله من الأشياء لا تمده إلا بقاموس من التعبير ضئيل جدا ؛ ذلك لانه لا تتجدد في تفكيره إلا الأشياء المألوفة وصفات الأعمال التي تتطلبها حاجاته الجسمية ، أما ما عداها من الطبيعة فيبقي التعبير عنه مقصورا على عدد قليل من الألفاظ الغامضة المختلطة في ذهنه .
) الثاني ( أن هناك طوائف من العجماوات لها أصوات مميزة تستطيع بها أن تلفت الآخرين إلي مطالبها من طعام ومأري وأمن ، ومع ذلك نتردد نحن في أن نسمى مجموعة هذه الأصوات لغة ؛ وإن أحسن أجزاء اللغة الإنسانية إنما يشتق من التأمل في أعمال العقل الإنساني نفسه ، وهذا يتألف من استخدام رموز ثابتة - استخداما اختياريا - للتعبير عن الخطوات الداخلية للعقل وعن عمليات الخيال ونتائجه ، وهذه لا يشعر الرجل غير المثقف بالجزء الاكبر منها ، على حين أنك تجد معظم غير المتعلمين في الجماعة المتمدنة يشاركون في هذه الألفاظ بالتقليد أو الحفظ لما يسمعونه من معلميهم الدينيين وأولي الزعامة فيهم ؛ ولو تتبعنا تاريخ التعابير التي يستعملها الفلاحون الأوربيون في حياتهم اليومية لدهش من لم يكن يعلم لكثرة عدد الألفاظ التي كانت - منذ ثلاثة قرون أو أربعة - وقفا علي الجامعات والمدارس في أوربا ، والتي انتقلت في مبدأ حركة الإصلاح من المدرسة إلي المنبر الديني ، ثم انتشرت بالتدريج في الحياة العامة
إن لغة كل شخص تختلف حسب مقدار معرفته . ونشاط ملكاته ، وعمق أحاسيسه أو سرعتها ؛ ثم تختلف ايضا حسب الخصائص المشتركة للطائفة التي ينتمى إليها ، وحسب الكلمات والتعابير التي ترد في الاستعمال العام لبيئته الواسعة ، فأي هذه النواحي يعني " وردسورث " حينما يصف اللغة التي يستعملها في شعره بأنها هي اللغة
تحقيقية (real)وانها لغة الحياة الحقيقية ! ذلك غموض تنبه له " كولردج " من مبدأ الأمر ووجد فيه واحدة من الثغر التي ينفذ منها إلي مهاجمة نظرية صاحبه . وعنده ان كلمة ) real( هنا لا محل لها ، وانه يجب أن تأخذ مكانها كلمة أخري أو تعبير آخر مثل " اللغة العادية " أو " اللسان الشائع " مثلا
أما القيد الذي أضافه " ورد سورث " وهو أنه سيستعمل اللغة الحقيقية المناسب " وهم تحت تأثير حالة خاصة من الهزة والتأثر " فذلك لن يقدم الموضوع كثيرا ، إذ أن طبيعة كلمات الشخص الواقع تحت تأثير حالة مثيرة من الفرح أو الحزن أو الغضب . . إنما تتوقف بالضرورة علي ما اختزن عقله من قبل من حقائق عامة وتصورات واخيلة وكلمات تعبر عن هذه ، كيفا وكما ، فالانفعال أو التأثر لا يخلق جديدا ولكنه يزيد نشاط الموجود .
وعلي هذا فالشعر - كما يفهمه " كولردج " لن يجد في مظاهر الحياة الخشنة جوه الذي يحلق فيه ، أو موضوعه الذي يجري فيه قلمه بالخلق والتصوير ؛ وإذا قصصنا حواشي تلك الحياة وهذبتا جواسها ) كما فعل وردسورث ( خرجت - إذا - عن أن تكون حياة خاصة كالذي يزعمه وكثير من مظاهر الحياة التي يصفها " ورد سورث ( في قصائده إنما ترجع طرافتها لمظهري الاستقلال والتدين عند الزراع الانجليز ، وهاتان صفتان مشتركتان لا خاصتان ؟ والشعر أخو الفلسفة بجانب ما هو فردي خاص ، وبتجه إلي ما هو مثالي عام ) * ( ) للكلام بقية (

