تحتم اليوم حديثنا عن المتحف الذى أنشأه فى عاصمة اليونان المسيو أنطوان بناكى ، بعد أن عاش فى مصر مدة طويلة ، أتيح له فيها أن يجمع جزءا كبيرا من المجموعة الأثرية الاسلامية المعروضة فى هذا المتحف . ونأتى ببعض صور من التحف النفيسة فى هذه المجموعة ، بينها علبة نحاسية جميلة مطعمة بالفضة ، وعليها نقوش نباتية جميلة ، وعبارات بالخط النسخى ، منها (( الجد الصاعد )) ، و (( العز الدائم )) ، وما إلى ذلك من العبارات الدعائية التى ألفناها فى الفنون الاسلامية . وقد كانت مدينة الموصل فى بلاد الجزيرة أعظم المراكز الفنية لصناعة التحف المعدنية فى العالم الاسلامى فى القرنين السادس والسابع بعد الهجرة ( ١٢ - ١٣ م ) ونبغ صناعها فى تعليم البرونز والنحاس ( أى تكفيتها ) بالفضة والذهب . وانتقل هذا الأسلوب فى الزخرفة إلى سائر أنحاء العالم الاسلامى . وكانت الرسوم فى التحف المعدنية النفيسة تتكون من أشرطة أفقية فيها مناظر موسيقى ورقص وطرب وشراب وصيد ، وبينها كتابات عربية ، كوفية ونسخية ، وقد تنتهى بعض قوائم الحروف فيها برسوم آدمية وحيوانية . والمعروف أن معظم أولئك الصناع فروا من بلاد الجزيرة حين دهمها المغول فى منتصف القرن السابع الهجرى (١٣ م) ، فنزحوا إلى مصر وسورية ، حيث ازدهرت صناعة التحف المعدنية فى عصر المماليك .
وصفوة القول أن متحف بناكى مثال طيب
للمجموعات الفنية الجميلة ، التى يجود بها أصحابها على حكوماتهم ، فيكون لها شأن عظيم فى تثقيف الشعب وتربية ذوقه ، ونشر الفن بين طبقاته التى لا يتاح لها الدراسة فى الجامعات أو مدارس الفنون . والحق أن معظم المتاحف الأوربية قامت على مجموعات خاصة أهداها الأفراد إلى شعوبهم ، ثم كونوا لها الجماعات ترعاها ، وتجمع لها الأموال والتحف لتستطيع النمو والتطور فى سبيل الكمال الذى ينشده الجميع . أما فى مصر فلا تزال المتاحف عالة على الحكومة التى بنوه كاهلها بسائر المشروعات العمرانية والاجتماعية ! ! فلا عجب إذا رأيناها بعد ذلك ضيقة ، لا نستطيع أن تؤدى مهمتها فى تثقيف الشعب ، ولا تملك أن يكون لها من وسائل العرض والاضاءة وحفظ التحف وعلاجها والكتابة عنها ما نراه لمتاحف الغرب ومجموعاته الأثرية . فهل آن لمصر أن يكون لمتاحفها المختلفة جماعات تعنى بها وتعمل على نموها بشراء التحف اللازمة لها وزيادة النشاط العلمى فيها !

