الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 78الرجوع إلى "الرسالة"

٤ - بين القاهرة وطوس، طهران

Share

استرحنا بقية اليوم وزرنا بالليل دار المفوضية المصرية، ومر  وزير المعارف فترك بطاقاته للمندوبين، ووزع عليهم منهاج المؤتمر  وأوراق أخرى فيها دعوات إلى حفلات كثيرة، وعرفنا من  المنهاج أن أيام المؤتمر والحفلات خمسة عشر يوماً من الأربعاء  الرابع والعشرين من جمادى الثانية سنة ١٣٥٣   (٣ أكتوبر  سنة ١٩٣٤ - ١٢ مهرماه سنة ١٣١٣)  إلى يوم الجمعة عاشر  رجب. ومن ذلك ستة أيام في طهران، وثلاثة في مشهد، وستة  في الطريق بين مشهد وطهران ذهاباً وأوبة. وقد سجل في بيان  أعضاء المؤتمر اثنان وأربعون من ممثلي الأمم المختلفة، ومثلهم من  الإيرانيين. ومندوبو الأمم يمثلون ثماني عشر أمة بينها من أمم  الشرق: مصر والعراق وتركيا وأفغانستان والهند واليابان

وفي اليوم التالي بدئت أعمال المؤتمر بمدرسة دار المعلمين في  بهو فسيح صفت فيه مقاعد كثيرة، صفوفها الأولى لأعضاء المؤتمر

والأخرى للحضار من غيرهم. ووضع في صدر المكان تمثال  للفردوسي، ومنصة الرياسة، ومنصة الخطابة، واستمر اجتماع المؤتمر  خمسة أيام. وكان الموعد من الساعة التاسعة صباحاً إلى الواحدة  بعد الظهر. وزيدت جلستان في مساء اليومين الثالث والرابع  لكثرة مريدي الكلام من الأعضاء. وقد تكلم زهاء أربعين  قليل منهم من الإيرانيين، وترك بعض الإيرانيين الكلام ليفسحوا  مجال القول لضيوفهم

افتتح المؤتمر فروغي خان رئيس الوزراء، ولجنة الآثار القومية،  فشكر الوفود باسم الأمة الإيرانية، والحكومة، ولجنة الآثار على  ما أجابوا الدعوة وتحملوا مشاق السفر، وأبلغهم سرور جلالة  الشاه بقدومهم، وأنه سيقابلهم في طوس، وقال:

("يقول الشيخ سعدي (إن السفر لا يطول على قاصد الحبيب(١)   وإنما أجاب السادة الفضلاء دعوة الفردوسي. وإذا كان الداعي  هو الفردوسي أمكن أن نقول:   ((ليس في السفر الروحي بعد  عن المنازل)  ونحن مواطني الفردوسي الذين عهد إلينا شرف  الترحيب بكم نيابة عنه، نعرف أنكم كنتم على يقين مما تلقون من  المشقات الجسمانية، ولكن أرواحكم الكبيرة الكريمة قلبت  المحنة راحة بهمتها العظيمة. وأولت إيران يداً لا تنسى. أجل قد  حملتموناالمنن العظيمة، ولكن كان لكم الحق فيما حملتم أنفسكم  من مشقة، فإن الفردوسي إن تعلق بإيران جسماً فهو ابن الإنسانية  روحاً، بل أقول إذا أذنتم لي: إنه من آباء الإنسانية. وبعد، فقبيح  أن يتصدى جاهل مثلي لتعريف علماء أمثالكم بالفردوسي، فمن الخير  "ألا أشغل أوقاتكم النفيسة، وأن أفسح المجال لأعمالكم المفيدة))

ثم أعلن افتتاح المؤتمر، وأخبر أن علي أصغر حكمت كفيل  وزارة(٢) المعارف سيتكلم بالفرنسية، لأن بعض الحاضرين لا يعرف  الفارسية. فتكلم كفيل المعارف مبدياً سرور الإيرانيين وشكرهم  للعلماء الذين وفدوا للمشاركة في حفلات الفردوسي ثم قال:

" إن اجتماع هذا العدد من العلماء على اختلاف الأوطان دليل قاطع على ما قيل من ان بالعلم والادب لا وطن لها . فيما لمع نور هذه الموهبة الالهية اتجهت إليه النفوس المستعدة , والارواح

المشتاقة كالفراش، فيرون أنفسهم في هذه المرآة المشتركة بينهم  ويقولون: كنا متحدين، كنا جوهراً واحداً، كنا بغير أجسام  ورءوس، كنا جوهراً وضاءاً كالشمس، وكنا صافين كالماء.  فلما تصور هذا النور الجميل ظهرت أعدادنا ظهور الظلال على  الشرفات(١)

المؤتمر في احدى جلساته , ويرى على اليمين تمثال الفردوسي وقد ظهر من خلفه الدكتور عبد الوهاب عزام وأمامه الاستاذ هنرى ماسى

إن اهتمام الأمم العظيم بعيد الفردوسي الألفي، واحتفاءها به  في بلادها، وإرسال فضلاءها إلى قبر شاعر إيران برهان على أن  الأمم لا تختلف في الحقائق على رغم ظواهر الأمور. إن بين الأمم  اختلافاً في السياسة، والاقتصاد، والتجارة، والمعيشة، والآداب  والعادات - اختلافاً جعل العالم الحاضر مادياً ملؤه الشرور  والآفات، ولكن كلما لاحت للناس الأمور المعنوية والفوائد  العلمية والأدبية امحت هذه الاختلافات، وتجلى الوفاق والوئام -  ثم بين كفيل المعارف أن الاشتراك في مثل هذه الأمور أحسن

وسيلة إلى التقريب بين الأمم , وقال : لذلك أفتخر بأن أقول إن  اهتمام الأمة الايرانية بعيد الفردوسى , ودعوة الأمم إلى المشاركة فيه يعد فى الحقيقة خطوة إلى التفاهم الحقيقي بين الأمم وان يكن فى ظاهره ذا مقصد أدبى وتاريخى "

و بعد فراغ وزير المعارف من كلمته دعي الحاضرون الى انتخاب مكتب المؤتمر فكانت نتيجة الانتخاب :

الحاج محتشم السلطنة اسفنديارى  رئيس الأستاذ كريستنسون الدائمركى    نائب الرئيس الأستاذ زاره الألمانى           "     " الأستاذ هنرى ما تسى الفرنسى     منشى ( سكرتير ) الدكتور عبد الوهاب عزام المصرى   "    " ثم تلا الرئيس رسائل كثيرة من الحكومات والجامعات

تبين عن مشاركة الايرانيين فى الحفاوة بشاعرهم . ثم تكلم بعض المندوبين كلمات قصيرة ابانوا فيها عن سرورهم بالمشاركة فى هدا الاحتفال . وكان من المتكلمين الأستاذ عبد الحميد العبادى فتكلم بالعربية عن فضل الفرس على الأدب العربي , وألقى الشاعر الكبير الزهاوى قصيدة فارسية

ثم بدئت المحاضرات على ترتيب حروف الهجاء , فكان اول المتكلمين الأستاذ العبادي فتكلم عن الأخلاق فى الشاهنامه , واستمرت كلمته خمسا وعشرين دقيقة و تلقاها الحاضرون بالاستحسان . واقتبس منها بديع الزمان أحد أدباء إيران حينما تكلم عن الشاهنامه من بعده

وفي اليوم التالي تكلم سفير الروس، وترجمت كلمته إلى  الفارسية، وأهدى عن دولته كتباً وصوراً فارسية قيمة، ثم  خطب سفير الألمان، وقدم هدايا من الكتب منها فهرست  للشاهنامه، وأعلن منح بعض الجامعات الألمانية رئيس وزراء  إيران دكتوراه في الآداب، وانتخاب وزير المعارف عضواً في  جمعية المستشرقين الألمانية. ثم تكلم آخرون، وانتهت الجلسة  بإنشاد الشاعر الكبير الزهاوي قصيدة عربية(نشرت في الرسالة)

وفي اليوم الثالث كانت جلستان: في الصباح والعشي، وتكلم  ثمانية. وكنت ثاني المتكلمين في الصباح فألقيت بالفارسية كلمتي    (مكانة الشاهنامه في آداب الأمم)  في عشرين دقيقة. وقد  تفضل الحاضرون فأحسنوا استقبالي حينما قمت للكلام، وأحسنوا  الاستماع لي، ثم أبدوا استحساناً عظيماً حينما فرغت، وإني أدع  للجرائد الإيرانية الكلام، فإن القارئ المصري يهمه أن يعرف  ما قالت جرائد إيران في ذلك

قالت جريدة إطلاعات: ((ثم ألقى الدكتور عبد الوهاب عزام معلم الأدب الفارسي  والعربي بالجامعة المصرية، خطبة بالفارسية، وموضوعها مكانة  الشاهنامه في آداب الأمم، وقد بدأ كلامه بقوله. أنا لا أحسن  التكلم بالفارسية، ولكني لا أريد في حضرة هذا الشاعر الكبير    (وأشار إلى تمثال الفردوسي)  أن أتكلم إلا بلغة الشاهنامة - ولخصت الجريدة المحاضرة، ثم قالت-: وفي نهاية الخطبة أبدى  سروره بمشاركته هو وزميله في عيد الفردوسي باسم الأمة المصرية  والحكومة. وقدم إلى رياسة المؤتمر نسخة نفيسة من الشاهنامة

العربية التي أخرجها الدكتور عزام أخيراً، بعد أن صححها وعلق  عليها، وقدم لها مقدمة نفيسة جامعة، وطلب أن ترفع هذه  النسخة إلى الحضرة الهمايونية الشاهنشاهية. وكذلك قدم نسخة  إلى حضرة رئيس الوزراء، وأخرى إلى كفيل وزارة المعارف،  وكانا حاضرين. وقد قوبلت خطبته وعمله بتصفيق مديد. وحينئذ  تقدم إلى منصة الخطابة السيد حكمت كفيل وزارة المعارف،  وشكر الدكتور عزام على ما أظهر من عواطف المودة وقال:  (أشكر الدكتور عبد الوهاب عزام من جهتين: الأولى أنه تحمل  مشقة في ترجمة الشاهنامة وتصحيحها والتعليق عليها. والثانية  أنه تكلم بلغة الشاهنامة. يقول حافظ الشيرازي أن الترك  المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة. وأنا أقول أن العرب  المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة. والحق إن لساني قاصر  عن الشكر. والأستاذ عزام من أدباء الشرق الذين درسوا الفارسية  برغبة وعشق وكلف خاص، وإني أختم شكري بهذين البيتين  للشيخ سعدي:

(قلت لقلبي إن الناس يجلبون السكر من مصر فيهدونه إلى  الأحباء. فإن تكن يدي خالية من هذا السكر فعندي كلام  أحلى من السكر)(٢)

ولما جلس الدكتور عزام في مكانه من منصة مكتب المؤتمر  قال له الرئيس   (لقد أردت أن تثبت أنك أستاذ الأدب الفارسي  بحق)  اهـ

ثم توالى المتكلمون في اليومين الرابع والخامس، وأنشد  الشاعر الإنكليزي درينكووتر قصيدة وترجمها نظماً وأنشدها  في المؤتمر من بعد الشاعر الفارسي بهار الملقب بملك الشعراء.  وتكلم في اليوم الأخير الأديب أحمد حامد الصراف أحد مندوبي  العراق، فألقى بالعربية كلمة قصيرة جميلة تكلم فيها عن المودة بين  العراق وإيران

وكانت هذه الايام الخمسة مزدحمة يحفلات الغداء والعشاء ، ومشاهد اليمثيل والألعاب الرياضية ومشاهدة الاماكن العظيمة فى طهران . ونرجىء الكلام في ذلك الى المقال الاتى خشية الاطالة

اشترك في نشرتنا البريدية