الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 197 الرجوع إلى "الثقافة"

٤ - حديث رمضان، مستقبل الدين

Share

ما أثر هذه الحرب العالمية في الدين ؟ ما نوع الموجة التي ستسود العالم بعد الحرب ؟ أموجة دين أم موجة إلحاد ؟ وهذه المصائب العظمي - التي لم ير علي عالمنا مثلها - ما أثرها في الشعور الانساني ، أتقربه من الله أم تبعده عنه ؟

هذه الأسئلة وأمثالها شغلت بعض كبار العقول في أوربا ، من رجال دين ورجال اجتماع وعلماء نفس ، واجابوا عنها إجابات مختلفة ، وتنبئوا بالمستقبل تنبؤات متناقضة . فذهب فريق إلي أن العالم ستدينه اهوال الحرب ، لأن أوربا - قائدة العالم - عبدت العلم فأضلها ، وقدسته فكانت الويلات نهايتها ، قد لا تكون هذه الكوارث افة العلم ، لأن العلم آلة ذات حدين تستعمل في الخير والشر على السواء ، ولكن كان ينفع العلم لو ان الإنسان نمي شعوره كما نمي علمه ، وأحيا قلبه كما أحيا رأسه ، أما أن يعني الإنسان بعلمه ويترك قلبه ، ويستكشف مجاهل العلم ولا

يستكشف مجاهل القلب ، ويبني حياته اليومية ويؤسس سياسته العامة على العلم وحده دون القلب ، ويتقدم في العلم خطوات واسعة حتى ليكون الفرق بين علم اليوم وعلم الأمس شاسعا ، ثم لا يتقدم في قلبه قيد شعرة بل قد تأخر ، فاختلال في التوازن نشأت عنه هذه الكوارث ؛ كمن يمرن إحدي عينيه ويهمل الأخري فتتعمي ، فقد خلق الإنسان ولا ينتظم حاله إلا بالتوازن ، فإذا اختل توازنه شقي .

قالوا : سيدرك الانسان هذه النتائج كلها وأكثر منها بمنحته في هذه الحروب ، وسنكشف له عللها واسبابها ، وسيري أن الدواء في التوازن ، فينمي قلبه وشعوره كما تنمي رأسه وعلمه ، وإذ ذاك يلجأ إلي الدين ، فهو غداء القلب ، وسيري أن عبادة العلم والمادة تكشفت عن مآس مرعبة ، وان عبادة اللذة افقدت اللذة ، فلا ملجأ إلا إلي

الدين ، إلي الله ، إلي رحمته ، إلى عفوه ، إلي ان يسكب الدمع ليغفر له غفلته ثم يفتح صفحة جديدة لحياة جديدة

قال بعضهم : ولكن سوف لا تعود اوربا إلي الدين القديم بكل جملته وتفصيله ، فستدخل الحرب التعديل علي تفاصيل الدين ، كما ستدخله علي كل النظم الاجتماعية ، مسترشدة بأخطاء الماضي سيكون الدين متبعا لعواطف الإنسانية ، لا خادما لعواطف الوطنية ، سينزع الغرائز الوحشية الظامئة إلي الدم من قلب الإنسان ليحل محلها السلام العام ، والأخوة العامة ، يسوف ينكر الدين الجديد الشهوة في ملك الجار الضعيف ، واغتصاب الأمم غير المسلحة والشعوب الراغبة في السلام - إن الدين في شكله الحاضر قد فشل لانه قوي روح الشر ، واعان الظالمين على ظلمهم ،

وعلي اقل تقدير أفقد رجال الدين قدرتهم على قمع اتباعهم ، حتى أصبحت أوربا كلها مجزرة بشربة ، ثم سرت منها العدوي إلي العالم كله بباعث الكره والبغض وحب الدم وحب الانتقام ثم تقام الصلوات من كل جانب لنصرة جانبه ، لا لنصرة الإنسانية وفكا كلها من أسر الوحشية إن العالم كله اصبح الأن ركانا هائجا ، والإنسان يحصد حصدا بالملايين ، وكل يشعل النار ، وكل يحول ما وصلت إليه رمادا ، وكل يقلب الجمال قبحا ، وتعاليم الدين الحاضرة عاجزة عن أن تقف عينهم ، وتصد كيدهم .

إن مستقبل الدين لا لهذه التعاليم ، ولكن لتعاليم اخري تنفق وروح الدين الأساسية ، تعاليم مؤسسة على الحق ، على اخوة الإنسان للإنسان ، وإن اختلف في الجنس والدم واللغة والوطن والدين ؛ على انسجام الناس بعضهم وبعض ، وتبادل المنافع ودفع المضار ، على عدم التحزب لأي جانب مادي ؛ على عدم استغلال رجال الدين لصالح السياسة والاقتصاد ، على عدم إضاعة الزمن في بذر الحقود بين الشعوب لما بينهم من خلاف في الإقليم ، أو في العقيدة ، أو في اللغة

هذا هو الدين الذي سيسود الناس ، وهو الدين الذي ينسجم مع إرادة الله وفعله ، فهو خالق الناس جميعا ، وهو واهبهم نعمة على اختلاف جنسهم ومللهم والسنتهم وألوانهم ، مجري الهواء يستنشق منه الناس جميعا ، ومخرج النبات في كل أرض يأكل منه الناس جميعا ، ومحرك الشمس والقمر والنجوم تبعث ضياءها وحرارتها على الناس جميعا ، وواهب العقول والشعور والإرادة للناس جميعا ، فما بال دين الله لا يتبع سنة الله ، فينشر بين الناس جميعا الاخوة والمحبة والعدل والتعاون والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ؟

وتوقع متنبئون آخرون من الكتاب عكس ذلك تماما .

قالوا : إن هذا التخريب في العالم الذي لا حد له ، والضحايا بالملايين ، والويلات تصب على المحاربين وغير المحاربين ، والأيتام الذين فرق الموت بينهم وبين أبائهم ، والمصائب التي لا يحصيها عد ، ولا تقف عند شكل دون شكل ، كل هذه ستثير الشكوك في نفوس الناس فيصرخون من أعماق نفوسهم : " أين رحمة الله ؟ " وأين حبه لخلقه ؟ وأين الحكم العادل الذي يحكم به عباده ؟

ستهز هذه الأسئلة وأمثالها نفوس الناس فينكرون عقلا مدبرا ، وتقدما مستمرا ، وحاكما يوجه العالم لغاية ، وستبعث في النفوس الشك الذي يسلم إلي الإلحاد ، وسيزيدون إمعانا في المادية ، وسينصرف الجيل الجديد من الشبان وقد رأوا هذه المناظر وسمعوا هذه الاقوال عن ان يلتفتوا إلي بيوت العبادة أو إلي شعائر الدين ، وسيكون شعارهم : " دعنا نأكل ونشرب ونلهو ونلعب ، فغدا يطوينا الموت ، ويلقنا الفناء وفي مثل ذلك يقول طرفة :

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي

                         وأن أشهد اللذات ، هل أنت مخلدي ؟

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي

                                فدعني أبادرها بما ملكت يدي

سيقولون : إن كان الله يحب خلقه فأين الحب والوالدان الشيخان العاجزان يفقدان أولادهم في هذه الحرب ، والفتاة الناضرة التي تستقبل الحياة تفقد زوجها . والأم تفقد عائلها وحولها طفلها الرضيع وأولادها البائسون والأسرات لم تشترك في القتال تنزل عليها المدمرات فتأتي عليها ، فأين الرحمة ؟

وإن كان الله قادرا فلم لم يحبس الأرواح الشريرة في فماقم ؟ ولم لا يحصد أرواح باذري الشر والفساد ومثيري الفتن والحروب ، ويترك من عداهم فتستريح الدنيا ويسعد الناس .

من أجل هذا يتنبئون بكفر صارخ ، والحاد شامل .

ولكن ما اظن هذه النبوءة صحيحة ، فالإنسان من قديم يري هذه الكوارث ، وتثور فيه هذه الشكوك ، وهو بعد لم يفقد إيمانه

كل ما في الأمر أن الإنسان مع ما ناله من رقي في العقل والتفكير والشعور ، سيعدل نظره إلي الله ، وبدل أن يفقد إبنائه لهذه الاعتراضات يصحح تصوره لله ، ويتجلي له خطؤه في تصوره القديم

إن منشأ الغلط في تصور الله على هذا النحو هو تشخيصه ، وإسباغ صفات عليه تشبه صفاتنا ، ونسبة عواطف إليه تشبه عواطفنا ؛ من حب وكره وفرح وحزن ورحمة وانتقام نعم قد وردت هذه الألفاظ في كتب الأديان ، ولكن الجأها إلى ذلك قصور لغة الإنسان وعجزها عجزا تماما عن ان تصف ما لا يشبه الإنسان ومن ليس كمثله شئ ، قاله ليس مشخصا ولا هو إنسان ، ولا له عواطف الإنسان ، ولا يحب ويكره بالمعاني التي يشعر بها الإنسان ، فإذا قلنا إنه يسمع ويري فلسنا نعني أن له حواس كحواسنا ؛ وإذا

قلنا يحب ويكره ويرحم وينقم ، فلسنا نريد انه يعتريه انفعال كانفعالنا ، ولكن هي اللغة العاجزة ، واللغة المحدودة بحدود الإنسان .

إن الله يحكم العالم ويديره بقوانين عامة واسعة ، لا بأحكام جزئية ضيقة ؛ خلق الخلق وسيره على قوانين عامة ، فمن اعترضها ! إكتسحته ، وضع هذه القوانين وهو عالم بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ، وعالم بدنيانا ودنيا غيرنا ، وعالم بكوكبا والكواكب الآخر حولنا ، فمن ضيق النظر أن نطالب الله أن ينظر إلي جزئيتنا في بيتنا ، وإن تعارضت مع القانون الكلى . إن البستاني يقلم اشجاره ويقص حشائشه لأنه ينظر إلي البستان كلا

ولا اعتراض عليه إذ يضحي بالجزئي للكلي ؛ والأرض مرتبطة بالشمس والقمر ، ونبات الأرض مرتبط بحرارة الشمس ، ونمو الشاة متوقف على نمو النبات ، وحياة الإنسان مرتبطة بحياة النبات والحيوان ، وكل هذه مرتبطة بقوانين عامة ، وهذا ما أدركناه اليوم ، وما ثم يدرك أكثر مما أدركنا ؛ أفليس بعد من السخف أن تعترض على حادثة جزئية إذا كانت خاضعة لقانون عام يقرر المصلحة العامة ؟ أفليس من السخف ان نعترض على امتداد قضيب معين من الحديد والحرارة ، وهناك قانون عام يقضي بتمدد

الأجسام كلها بالحرارة ، وهذا القانون العام مرتبط بقوانين أخري عامة مثله اوأعم منه ؟ فمن ينظر إلي موت ابنه وحده أو قتل أسرة بعينها أو موت ملايين من الناس في حرب من الحروب كمن يعترض على البستاني لتشذيب بستانه ، أو يعترض علي تمدد حديدة بالحرارة ، نظر جزئي ضبق يعترض على نظر كلي شامل . فما جيل بالنسبة لأجيال ؟ وما عشرة ملايين بالنسبة لملايين الناس ؟ وما الأرض كلها لسائر العوالم ؟ إن الناظر من سطح الأرض غير الناظر من قمة جبل ، غير الناظر من طيارة ، إن النبتة تشكو الدودة وهي تمتصها ، والدودة تشكو العصفور

وهو يلتقمها ، والعصفور يشكو الصقر وهو يبتلعه ، والصقر يشكو الإنسان وهو يصيده ، والإنسان يشكو الموت يصيبه والله من ورائهم محيط ، لانه اعلم بقوانينه الواسعة الشاملة .

إن الله ليس من صفاته الرحمة فقط ، بل هو أيضا عادل حكيم منتقم ، له كل هذه الصفات وأكثر منها ، ولكل صفة مظهرها وتصرفاتها ، فمن الخطأ أن تقاس كل المظاهر بالحب وحده ، أو الرحمة وحدها .

إن للعالم غاية دبرها عقله ، فلا بأس بالضحايا مهما كثرت للوصول إلي غايته نزولا علي القوانين العامة التي تحكم العالم

ولعل من قوانينه العامة منح الإنسان حريته في الإرادة ، والجزاء الطبيعي الذي تنتجه أعماله ، ومسئولية الإنسان عن اخيه الإنسان ، كما تسأل خلية الجسم عن سائر الخلايا - إذن فلا حق من الشكوي ما دام هذا هو

القانون العام الذي يتعادل مع قوانين العالم العامة

وبعد ، فلماذا لا تكون النبوءة أن هذه الحرب بويلاتها تممم في الإنسان هذه الآراء ، فيعدل من نفسه حسب القوانين العامة التي بينها الله في العالم حتى يلائم بينه وبينها ، وينسجم معها ، ويشعر بالعقوبة الطبيعية فيتجنب إحداث الجرائم ، ويغير ما بنفسه من غرور بالقوة ، واعتماد علي المادة بعد ان تبين الفشل في الاعتماد عليها ، ويصحح تصوره لله حسبما أشرنا ، فيري ان الموت إن كان يبعث الحياة فهو خير ، وان العقوبة إذا اصلحت الجاني فهي رحمة وهي حب . نحن إلي هذا أميل ، والله بالمتستقبل عليم .

وإلي هنا تنتهي أحاديثنا في رمضان ، وكل عام والقراء بخير

اشترك في نشرتنا البريدية