مرضه
قال عبد الرحمن بن حرملة: رأيت سعيد بن المسيب فى مرضه يصلى مضطجعاً مستلقياً فيومئ برأسه إلى صدره إيماء، ولا يرفع إلى رأسه شيئاً
وقال أبو حازم: قال سعيد بن المسيب في مرضه الذى مات فيه: إذا ما متّ فلا تضربوا على قبرى فسطاطاً، ولا تحملونى على قطيفة حمراء، ولا تتبعوني بنار، ولا تؤذنوا بى أحداً، حسى من يبلغني ربى ولا يتبعنى
وقال عبد الرحمن بن الحارث المخزومى: اشتكى سعيد ابن المسيب فاشتد وجعه، فدخل عليه نافع بن جبير يعوده وهو مضطجع على فراشه، فأغمى عليه، فقال لمحمد ابنه: حول فراشه، فاستقبل به القبلة، ففعل، فأفاق فقال: من أمركم أن تحولوا فراشى إلى القبلة؟ أنافع بن جبير أمركم؟ فقال نافع: نعم، فقال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملة لا ينفعنى توجيهكم فراشى. وفى رواية: ألست امرأ مسلماً، وجهى إلى الله حيثما كنت؟
وقال زرعة بن عبد الرحمن: شهدت سعيد بن المسيب يوم مات يقول: يا زرعة، إنى أشهدك على ابنى محمد، لا يؤذن بى أحداً، حسبى أربعة يحملونى إلى ربى، ولا تتبعنى صائحة تقول فيّ ما ليس فيّ
وقال يحيى بن سعيد: لما حضر سعيد بن المسيب، ترك دنانير، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها حسبي وديني
وقال: دخلنا على سعيد نعوده، ومعنا نافع بن جبير، فقالت
أم ولده إنه لم يأكل منذ ثلاث فكلموه، فقال نافع بن جبير: إنك من أهل الدنيا ما دمت فيها، ولا بد لأهل الدنيا مما يصلحهم فلو أكلت شيئاً. قال: كيف يأكل من كان على مثل حالنا هذا بضعة يذهب بها إلى النار أو إلى الجنة. فقال نافع: أدع الله أن يشفيك، فان الشيطان قد كان يغيظه مكانك من المسجد. قال: بل أخرجنى الله تعالى من بينكم سالماً. ودخل المطلب بن حنطب على سعيد فى مرضه وهو مضطجع، فسأله عن حديث، فقال: أقعدونى، فأقعدوه فقال إنى أكره أن أحدث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع
وقد اختلفت روايات المؤرخين فى سنة وفاته، وتنحصر رواياتهم بين سنة ٩١ وسنة ١٠٥، على أن أكثر الأقوال تؤيد أن وفاته كانت سنة ٩٤
شىء من أقواله وفتاويه
قال: ما من تجارة أحب إليّ من البزّ، ما لم تقع فيه الأيمان
وقيل له: ادع على بنى أمية فقال: اللهم أعز دينك، وأظهر أولياءك، واخز أعداءك فى عافية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم
وقال على بن زيد: قال لى سعيد بن المسيب: قل لقائدك يقوم فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده، فانطلق فنظر فإذا رجل أسود الوجه، فجاء فقال: رأيت وجه زنجى وجسده أبيض. فقال: إن هذا سبّ هؤلاء الرهط: طلحة والزبير وعلياً، فنهيته فأبى فدعوت عليه وقلت: إن كنت كذابا فسود الله وجهك، فخرجت بوجهه قرحة فاسود وجهه !
وأدرك رجلاً من قريش معه مصباح فى ليلة مطيرة، فسلم عليه وقال: كيف أمسيت يا أبا محمد؟ قال: أحمد الله. فلما بلغ الرجل منزله دخل وقال: نبعث معك بالمصباح؟ قال: لا حاجة لى بنورك، نور الله أحب إليّ من نورك
وقال: ولا تقولن مصيحف ولا مسيجد، ولكن عظموا ما عظم الله، كل ما عظم الله فهو عظيم حسن
وكان يقول: لا خير فيمن لا يجمع الدنيا يصون بها دينه وحسبه ويصل بها رحمه
وكان يقول: الناس كلهم تحت كنف الله يعملون أعمالهم،
فإذا أراد الله فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه، فبدت للناس عورته
وكان يقول: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة
وكان يقول: من استغنى بالله افتقر إليه الناس وكان يقول: ليس من شريف ولا دنىّ ولا ذى فضل، إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغى أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه، وهب فضله لنقصه
وقال: يقطع الصلاة الفجور، وتسيرها التقوى وقال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله عزّ وجل، ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله، وكفى بالمؤمن نصرة من الله أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله
وقال ما أيس الشيطان من شىء إلا أتاه من قبل النساء وقال: يد الله فوق عباده، فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضعها رفعه الله
وقال: دخلت المسجد فى ليلة أضحيان، وأظن أنى قد أصبحت، فإذا الليل على حاله، فقمت أصلى، فجلست أدعو، فإذا هاتف يهتف من خلفى: يا عبد الله، قل. قلت: ما أقول؟ قال: قل: اللهم إنى أسألك بأنك مالك الملك، وأنك على كل شىء قدير، وما تشاء من أمر يكن. قال سعيد: فما دعوت بها قط بشىء إلا رأيت نجحه
وقال: إن الدنيا نذلة، وهى إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها يغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها فى سبيلها وكان يستفتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم ويقول: إنها أول شىء كتب فى المصحف، وأول الكتب، وأول ما كتب به سليمان بن داود إلى المرأة (بلقيس)
وقال حبيب بن هند الأسلمى: قال لى سعيد بن المسيب ونحن على عرفة: إنما الخلفاء ثلاثة: قلت: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر وعمر وعمر (يعنى عمر بن عبد العزيز) قلت: هذا أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن عمر؟ قال: إن عشت أدركته، وإن مت كان بعدك
وقيل له وقد نزل الماء فى عينه، ألا تقدح عينك؟ قال: عنى - على مَن - أفتحها؟
وقال: كنت بين القبر والمنبر، فسمعت قائلا يقول ولم أره: اللهم إنى أسألك عملاً باراً، ورزقاً دارًّا وعيشاً قاراً. قال سعيد فلزمتهن فلم أر إلا خيراً
وسأله عبد الرحمن بن حرملة قال: وجدت رجلا سكران، أفتراه يسعنى إلا أرفعه إلى السلطان؟ قال له سعيد: إن استطعت أن تستره بثوبك فاستره
وقال له برد مولاه: ما رأيت أحسن ما يصنع هؤلاء، قال سعيد: وما يصنعون؟ قال:له. يصلى أحدهم الظهر، ثم لا يزال صافاً رجليه يصلى حتى العصر. فقال سعيد: ويحك يا برد! أما والله ما هى بالعبادة، تدرى ما العبادة؟ إنما العبادة التفكر فى أمر الله والكف عن محارم الوقال: قلة العيال أحد اليسارين
وسئل عن قطع الدراهم فقال: هو من الفساد فى الأرض وسئل عن آية من كتاب الله فقال: لا أقول فى القرآن شيئاً وكان لا يكاد يفتى فتياً ولا يقول شيئاً إلا قال: اللهم سلمنى وسلم منى
وقال: من حافظ على الصلوات الخمس فى جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة
وسئل عن اللعب بالبرد فقال: إذا لم يكن قماراً فلا بأس وغضب سليمان بن عبد الملك (1) على ابن عبيد مولاه، فشكا إلى سعيد بن المسيب فكتب اليه: أما بعد، فان أمير المؤمنين فى الموضع الذى يرتفع قدره عما تقتضيه رعيته، وفى عفو أمير المؤمنين سعة للمسيئين فرضى عنه
(دمشق)

