انتهت الثورة العرابية بالفشل والهزيمة المنكرة ، وكانت الهزيمة الخلقية أقسى من الهزيمة الحربية ؛ فقد ذل أكثر قواد الحركة ، وتحول عنهم أكثر من يناصرهم ، وعدأت السمايات ندب ، وكل من كانت له خصومة مالية أو عائلية سعي في الإيقاع بخصمه ، بإتهامه بعمل من أعمال الثورة ، وامتلأت المجالس المشكلة للمحاكمة بالدعاوي والتهم ؛ وأخذ كثير ممن اشتركوا في الحركة يتبرعون مما قالوا وما فعلوا . ولئن استطاع كثير منهم أو حاول تبرئة نفسه ، فعبد الله نديم ليس بمستطيع شيئا من ذلك ، فخطبه لا ينساها أحد ، وأقواله مسجلة عليه في جريدة " الطائف " فلا بد إذا حوكم أن يحكم عليه بأشد العقوبات التي ستوقع على الزعماء ، وكان أغلب الظن أنها الإعدام .
لقد فكر عرابي هو ومن معه أن يطلبوا العفو من الخديو ، وكتبوا رسالة وبعثوها مع وقد إلى الإسكندرية لتقديمها إليه ، ثم بدا لهم أن يضيروا بعض نصوصها ، فبعثوا بصيغة أخري مع عبد الله نديم ؛ فلما وصل إلي كفر الدوار علم أن الخديو رفض العريضة الأولى ، وأمي بالقبض على بعض رجالها ؛ فعاد " النديم " إلي القاهرة وأيقن بالهلاك ، فأعد العدة للهرب والاختفاء ، وإذا به " فص ملح وذاب " . نجد الحكومة وتضع له الأرصاد ، وتوجه كل قوة للبحث عنه ؛ ويبعث كل من سلطان باشا ورياض باشا منشورا لرجال الإدارة بالجد والنشاط للعثور عليه ؛ وتعلن مكافأة ألف جنيه لمن يرشد عنه ، والعقوبة القصوي لمن يخفيه ، ويذهب كل ذلك سدي مدى نحو عشرة أعوام ، وهو في كل ذلك يحتال حيلا أين منها حبل أبى زيد السروجي في مقامات الحريري ، ويمثل روايات أين منها الروايات البوليسية المعروفة .
لقد أعيا الحكومة أمره ، فأصدرت عليه حكما غيابيا بالنفي المؤيد من القطر المصري .
ها هو أول أمره يذهب إلي بولاق ويختفي عند صديق له وفي أياما ، حتى يخف عنه الطلب ، فيخرج وقد ليس " زعبوطا " أحمر ، واعتم بعمامة حمراء ، وربط عينية بمنديل وأطال لحيته ، وأمسك بيده عكازا طويلا ، وتصنع أنه من مشايخ الطرق ، ونزل في سفينة مع خادمه إلى بنها ، فلم يقطن له أحد .
وجزع خادمه وكان أميا ، وأراد أن يرجع إلي أهله فأيقن " القديم " أنه إذا عاد انكشف أمره ، فأخذ بقرأ الجريدة يوما ، ثم فزع قائلا : " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " . فسأله الخادم عما أفزعه ، فقال " النديم " : إن الحكومة قد جعلت لمن يرشد عني ألف جنيه ، ولمن يأتيها برأسك خمسة آلاف . فخاف الخادم ، وأخذ يبالغ في التنكر أكثر من سيده ، واستراح من هذا الباب ، وظل معه طول مدة الاختفاء . وقال هو عن نفسه في هذه الفترة : " خرجت من مصر مختفيا قدرت في البلاد متنكرا ، أدخل كل بلد بلباس مخصوص ، وأتكلم في كل قرية بلسان يوافق دعواى التي أدعيها ، من قولي إني مغربى أو يمني أو مدني أو فيومي أو شرقاوي أو تجدي ؛ وأصلح لحيتى إسلاما يوافق الدعوى أيضا ، فأطيلها في مكان عند دعوي المشيخة ، وأقصرها في آخر عند دعوي السياحة - مثلا - وأبيضها في بلد ، وأحمرها في قرية ، وأسودها في عزية " فأحيانا كان اسمه الشيخ يوسف المدني ، وأحيانا الشيخ محمد الفيومي ، وأحيانا سي الحاج على المغربي ، وهكذا ؛ وأحيانا كان يجتمع بمن يعرفهم فكانوا يعجبون لأن المقدرة مقدرة النديم ، ولكن يختلف في الشكل والصوت واللهجة ، فيقولون : سبحان الله جل من لا شبيه له .
وساعد علي نجاحه في هذا الاختفاء أمور ، منها : مهارته في حيله ، وإتقانه لما يدعي ؛ فإذا ادعي أنه مغربى تكلم بلسان مغربي محكم ، أو مدنى فكذلك ادعي مرة وهو في القرشية - أنه عالم يمني ، وذاعت شهرته في العلم والأدب حتى بلغت القاهرة ، فأرسل إليه رياض باشا " سعد زعلول " ليسأله عن معني مثل ورد ذكره في بعض الجرائد ولم يفهم معناه ، فقابله على أنه عالم يمنى وفسره له (1) .
وكان من مهارته في اختفائه أنه رأي جد الحكومة في طلبه ، فاستعان برجل من الفرنسيين يعرفه ويثق به ، فأشاع عنه أن النديم هرب إلى " ليفورتو " في إيطاليا ، ونقلت هذا الخير جريدة الأهرام ، وصدق الناس ذلك وعنفت الحكومة رجال الضبط على إهمالهم حتى تمكن من الخروج ؛ فخف عنه الطلب ولم يكن كل ذلك إلا خدعة . وكتب صاحب جريدة المحروسة مرة بعد اختفائه بسنتين :أنه " قد تعددت الأقوال في مقر عبد الله نديم ، فمن قائل إنه التجأ إلي البلاد الإيطالية ، ومن قائل إنه فر إلى طرابلس الغرب ، ومن ذاهم انه أتى السودان واتصل بالمهدي وصار له نديما ، وقال قوم إنه سارع في السفر إلى " سيلان " للاجتماع بعرابى ؛ والحقيقة فيما نعلم انه أتي باريس في الأيام الأخيرة ، ونشر فيها مقالة أتى فيها على ذكر الحرب العرابية ، وعدد بالمصريين ، ونسب إليهم الضعف والجبن " الخ .
ومنها عطف بعض الناس عليه ، وإيمانهم بأن المروءة تقضي عليهم - وقد نزل بساحتهم - أن يخفوا أمره إذا علموا ، وأن يساعدوه على الاختفاء مهما أغروا بالمال ،
كالذي كان من عمدة " العتوة " بمديرية الغربية ، وهو الشيخ محمد الهمشري ، فقد نزل عنده وعرفه بنفسه ، فأكرم مثواه ، وأقامه في داره ثلاث سنوات وثيقا ، في مكان منعزل له باب خاص ، وزوجه ، وزوج خادمه ؛ فلما توفي دعت زوجته أكبر أولادها ، وقالت له : هل تطمع في المكافأة أم تكون كأبيك شهما تحفظ الجار وتحمي اللاجئ ؟ فوعدها بأن يكون كأبيه في حفظه ، ووفي بذلك ، حتى أحس " النديم " بوشابة واش ، فخرج من عندهم حامدا مروءتهم .
وصادفه مرة مأمور مركز شركسي ، والندم في تنقله بين البلاد ، فعرفه ، فصرف جنده ثم اختلى به ، وقال : لاضرورة لتنكرك فقد عرفتك ، وأعطاه ما معه من نقود ورسم له خطة السير في طريقه حتي لا يضبط .
وكان في أول أمره شديد الحنين لأبيه وأمه وأخيه ، لا يعرف ما صاروا إليه ، شديد الشوق لمعرفة كتبه وتآليفه وأوراقه التي تركها في بيته بالإسكندرية ، ماذا آل إليه أمرها ؛ ثم وسط الصديق الفرنسي أن يتعرف كل ذلك ويأتيه بالأخبار ، فعرف الفرنسي أن أسرته تشتتئت والناس تنكروا لهم ، والأرصاد وضعت حولهم ، وأن أباء يقيم عند قريبة له في الريف ، وأن كتبه ونا ليفه التى أنفق فيها تسعة عشر عاما ، عند ما ضربت الإسكندرية وهاجر منها أهلها وضعها أبوه في ثلاثة صناديق كبار وشحنها في عربة من عربات السكة الحديدية ، فلما وصلت إلي كفر الزيات ازدحم علي القطار المسافرون من المهاجرين ازدحاما هائلا ، فلم يسمع رجال المحطه إلا أن يرموا جميع ما بالعربة في النيل ، ومنها هذه الصناديق الثلاثة وفيها كل ثروته العقلية .
ثم لما هدأت الأحوال وخف عنه الطلب كان يتصل بأبيه وأخيه اتصالا منتظما .
وتأتي عليه أزمات ثم تنفرج ، فهذا عيد الأضحي وهو في " برية المندرة " يمكن وسط الغيطان ، لا يساكنه أحد إلا زوجته ، ولا يجد القوت الضروري ، ويأتيه خادمه الذي يسكن بعيدا عنه يشكو له البؤس والفقر وعدم القوت في يوم العيد ، فما هو إلا أن يبعث له رجل من أهل البر والمروءة بما يملأ بيته قمحا وعملا وسمنا وشيتا ويفتة حتى القصب واليوسف الهندى ، والأطلس والحرير للبس زوجته ، وببعث شيئا من ذلك للخادم وزوجته . وأتيح له من الفراغ ما مكنه من إكمال نفسه بالدراسة والتأليف ، فكان إذا اطمأن في قرية قرأ ما تصل إليه بدء من الكتب ؛ وكانت مكتبته في هذه الأيام مكتبة خفيفة يسهل حملها إذا دعا داعي الرحيل السريع : فكانت تفسير القرآن لأبي السعود ، وقاموس الفيروزابادي ، و " الوافي " في المسألة الشرقية لأمين شميل ، وجغرافية ملطيرون الذي ترجمه الشيخ رفاعة . وألف فيما يعن له في الدين والأدب والتاريخ ، فكان هذا نعمة عليه لم يستطعها في أيامه الأولى . كتب لصديق له في هذه الفترة يقول : " إن سألت عني فأنا بخير وعافية ، وحالة رائقة صافية ، لا أشغل فكري بما يأتي به الليل إذا كنت بالنهار ، ولا أتعب ذهني بتوالي الخطوب والأكدار ، ولا أتتألم من طول المدة ووقع الشدة ، لاعتقادي أن لكل شدة مدة ، متى انتهت جفت الأوحال ، وحسنت الحال ؛ فتراتي فكري كليمي ، وقلمي نديمى - تارة أشتغل بكتابة فصول في علم الأصول ، وأجمع عقائد أهل السنة ، بما تعظم للهة ، وحينا أشتغل ينظم فرائد في صورة قصائد ، ووقتا أكتب رسائل مؤتلفة في فنون مختلفة ، وآونة أكتب في النصوف والسلوك ، وسير الأخبار والملوك ، وزمنا أكتب في العادات والأخلاق وجغرافية الآفاق ، ومرة أطوف الأكوان على سفينة تاريخ الزمان ، ويوما أشتغل بشرح
أنواع البديع في مدح الشفيع . . وقد تم لي الآن عشرون مؤلفا بين صغير وكبير ؛ فانظر إلى اثار رحمة الله اللطيف الخبير ، كيف جعل أيام المحنة وسيلة للمنحة والمنة ؟ أتراني كنت أكتب هذه العلوم في ذلك الوقت المعلوم ، وقد كنت أشغل من مرضعة اثنين ، وفي حجرها ثالث وعلى كتفها رابع ، وأتعب من مربى عشرة وليس له تابع ، أشتغل بعض النهار بتحرير الجورنال ، وأقضي ليلي في دراسة الأحوال ، مشتغلا بمجالس الجمعيات الخيرية ومدارسها التعليمية ، وزيارة الإخوان ، ومراقبة أبناء الزمان ، وقد نسبت الأهل والعيلة ، وربما نسيت الطعام يوما وليلة ، فكنت كالة يحركها البخار ، لا سكون لها ما دام الماء والنار ، فمتى كنت أنظر المخلفات ، وأكتب هذه المؤلفات ؟
لو أن نار مصيبتى في الغير أصلاه الزفير
لكنها في ساحة من فوقها جو مطير
هو صدق إيماني وصبري للقضاء بلا نكبر
ووقوف جيش عزيمتى فى باب مولاى البصير
وكان في رحلته ترا بخادمه " حسين " الذي غير اسمه فسماء " صالحا " وزوجه ، وعلمه القراءة والكتابة ، وحفظه جملة سور من القرآن ، وعلمه مبادئ الفقه والتوحيد ، واتخذه صاحبا .
وتواردت عليه أيام بؤس ومحن يشبب منها الوليد ، تغضب عليه زوجته وتلكمه على قمة حتى تكاد تسقط ثناياه ، وربما رأي - مع هذه الحال - أن إظهار نفسه للحكومة أهون عليه ، ثم يترضاها ويصالحها ؛ واحيانا نتخاصم زوجته مع زوجة خادمه وتشتد الشحناء ، وتهدده كلتاهما بأن تفضح أمره ، فيتدارك كل ذلك بحيله ؛ وأحيانا يشعر بالخطر يهدده فيشتد في الحذر والاختفاء ، حتى لقد اختفي مرة في قاعة مظلمة لا يتوصل إليها إلا من سرداب
طويل مظلم ، يرشح الماء من أرضها لقربها من ترعة ، ولا يتمكن من القراءة والكتابة إلا علي مصباح صغير يضاء بالجاز يملأ الحجرة دخانا ، ويستمر فيها نحو تسعة أشهر ؛ وأحيانا يبلغ به سوء الحال مع الرغبة الشديدة في الكتابة أن يصنع الحبر من هباب الغرفة ، ويضيف إليه بعض قرظ السنط ، ويتخذ أقلامه من الحجناء . وهو على كل ذلك صبور ، يعزيه أن يجد من أهل المروءة ما يخفف كربه ، ويضمد جرحه ؛" محمد معبد " الحلاق " بشباس الشهداء " يأويه في بيته ، ويغمره بفضله ، ويتفق عليه ما يحرم منه أسرته ؛ و" أحمد جوده " الفلاح بالبكانوش يصاحبه في انتقالاته في الظلام الحالك ، ويعرض نفسه من أجله للمخاطر .
لشد ما أتعب نفسه في اختفائه ، وأتعب الناس معه ، ولكن ما أكثر ما أمتعهم أيضا بأحاديثه وفكاهاته ووعظه وسمره .
وأخيرا نزل " بالجيزة " فعرفه عمدتها وكتم أمره ، ولكن رجلا اسمه حسن الفرارجي - كان جنديا ثم استخدم جاسوسا - عرفه فكتب إلي السراي وإلى الداخلية ، فأمرت بالقبض عليه ، وذهب و كيل حكمدار الغربية ومعه قوة من الجند فالتفوا حول البلدة ؟ وأراد " النديم " الهرب بحيله القديمة فلم يستطع ، فاستسلم . وكان من حسن حظه أنهم لم ينتبهوا إلي أوراقه ، وكان في بعضها هجاء شديد في الخديو توفيق لو اطلعوا عليها لتغير مجري حياته . وكان القبض عليه في صغر سنة ١٣٠٩ ه . واختفاؤه في ذي القعدة سنة ١٢٩٩ ه . وأرسل إلي طنطا للتحقيق معه ، وكان وكيل النيابة إذ ذاك قاسم بك أمين ، فأحسن معاملته ، وأمر بأن ينظف مكانه في السجن ، ويضاء كما يريد ، وأن يمكن من شرب القهوة والدخان كما يشاء ، وأمده بالمال من عنده ، وكان هم التحقيق متجها إلي
معرفة من أواه ، وهل كانوا يعرفونه أو لا يعرفونه ، وعلى الأخص المنشاوي باشا - وكان قد نزل عنده أياما - فقد ضيقوا على النديم كثيرا ليقر بأنه كان يعرفه ، حرصا منهم على وجود منفذ لمعاقبة المنشاوي ، ولكنه أنكر كل الإنكار أن يكون أحد ممن أواء يعرف حقيقته . ثم صدر أمر الخديو توفيق بالعفو عنه وإبعاده عن مصر إلي أي جهة شاء ؟ فاختار يافا ونزل بها فأكرمه أهلها واتخذ بها دارا جعلها منتدي للأدباء والعلماء ، وطوف في فلسطين يشاهد آثارها ويحج إلي مزاراتها ، ويجتلي حسن طبيعتها .
ثم مات توفيق وتولى عباس ، فعفا عنه ، وسمح له بالعودة إلى مصر سنة ١٨٩٢ . فعاد وفكر طويلا فيها بفعل وابن يتجه ، وتردد بين مصر والإسكندرية ، وأخيرا عين اتجاهه ، وقرر أن ينشئ بالقاهرة مجلة " الأستاذ " فكان صفحة جديدة في باب جهاده
(يتبع)

