هذا الخليفة الفاطمي " الحافظ " يموت وله ابنان كبيران ، يعدل عنهما ، ويعهد بالخلافة لأصغر أولاده سناً ، وهو في السابعة عشرة من عمره ، ويوصي بالوزارة لأمير مغربي اسمه ابن مصال ، ويلقب الخليفة الجديد الصغير بالظافر .
وهذا الظافر فتي ربي تربية ناعمة ، لا يعرف غير اللهو واللعب ، والسكني إلي الجواري وسماع الأغاني فأما تدبير الأمور فللوزير ابن مصال .
والخليفة يحب ابن مصال ، ويحب بقاءه ، وولاة الأقاليم كلهم طامع في الوزارة ، فيأتي ابن السلار الكردي الأصل ووالي الإسكندرية والبحيرة ، فيجمع جنده وسلاحه ، ويهجم على القاهرة ، ويقتل ابن مصال ، ويتربع في دست الوزارة ، والخليفة مضطر إلي إقراره وهو له كاره .
وفي جند ابن السلار ابن زوجته عباس ، رجل مغربي عربي الأصل من تميم ، له ولد جميل اسمه نصر ، من خلان الخليفة الظافر وندمانه ، فيوعز الخليفة إلى نصر وعباس بقتل ابن السلار ليكون عباس في الوزارة مكانه , ويتم ذلك ، ويقتل ابن السلار ويستوزر عباس ، ثم بعد مدة يسأم الخليفة وزيره الجديد عباسا ، فيوعز إلي ابنه نصر أن يقتل اباه ليحل محله ، ويتردد نصر ثم يطلع أباه علي ذلك ، فيتآمران على قتل الخليفة فيقتله نصر ، ودخل عباس القصر ، فيتهم أخوي الخليفة بقتله ، ويقتلهما ويولى طفلا صغيراً هو ابن الظافر ويلقبه بالفائز ، وسنه خمس سنين . وتهيج مصر علي عباس وابنه ، ويكاتب نساء
القصر طلائع بن رزبك الأرمني الأصل ووالي المنية ، ليحضر فينتقم من قاتلي الخليفة ، فيحضر وينتصر ، ويهرب عباس وابنه إلى الشام ، فيقتل عباس في الطريق ، ويقبض على ابنه نصر ، فيرسل إلي القصر ، فيمثل به ويعلق على باب زويلة .
هذه صورة سينمائية للأحداث التي حدثت في مصر أثناء إقامة " أسامة " بها ما موقفه ؟ كيف يتصرف ؟ كيف يستخدم فروسيته والفروسية لا تعرف العمل في الخفاء ؟ الحق أنه موقف مربك للرجل الصريح .
لقد أصبح "أسامه" وله جنود ومماليك وأعوان ، يجلس في مجلس الأمراء للتشاور فيما يعمل ، ويقربه الولاة إليهم ، ويتمناه كل في صفه لنجدته وغنائه .
لقد كان من أنصار القصر يوم كان الحافظ يتولي الخلافة ، لأنه رب نعمته ولأنه رجل ؛ ولكنه انحرف عن القصر لما رأي من لهو الظافر ولعبه وتهتكة ، ونانصر ابن السلار ، يحارب في صفه ويقاتل بجانبه ، فكرهه القصر لأنه يناصر عدوه - وكان ابن السلار رجلا مقداما شجاعا يحب رجال العلم ، ولكنه قاس لا يرحم ، يعاقب أكبر عقوبة على أصغر جريمة ، فأحبه اسامة لشجاعته ، وأغضى عن قسوته ، وأمن ابن السلار إليه وأنس به ، وبعثه بمهمة حربية إلى نور الدين محمود بن زنكي ليتفق معه على تكوين جيش لمحاربة الصليبيين في الشام ليخفف ضغطهم على مصر ، وقام اسامة بمهمته وحارب الصليبيين في عسقلان وبيت جبريل ، وظل يقاتل حتى أحس ابن السلار بحرج مركزه في مصر ، فاستدعاه ليكون بجانبه ففعل .
فلما قتل ابن السلار واستوزر عباس وجدنا أسامة بجانبه وبجانب ابنه نصر ، يستشيرانه في أدق الأمور حتي
فيما أو عز به الخليفة إلي نصر أن يقتل أباه ، فينهاه عن ذلك ، ويحذره غضب الله ووخز الضمير ؛ ولا بد أن يكونا قد أطلعاه على قتل الخليفة ، مقابلةً للمؤامرة بمؤامرة ، ومن هنا اتـهمه كثير من المؤرخين باشتراكه في المؤامرة ، وليس ذلك ببعيد عليه ؛ وعذره أن الخليفة الغــــــــر هو البادىء بتحريض الابن على أبيه ، فالجزاء من جنس العمل ، ولكن عباسا أسرف فقتل الأبرياء من إخوة الظافر ، وهو عمل لا يبرره شئ ، فكان على أسامة أن ينفض يده منه ويقطع صداقته ، ولكنه لم يفعل .
لقد دخل طلائع بن رزبك مصر وكان لأسامة صديقا أيضا ، وكان أسامة يحبه ، وعرض عليه طلائع أن يكون بجانبه وله المشاركة في عزه وجاهه والدنيا مقبلة عليه ؛ ولكن عباسا في أشد أوقاته حرجا يلجأ إليه ويطلب منه ان يصحبه في الخروح من مصر حتى لا يغتاله مغتال ويحار اسامة بين صديق تقبل عليه الدنيا وصديق تدير عنه ، والذي تقبل عليه لم يلوث يده بالقتل ، وإنما ينصر المظلوم ، والذي تدير عنه قد سفك الدماء البريئة ، ولكنه في شدة وقد استنجد به ليحفظ حياته ؛ واخيرا بعد تردد طويل وشقاء ضمير اعتذر لطلائع الفائز وخرج من مصر مع عباس البائس .
عشر سنين في مصر هي أسوأ حياته . لقد خلق لقتال الصليبيين ، فقضاها في مصر في قتال بعض المصريين لبعض المصريين ، وخلق للعيشة القاسية ، فعاش في مصر عيشة ناعمة ، وخلق للصراحة فعاش في المؤامرات ، وخلق لا يأبه للمال فأتاه المال في مصر من حيث لا يحتسب ؛ ولكن الله عاقبه على أنه لم يعش كما خلق ، فكان خروجه سلسلة كوارث ؛ يصحب عباسا في الطريق ، ويترك أسرته في حماية طلائع ن رزيك ، فيكاتب القصر
وبعض أهل مصر الفرنج والعربان ان يكمنوا العباس ومن معه في الطريق ، فيخرجون عليهم ، ويقتل عباس ويؤسر نصر ويرد إلى مصر مخفورا ، وينجو أسامة بأعجوبة بعد ان يصاب في رأسه بضربتين بالسيف يفقد بهما وعيه ، وأخيراً جدا يصل إلي دمشق في أسوأ حال . ثم يصاب في أسرته وماله .
لقد استراح قليلا واسترد قوته وقد نيف على الستين ، ولا يزال جنديا محاربا له قوة الشباب ، فالتحق بجيش نور الدين محمود بن زنكي ، وبذلك عاد إلى موقفه الطبيعي ؛ وكاتبه طلائع يطلب منه أن يعود إلى مصر ، وإذ كان جنديا يحب القتال في الثغور فقد عرض عليه طلائع أن يوليه أسوان ، ويفتح بجنده الحبشة ، وبذلك لا يناله سوء من استيحاش القصر منه ، فاستشار في ذلك نور الدين ، فقال له : " أما كفاك ما لقيت من مصر وفتنها ؟ " .
فاعتذر لطلائع وسأله أن يرسل إليه أسرته بحراً ، ولكن طريق البحر أيضا في يد الصليبيين ، فحل نور الدين الإشكال ، بأن يكتب إلي " بلدوين الثالث " ملك أورشليم ليمنحه أماناً لأسرة أسامة ، فمنحه الأمان كتابة .
هذه أسرة أسامة في خمسين قسمة بين رجال ونساء ، ومعهم أموالهم وحليهم وجواهرهم وذهبهم وفضتهم ، وسيوف أسامة وسلاحه ، وقيمتها كلها ثلاثون ألف دينار ، ومعهم أيضا مكتبة أسامة التى اقتناها من خير مخطوطات مصر ، وفيها أربعة آلاف مجلد ، كل ذلك ينزل في مركب في دمياط ومعهم أمان بلدوين ، حتى إذا وصلوا إلي عكا أرسل " بلدوين " رجاله بالفؤوس يكسرون المركب ويأخذون ما فيها ؛ ويحتج بعض رجال أسامة بالأمان ، فلا يلتفت إليهم ، ويأخذ كل ما معهم ، ويترك لهم خمسمائة دينار توصلهم إلى بلدهم ؛ ويحمد أسامة الله كثيرا على سلامة أهله
وولده ، ويحز في نفسه قليلا ضياع المال وكثيراً ضياع الكتب ؛ وبذلك يختم فصل من الرواية عنوانه " أسامة في مصر " .
ها هو في الرابعة والستين وقد عاد فارسا من فرسان المسلمين ، يقاتل في جيش نور الدين ؛ والأزمان التي عركته في مصر عركت أهله في حصن شيزر ، فقد مات عمه سلطان ، وولى الحصن ابن عمه الذي كان ينافس أسامة .
والسنة سنة ٥٥٢ هجرية ، وقد ازين الحصن لحفل ختان ابن الأمير ، واجتمع في الدور الفسيحة آل ابن منقذ كلهم ، والراقص يرقص والزامر يزمر والطبال يطبل ، والقوم في هرج ومرج ، والسرور بالغ بهم غايته ، وإذا بالأرض تزلزل زلزالا عنيفا ، فيتسابقون إلى باب الدار ، فترمح فرس الأمير أولهم فيقع ، وينسد الباب وتقع الدار على من فيها ويهلك كل أهل أسامة ، ويأتيه الخبر فتهد قواه ثم يستردها بإيمانه ويقول :
لم يترك الدهر لي من بعد فقدهم قلبا أجشمه صبراً وسلوانا
فلو رأوني لقالوا مات أسعدنا
وعاش للهم والأحزان أشقانا
ثم يترك الموت منهم من يخبرني
عنهم فيوضح ما قالوه تبيانا بادوا جميعا وما شادوا ، فواعجبا
للخطب أهلك عمارا وعمرانا
هذي قصورهم أمست قبورهم
كذلك كانوا لها من قبل سكانا
وكذلك خربت أكثر بلاد الشام ، فحماة والمعرة وحمص وكفر طاب ؛ وأخطر ما في الأمر أن الزلزال هدم أسوار البلاد والقلاع ، وانكشفت البلاد للصليبيين ، فقام
نور الدين يعيد الأسوار ويقيم القلاع ، ووضع يده على حصن شيزر وعمر أسوارها ودورها وأعادها جديدة .
سبعون - خمس وسبعون . . ثمانون . . هو في حصن كيفا ، وقد دب إليه الضعف وارتعشت منه اليد :
مع الثمانين عاث الدهر في جلدي
وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي
إذا كتبت فخطي جد مضطرب
كخط مرتعش الكفين مرتعد
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلماً
من بعد حطم القنافي لبة الأسد
وإن مشيت وفي كفي العصا ثقلت
رجلي كأني أخوض الوحل في الجلد
فقل لمن يتمني طول مدته
هذي عواقب طول العمر والمدد
ألوم الردي ، كم خضته متعرضا
له وهو عني معرض متجنب وكم أخذت مني السيوف مآخذ !!
محمام ، ولكن القضاء مغيب إلي أن تجاوزت الثمانين وانقضت
بلهتية العيش الذي فيه برغب
فمكروه ما تخشى النفوس من الردي ألذ وأحلي من حياتي وأطيب
هذا صلاح الدين بطل المسلمين يأتي بالأعاجيب من فعال البطولة ، ويستنزل من الأفرنج الحصن بعد الحصن . آه . لو كنت شابا .
( يتبع )
