الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 404الرجوع إلى "الثقافة"

(٥ )، نهاية الغرب

Share

لاشك أن الوفاق من أهم عوامل الهناء والبغاء وأن الشقافي معول هدام : هدام بين الافراد ، هدام بين الجماعات ، هدام بين الأمم ، هدام في النهاية للحضارات ومن ثم تعمالت الصيحة منذ الحرب المالمية الاولى برجوب العمل على استتباب السلام ، فأجريت في هذا السيل مجارب بإمت كلها بالفشل ، لانه لم يعمل على اجتثات جسذور الشففاق بقدر ما عمل على تنمية حذوره وتنقطيتها بطبقة من الأرض الصالة لهذا الماء

والشقاق كان مذ كان العالم فلم يمنع أن نتكاثر قرية ادم ، وان يملا الأرض ، وان تضيق بها رحابها . وإذا كانت الأرض قد شهدت حضارة المصريين وحضارة

الأشوريين وحضارة اليونان وحضارة الرومان وحضارة العرب وحضارة الغرب ، فهي خليفة ان تشهد غدا حضارة اخري تفعل مثل ما فعلت تلك الحضارات وتزيد عليها ، وتمر خات الأدوار التي مرت بها من رفعة وسقوط وهكذا دراليك . والشرق كعميل من عملاء الحضارة الغربية لا يهمه أن يكون في الند عميلا لحضارة أخري تقوم على آثار هذه الحضارة إن قدر لها الزوال . ولا خوف علينا من أن يظل العالم فترة من الزمن بلاحضارة فهذا ما لم يقع مذ قامت الحضارات ، والحادث أن ينتقل مركز النفل ، فالأمم العائشة في ظل الحضارات ولا تؤاف عنصرا أساسيا فيها تتأثر بها علي كل حال ، ولا يهمها أن يأتيها التأثر من حضارة بالذات ، لأن مظهر الحضارات واحد ، وخيرها وشرها واحد ، فإذا نبعث يوما اليونان ، فقد تبعث بعدها الرومان ، وتبعت بعد الرومان العرب ، وتبعت بعد العرب الغرب ، وغدا تتبع الحضارة الجديدة والحضارات تسلط ولا ينجو من سلطانها قريب او بعيد . وقد تسلطت امس بالفتح وعواقبه وتتسلط اليوم بالأستعمار

وعواقبه ويوسائل أخري من صميم الاستعمار . فهل ما يقع الآن في العالم نذير بههلاك حضارة الغرب ؟ في أمس القريب شهدنا صراعا جبارا بين دوله انتهى إلي سقوط فريق من هذه الدول ونشوب صراع آخر من نوع آخر بين دول الفريق الآخر . وقد تعالت الصيحة هذه الرة أيضا بوجوب قيام عالم آخر غير هذا العالم يستتب فيه السلام على الدوام . وما يحدث اليوم لا يبشر بأن عالما آخر غير هذا العالم سيطلع فجره ، وأن نفوسا ملائكةية ستخلف فيه الأنفس البشرية . ولا تزال حمامة السلام مذعورة مقصية بزعجها النفاق الذي يتغني باسمها ، وتوجس الشر كل الشر من نظرات دعاة السلام إليها . بيد أن هذا الشقاق الحادث مهما بلغ من قوة هدمه لا يهدم حضارة ، فهو نوع من أنواع الصراع في سبيل البقاء . وهو ظاهرة طبيعية لما جبل عليه البشر ، غير أنه عامل من العوامل الهدامة على كل حال ، فقد كلفت الحرب التي لم تفته وبلأنها بعد ولا ينتظر أن تفتهي في القريب - كلفت الإنسانية عدة ملايين من الأنفس ذهبت هدرا ، ولم تخدم مهدأ ولا نظرية ، ولا يمكن أن تكون الدماء التي سالت فيها من قبيل القصد الذي ينفع الجسم ، لأنها جميعا دماء زكية ترزفت وجرف نهارها ما تحلت به تلك الأنفس من كفابات ومواهب ضاعت على الإنسانية . هذه الملايين التي سوي بينها التجنيد العام فلم يميز بين المتنازين والعادبين ولا بين الخسيراء والجهلاء ولا بين البائرين والرعماء قد أهدرت بضياعها استعدادات ومواهب وأخلاق كانت حرية أن تنفع الإنسانية ، فهي طوب في صرحها قد زل عنه ، وثغرات قد استحدثت فيه . فيلي أن يسد الفراغ الحادث لا بد من زمن ومن طمأنينة . هذا إلي خسارة أخري تلحق ببعض الأمم وتؤثر في مبلغ مساهمتها في الأعمال الحضارية . فالأمم غير الديمقراطية ومنها ألمانيا والروسيا السوفيتية وأسبانيا تفقد في هذه الآونة الراهنة

نفرا من أبنائها لهم خطرهم . ففريق من هؤلاء في المنفي وفيهم زعماء واصحاب رأي وموهوبون ، وفريق اخر يقف الآن موقف الإنهم وهم مخبة ؟ فإذا ظل اأولئك في المنفي ودخل هؤلاء السجون او غببتهم الرموس ذهب كثير من القيم الأحيائية سدي وضاع دم جسديد . ومتى اهدرت هذه القيم وضاع معها ما يمكن من نسكانها وتوريتها مواهبها ، وهن الكيان الأحياني في الأمم المماة وابطا تهوضها من كبونها ، وهذا شئ بمطل سير الحضارة ويشعر بأوخم العواقب

على أن هذه الخسارة التي منيت بها الإنسانية ، ونكبت بها الحضارة الغربية ، والتي نمي بها الإنسانية والحضارة الحبن بعد الحين فلا تقف سير الفافلة ولكن توهنه ، ثم تعود الفاعلة فيما وردها النشاط وتغذ السير ، ليست من العوامل الحاسمة في هلاك الحضارات . فالحروب لم تنقطع منذ القدم ، وقد كانت أحيانا كثيرة أداة ناجعة في نشر الحضارة وذبوع الأدان والمذاهب الاجتماعية ، وتنشئة نظم الحكم أو تبديلها ، والصعود درجات جديدة في سلم المدنية . وبعض ما سبب سقوط الحضارات القديمة لم يأت من الحروب بقدر ما أتي من المنازعات الداخلية في كل عضو من الأعضاء التي تؤلف جسم الحضارة وخاصة من ناحية الدين والسياسة . فقد ذهب صحية الاضطهاد الديني والاضطهاد السياسي قدر كبير من الخلق القوي الكريم ، وسبقت جماعات إلي الإعدام كانت على جانب كبير من الموهبة والنهار والعبقرية ، فكان أن تحطت القيمة الأجهائية في الشعوب على مر الأيام وتعاقب الأجيال ، وأن ضعف عنصر الخاصة والخسيرة ، وازداد نفوذ أصحاب الصفات العادية والرديئة ، وتفشت الرذفائل القائمة علي الثرة والحرص وقد نكبت اليونان القديمة بهذه الظاهرة الهدامة ، فتكثر فيها عديد النفيين وأفواج الهاربين وساء عيشهم سوءا لم يفسح لهم مجال التكاثر

والتوارث بل لقد بلغ الامر باليونان القديمة ان كان اطفال من يعدمون يحرمون حق البقاء . وكان يعقب بعض حالات التوليسة والانتصار مجازر بالجملة - مجازر بالأمر ، بالنظم والسيف ، وكانت الأسر تنفي بالمئات

وجاءت رومه فلم تكن في هذا خيرا من اليونان ، بيد أن فناء الشعب الروماني مكنه من تعويض هذه القوى القيمة قرونا ، ثم يهظت الشعب هذه الخسائر فجارت في اخر الأمر قوا ، ذلك ان هذا الدم الغزير الذي نزف من جسمه - ذم أولئك الموهوبين والمهرة والعبافرة وذوي الأخلاق الذين كانوا يذهبون صحية القائر بصورة متواصلة عظيمة - لم يكن مما يتحمله جسم الشعب بصورة دائمة .

وهذه الحالة التي كانت من أسباب تدهور الحضارات القديمة يقع مثلها في مصرنا هذا في بعض البلدان ؛ فما زال ذوو الكفايات بساقون إلي المنفي أفواجا ، وما يزال سكان المدن بدفن منهم عشرات الالوف أحياء ، وما يزال الأطفال يلحقون آباءهم زرافات ، ويلقون مثل الحنف الذي يلقون . بل لقد وقع في الحرب العالمية الأخيرة ما هو انظم من هذا ، فمحت الطائرات مدنا بأمرها ممن فيها وما فيها من رجال ونساء واطفال واكار حضارية لا تقوم مال ومحت القنبلة الذرية مدينتين من مدن البابان وجعلتهما اثر بعد عين . ولولا ان البلدان المنكوبة بلغت من الحضارة ارفع منسوب لكان من المنتظر ان يكون أثر ذلك في مستقبلها فارحا ، وان تعجز عن تعويض ما فقدت أو إحلال الموجود فيها محل المفقود . أجل كان ما وقع حليق ان يكون من نذر السقوط .

لكن الذي يصح ان يكون من نذر سقوط الحضارات هو نقص المواليد بصورة متواصلة ؛ فهذه حالة تطرؤ على الحضارات في مراحل تقدمها الأخير - أي مراحل المدنية ، فالمدنية مجلب معها نوعا من الآنيسة والحرص الشديد يؤثر في رغبة التناسل ، متضن كثير من سيدات الطبقة

الراقية راحتها ، ومحرص على وظهرها من ان يخضعه الغربية لأغراضها ، وأنواع كثير من الموسرين بالأرقام كلما نضخمت روائهم فيؤثرون ان تتكتل هذه الثروات وتتراكم بعد موهم لولد واحد على أن نتوز بأن عديد الأولاد ، ويحتزي كثير من الوالدين المتوسطي الحال ست واحدة بدخرون لها ما يضمن لها الزوج الذي يسمدها في نظرهم . فإذا كان مقدرا للأسرة في الأحوال العارية الطبيعية ستة أولاد فالإا كتفاء بواحد يفقد الامة خمسة ، وإذا كان ضبط النسل من النزعات العامة في الامة او في طبقتها الرافية امكن تصور الخسارة الفارحة التى يخسرها الأمة مما يكون في طبقتها المختارة من المادة الوراثية في ظواهب والاستعدادات .

وإذا سارت الأمور على هذا المنوال لم يلبث أن يختل التوازن وتتغلب الطبقات المنحطة بصفائها الرديئة التي تتكأثر بتكار النسل فيها وكثرة التناسل بين هذه الطبقات من الأمور الملحوظة التى تسهلها الطبيعة لحكمة لها . فقد لا يمنع سوء الأحوال المعيشية الأسر الفقيرة من الرغبة في التكاثر او بحد منها ، وقد يظل البؤسا علي اسرة مؤلفة من والدين واربعة أولاد فلا يحول ذلك دون ان يبلغوا مع الآيام ومع البؤس اثني عشر . على حين تقف الطبيعة لكثير من الأسر الوسمرة بالرصاد فلا تيسر لهم حملا ولا ولا ولادة ثم تجي الدنيا فترزؤهم فوق ذلك بفكرة ضبط النسل .

ح لا مشاحة في أن الحضارات إنما تقوم على أكتاف الخيرة ، فإذا نقص مواليد هذه الخيرة قل توارث صفانها الطبيبة ونلاشت هذه الصفات على مر الزمن ؛ وقد كان الرومان قوما شجعانا ، وكان لهم جبش مقتدر ممتاز يؤلف عشيرة من الأقوباء الأصحاء ، لكن نظام هذا الجيش كان يحرم عليه الزواج خشية ان يتبعه جيش اخر من النساء والأطفال فيحد من استمداره وطواعيته الداعمين للغتال ،

وكانت مدة الخدمة فيه خمسا وعشرين سنة أو تريد ، فكان أن مثل هذا الحبش الفني الغني بصفانه ومؤهلاته ثم يعقب خلفا على غراره ، فلما سمح لجنود رومه بعد ذلك بالزواج لم يكن هؤلاء الحنود من الرومان بل من الخرمان ، وكان مصير الدولة الرومانية عندئذ قد اشرف على الختام .

عنة ص المواليد هو الخطر الأعظم على الأمم وعلي الحضارات ، لكن هذا الخطر وإن بدا هنا وهناك ليس عاما ، ومن ثم لا خوف على الحضارة الغربية منه ، وطابع هذه الحضارة هو الاستعمار والاستهار ، ومن شأن الاستعمار والاستثمار الاستكثار من الرؤوس والأبدي ، والدولة العقيرة في كلابهما لا تستطيع أن تستعمر أو تستثمر ، ولا تستطيع أن تلعب الدور المقدر لها في الحضارة ، وقد

شحبت المانيا العمل وشجعته الروسيا ، وتشجعه الكثرة الغالية في الأمم المتحضرة ؛ فلا خطر على الحضارة الغربية إذا من هذه الناحية ، إنما الخطر عليها كل الخطر هو من ناحية الاضطهار السياسي والاضطهاد الديني ، والاضطهاد الدينبي معدوم فيها بن الاضطهاد السياسي يحتاج اوربا بأسرها ، فهو في كل مكان اثر من اكار الحرب أو مرض مزمن فيها والاضطهاد السياسي نار تطلب ما تأكل وتجد ما تأكل ، فإذا لم نجد في النهاية ما تأكله خبت ، ولكن بعد ان تترك في الإنسانية حطاما هم اصحاب الشهوات والأبفس الدليلة ، وهؤلا ، لا نمض بهم حضارة ولا تقوي كتافهم على حملها ) الدقال بقية (

اشترك في نشرتنا البريدية