الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 400 الرجوع إلى "الثقافة"

٥ - أحاديث رمضان :, فى الحياة الروحية

Share

ينتاب العالم موجات بين إلحاد وإيمان ، وقد كانت   موجة الإلحاد طافية عانية فى أوربا فى القرن التاسع عشر ،   فقشا بين طبقة المثقفين عدم الا كثرات بالدين ، وإهماله   فى أبحاثهم وأهمالهم ، أو مهاجمته بالقول والعمل ، وبسط   ألسنتهم فى الكنائس وأهمالها وشعائرها ، وآخرون وقفوا   موقف الشك فلا إيمان ولا إلحاد . ومنهم من يؤدى   شعائر الدين لا عن روح واعتقار ، ولكنها جزء من برامج   الحياة ، فــــــكما أن هناك زمنا يقضى فى لعب الكرة ومشاهدة   السينما ونحو ذلك ، فهناك زمن يقضى فى الكنيسة ،   وهذا هو كل الدين .

وكان كل يوم يمر تزيد موجة الإلحاد والشك قوة   واتساعاً ، وأسست الأخلاق والغربية على قواعد العقل   لا على أساس الدين .

وعمل على طغيان هذه الموجة وقوتـها واتساعها عوامل   كثيرة  أهمها : انتشار نظرية " دارون " فى تسلسل الأنواع   وتشوتـها وارتقائها من خلية نباتية صغيرة إلى شجرة   كبيرة ، ومن حشرة حقيرة التكوين إلى أن وصلت إلى   الإنسان بالبيئة والانتخاب الطبيعى وبقاء الأصلاح وما إلى   ذلك ، فأولع الناس بهذه النظرية واعتنقوها ، وبنوا عليها   تفكيرهم ، وأنشئوا عليها علومهم ، ورأوا أن هذا الرأى   المؤيد بالبرهان لا ينفى مع حرفية الكتاب المقدس فيما   حكى من خلق آدم وحواء  .

فزلزل هذا من إيـمــــــــانهم - وبدلاً من رؤية الله فى  الخلق وتطوره قصروا النظر على الخلق ونشوته وارتقائه -  وبدأ رجال الدين يدافعون عن موقفهم بأن قصة آدم  وحواء الواردة فى الكتاب المقدس لا يصح أن تؤخذ على

حرفيتها ، وإنما هى رمز لنضج النوع الإنسانى ، ثم   اختلفوا فى دلالة هذا الرمز .

وعاصر حركة دارون ومدرسته حركة علمية أخرى   اتجهت إلى وضع الكتاب القدس موضع النقد ، وتسليط   أدوات البحث العلمى عليه ، كما سلطت على كل الوثائق   التاريخية ، فكما بحثوا فى الالياذة ووصلوا فى بحثهم إلى   انها ليست من عمل هوميروس وحده ، وإنما هى من عمل   أناس مختلفين فى عصور مختلفة ، كذلك بحثوا الــــكتاب   القدس ، وأراهم البحث إلى أنه وضع فى عصور متواليــــة   في بيئات مختلفة ، ونقدوا ما جاء فيه من تحديد السنين   التاريخية ، وسافهم البحث إلى أن بعض ما نسب لموسى   ليس لموسى ، وبعض ما نسب لداود ليس لداود ، فزاد   ذلك الناس زلزلة وشكاً  .

ثم كان نشوء علم مقارنة الأديان ، فبحثوا في أديان   العالم ورازعوا بين تعاليمها ، ووضعوا اسساً لما يعدونه منها   راقياً وما ليس راقيا ، وعرضوا لمسائل خطيرة مثل من   ابن جاءت فكرة التثليث ، ومن أين أتت سلطة الكنيسة ،   فكانت نتائج هذا البحث سبباً آخر من أسباب   زلزلة العقيدة .

ثم جاء علم النفس يحلل الشعور الإنسانى ، ومنه  الشعور الدينى ، ويشرحه كما يشرح الأطباء الأجسام ،  ويبحثون في منشأ فكرة الله ، ويقولون إنـها فكرة   خلقها الخوف فزادوا فى الطنبور نقمة  .

وكان الدين يُعلى من شأن الإنسان لصلته بربه ولما له   من روحانية ليست لغيره ، فجاء علماء النشوء والارتقاء   وعلماء الإنسان وعلماء الفك ونحوهم يحقرون من شأن   الإنسان ويجعلونه وردة كبيرة ، فسلبوا الإنسان عظمته   واعترازه بروحانيته  .

وقارن هذا دعوة الدعاة إلي تفاهة الحياة ، واختطاف   ما أمكن من المذائذ ، والتحرر من القيود القديمة ، سواء

كانت قيودا ضارة أو نافعة ، وما دام هناك شك فى الآخرة   فليكن الهناء فى الدنيا بقدر المستطاع ، وقالوا حديثا ما قال   طرفة قديماً ( فدعني أبادرها بما ملكت بدى )

هذه هى أهم الأسباب فى موجة الشك والإلحاد فى   الغرب ، وقد قال قوم من المثقفين فى الشرق إذا كان الغرب   قد تقدم بالإلحاد أو على الأقل تقدم مع الالحاد ، فلتلحد     لتتقدم او تلحد ونتقدم ، وإذا كانوا ملحدين وهم الحاكون   فلنقلدهم لعلنا نساويهم ونتخلص من حكمهم وسافرت   الأفكار والآراء والــــــــكتب من الغرب إلى الشرق ، فعملت   عملها ، وبدرت يدرسها ، وتركت أثارها ، ورأي بعضهم   أن يأخذ المدنية الحديثة بحثا غيرها ومنها الإشارة بالبحث   العلمى ، وإضعاف الشعور الدينى ، وعملت الدعوة إلى   انتهاب الهذائذ عملها أيضاً فى الشرق فكانت لها سطوتـها  .

وكان من ذلك كله أن عمت الموجة الغرب والشرق ،   وخاصة بين طبقات المثقفين وأنصاف المثقفين  .

ولكن يظهر أن هذه الموجة بدأت تنكسر فى الغرب   فتنكسر فى الشرق ، وسبب ميلها إلى الإنـــــــكسار أن   الناس نظروا فرأوا ان المادة لما بلغت أوجها ثم تنتج للعالم   سادة بل شقاء وخرابا ، وأن الضمير العقلى لم يستطع أن   يحل في إراحة النفس وطمأنينتها محل الضمير الديني ،   وأن هذا النقد المر إذا وجه إلى تفاصيل الدين وسلطة   رجال الدين ، فإنه لم يمس جوهر الدين وإن مسه فلم   يستطعه ، إنما كان يستطيعه لو أنه أمكنه بعده أن يفسر   جميع ظواهر السكون تفسيراً محكما ؛ أما وهو لم يستطع أن   يفسر إلا الظواهر فإذا وصل إلى الصميم - كالحياة وهبتها   وتصرفها ، ومنشأ وحــــــــدة العالم وقوانينه ونظامه وجماله .   فليس - إذاً - له الحق فى الإلحاد والغرور بالأفكار ،   فالدين من ناحية عزاء للنفس الإنسانية وسند ، وقوق   ذلك هو حقيقة لا بد منها لإمكان تفسير العالم .

حتى العلم نفسه بدا يتراجع فى بعض نظرياته أو يؤمن   بقصورها ، فنظرية النشوء والارتقاء قد تفسر التطور ،   ولكن لا تفسر الحيــــــاة في الخلية الأولى ، حتى قال قائلهم   - إن العالم على اختلاف بنائه وحيوانه وتدرجه يدل على   أن كل نوع منه يؤدى عملا ويحمل رسالة ، وأنـها كلها   تتساعد وتترابط ، وتـهدف إلى غرض حتى لا يستطيع   عقلك مهما تشبعت من العلم إلا ان يؤمن بأن للعالم مؤلفا   واحداً قويا حكيما عليما .

وهذه الدعوى بأن أساس الأديان الخوف قد أخذ   بعض علماء النفس يشك فيها ؛ فالخوف قد يحرم على   الانسان بعض الأعمال ، وقد يدفع إلى الاضطهاد والانتقام ،   وقد يحمل على الـــكره والحرب ؛ ولكن هل هذا باعث   الدين ؟ إن بابت الدين الراقى يدعو إلى إجلال إله خلق   العالم ودوره ، إله قوى تستمد منه القوة ، عظيم تستمد   منه الظلمة ، روحى تستمد منه الروح ، فيه كل صفات   الكمال ؛ هو للعالم كإرادتنا فينا ، إن الدين الراقى يدعو   إلى التسامح لا التعصب ، والعفو لا الانتقام ، والحب   لا الكره ،  وقد يصل بعض الناس فى الدين إلى حب الله   كحبهم أنفسهم أو أشد حبا ، ويعجنى فى ذلك قول الرسول   صلى الله عليه وسلم في وصف صهيب : " نعم العبد صهيب   لو لم يخف الله لم يعصه " . فهل يمكن تفسير كل هذه   الظواهر النفسية بدافع الخوف كما يقول بعض علماء النفس ؟ .

ثم إن الدين دائما كان من أهم البواعث على الفنون   الجميلة ، فالقرآن أعجز بفنه ، والدين كان مبعث الفنون   الجميلة فى فن عمارة المعابد وفى الموسيقى والتصوير ،   فهل يتقن هذا ودعوى أن الدين خلقه الخوف ، والخوف   لا ينتج فنا ؟ .

إن الدين الحق يوسع النظر فلا يحده بقبيلة ولا طائفة  ولا جنس ولا أمة ، لأنه يدعو إلى أن الله رب العالمين ،

وهو وحده الحال والمحكومون متساوون أمامه ، كما يدعو   إلى ســــعة العواطف فلا عصبية ولا انتقام ، ولكن أخوة   وتعاون ورحمة  .

الدين الحق يحى الضمير ، ويدعو للعدل بين الجميع ،   بين من نحب ومن نــــكره ، ومن هو من جنسك ولونك   ومن ليس من جنسك ولونك ، ويــهدم الأنانية الفردية   والآنانية القومية ليحل محلها عاطفة الأخوة العالمية   إن أهم وظيفة للدين الحق أنه يحول المعــــاطفة من أنانية   شخصية إلى عاطفة إلهية تتجه إلى تحقيق الخير العام .   إذا اراد المصلحون بث الشعور بوحدة الجمعية البشرية   وتعاونـها وقطع دار أسباب الخصومة والانتقام فلن يجدوا   أساساً خيراً من الدين الحق الذي يوحد العلاقة بين   الإنسان والله الواحد ، ويوحد العلاقة بين الإنسان   وأخيه الإنسان الذى هو من خلق إلـهه  .

إن هذا الغرض يدعو إلى تغيير برامج التربية في   العالم من اساسها ووضعها على أساس آخر هو حب الله   خالق الناس أجمعين ، وحب الانسان للانسان من غير   تفريق بين جنس وجنس ، وأمة وأمة ، ولغة ولغة ،   ودين ودين ، وهذا وحده هو الذى بنقص العالم اليوم .

إن العالم محتاج إلى مصالحة بين العلم والدين ، فالعلم   أن يبحث في المادة كما يشاء ويستكشف قوانينها كما   استطاع ، ولكنه لا يتجاوز وابرته فينكر ما وراء مادته ؛   وللدين ان يؤمن بالروحانية ، وعالم الغيب وما إليه ، فهذه   لا تناف مع العقل بل تكمله ، ولكن ليترك للعلماء   بحوثـهم في مادتـهم ، فما جاء الدين لشرح نظريات العلم ،   وليستفد منها بنظرته الروحية إليهـــا ، فهذه القوانين التى   يستكشفها العلماء هى القوانين التى بنها الله فى كونه ،   وما جاء العلم ليبحث فيما لا يستطيع من كشف ما وراء   المادة ، إن العالم محتاج إلى تدين العقل وتعقيل الدين .

إن تم هذا ساد العالم عقل سليم يرقيه العلم وعاطفة

نبيلة يرقيها الدين إن ثم هذا فلا حرب ، لأن العاطفة النبيلة   تمنعها والأخوة الإنسانية تحرمها ، والعقل لا يستسينها .

وإن تم هذا فلا خرافات حول الدين ، لأنها لا يرتضيها   العقل الصحيح ولا الدين الصحيح  .

وإن تم هذا فلا عاطفة وطنية ولكن عاطفة إنسانية .     وإن ثم هذا فلا صهيونية لأنها مبعث فكر ضيق   وعاطفة ضيقة وتحريك عقرب الساعة إلى الوراء ، ولاحروباً   صليبية ولا غير صليبية ، لان مبعثها ضيق عقل فى تصور   الدين ، وحماسة جاهلة فى خدمة الدين .

وعلى الجملة فلو ثم هذا لزالت العوائق التى تعوق   الإنسانية ، ولتقدم العالم فى عام ما لم يتقدمه فى قرون .

فهل يتمخض القرن العشرون من هذه الموجة العالية   يكتسح بها الموجة المنحطة التى خلقها أخوه القرن التاسع   عشر ، أو لا يزال ذلك أملاً بعيدا ؟ .

علم ذلك عند الله .   وإلى هنا تنتهى هذه الحلقة من أحاديث رمضان .

وكل عام والقراء بخير  .

اشترك في نشرتنا البريدية