ينتاب العالم موجات بين إلحاد وإيمان ، وقد كانت موجة الإلحاد طافية عانية فى أوربا فى القرن التاسع عشر ، فقشا بين طبقة المثقفين عدم الا كثرات بالدين ، وإهماله فى أبحاثهم وأهمالهم ، أو مهاجمته بالقول والعمل ، وبسط ألسنتهم فى الكنائس وأهمالها وشعائرها ، وآخرون وقفوا موقف الشك فلا إيمان ولا إلحاد . ومنهم من يؤدى شعائر الدين لا عن روح واعتقار ، ولكنها جزء من برامج الحياة ، فــــــكما أن هناك زمنا يقضى فى لعب الكرة ومشاهدة السينما ونحو ذلك ، فهناك زمن يقضى فى الكنيسة ، وهذا هو كل الدين .
وكان كل يوم يمر تزيد موجة الإلحاد والشك قوة واتساعاً ، وأسست الأخلاق والغربية على قواعد العقل لا على أساس الدين .
وعمل على طغيان هذه الموجة وقوتـها واتساعها عوامل كثيرة أهمها : انتشار نظرية " دارون " فى تسلسل الأنواع وتشوتـها وارتقائها من خلية نباتية صغيرة إلى شجرة كبيرة ، ومن حشرة حقيرة التكوين إلى أن وصلت إلى الإنسان بالبيئة والانتخاب الطبيعى وبقاء الأصلاح وما إلى ذلك ، فأولع الناس بهذه النظرية واعتنقوها ، وبنوا عليها تفكيرهم ، وأنشئوا عليها علومهم ، ورأوا أن هذا الرأى المؤيد بالبرهان لا ينفى مع حرفية الكتاب المقدس فيما حكى من خلق آدم وحواء .
فزلزل هذا من إيـمــــــــانهم - وبدلاً من رؤية الله فى الخلق وتطوره قصروا النظر على الخلق ونشوته وارتقائه - وبدأ رجال الدين يدافعون عن موقفهم بأن قصة آدم وحواء الواردة فى الكتاب المقدس لا يصح أن تؤخذ على
حرفيتها ، وإنما هى رمز لنضج النوع الإنسانى ، ثم اختلفوا فى دلالة هذا الرمز .
وعاصر حركة دارون ومدرسته حركة علمية أخرى اتجهت إلى وضع الكتاب القدس موضع النقد ، وتسليط أدوات البحث العلمى عليه ، كما سلطت على كل الوثائق التاريخية ، فكما بحثوا فى الالياذة ووصلوا فى بحثهم إلى انها ليست من عمل هوميروس وحده ، وإنما هى من عمل أناس مختلفين فى عصور مختلفة ، كذلك بحثوا الــــكتاب القدس ، وأراهم البحث إلى أنه وضع فى عصور متواليــــة في بيئات مختلفة ، ونقدوا ما جاء فيه من تحديد السنين التاريخية ، وسافهم البحث إلى أن بعض ما نسب لموسى ليس لموسى ، وبعض ما نسب لداود ليس لداود ، فزاد ذلك الناس زلزلة وشكاً .
ثم كان نشوء علم مقارنة الأديان ، فبحثوا في أديان العالم ورازعوا بين تعاليمها ، ووضعوا اسساً لما يعدونه منها راقياً وما ليس راقيا ، وعرضوا لمسائل خطيرة مثل من ابن جاءت فكرة التثليث ، ومن أين أتت سلطة الكنيسة ، فكانت نتائج هذا البحث سبباً آخر من أسباب زلزلة العقيدة .
ثم جاء علم النفس يحلل الشعور الإنسانى ، ومنه الشعور الدينى ، ويشرحه كما يشرح الأطباء الأجسام ، ويبحثون في منشأ فكرة الله ، ويقولون إنـها فكرة خلقها الخوف فزادوا فى الطنبور نقمة .
وكان الدين يُعلى من شأن الإنسان لصلته بربه ولما له من روحانية ليست لغيره ، فجاء علماء النشوء والارتقاء وعلماء الإنسان وعلماء الفك ونحوهم يحقرون من شأن الإنسان ويجعلونه وردة كبيرة ، فسلبوا الإنسان عظمته واعترازه بروحانيته .
وقارن هذا دعوة الدعاة إلي تفاهة الحياة ، واختطاف ما أمكن من المذائذ ، والتحرر من القيود القديمة ، سواء
كانت قيودا ضارة أو نافعة ، وما دام هناك شك فى الآخرة فليكن الهناء فى الدنيا بقدر المستطاع ، وقالوا حديثا ما قال طرفة قديماً ( فدعني أبادرها بما ملكت بدى )
هذه هى أهم الأسباب فى موجة الشك والإلحاد فى الغرب ، وقد قال قوم من المثقفين فى الشرق إذا كان الغرب قد تقدم بالإلحاد أو على الأقل تقدم مع الالحاد ، فلتلحد لتتقدم او تلحد ونتقدم ، وإذا كانوا ملحدين وهم الحاكون فلنقلدهم لعلنا نساويهم ونتخلص من حكمهم وسافرت الأفكار والآراء والــــــــكتب من الغرب إلى الشرق ، فعملت عملها ، وبدرت يدرسها ، وتركت أثارها ، ورأي بعضهم أن يأخذ المدنية الحديثة بحثا غيرها ومنها الإشارة بالبحث العلمى ، وإضعاف الشعور الدينى ، وعملت الدعوة إلى انتهاب الهذائذ عملها أيضاً فى الشرق فكانت لها سطوتـها .
وكان من ذلك كله أن عمت الموجة الغرب والشرق ، وخاصة بين طبقات المثقفين وأنصاف المثقفين .
ولكن يظهر أن هذه الموجة بدأت تنكسر فى الغرب فتنكسر فى الشرق ، وسبب ميلها إلى الإنـــــــكسار أن الناس نظروا فرأوا ان المادة لما بلغت أوجها ثم تنتج للعالم سادة بل شقاء وخرابا ، وأن الضمير العقلى لم يستطع أن يحل في إراحة النفس وطمأنينتها محل الضمير الديني ، وأن هذا النقد المر إذا وجه إلى تفاصيل الدين وسلطة رجال الدين ، فإنه لم يمس جوهر الدين وإن مسه فلم يستطعه ، إنما كان يستطيعه لو أنه أمكنه بعده أن يفسر جميع ظواهر السكون تفسيراً محكما ؛ أما وهو لم يستطع أن يفسر إلا الظواهر فإذا وصل إلى الصميم - كالحياة وهبتها وتصرفها ، ومنشأ وحــــــــدة العالم وقوانينه ونظامه وجماله . فليس - إذاً - له الحق فى الإلحاد والغرور بالأفكار ، فالدين من ناحية عزاء للنفس الإنسانية وسند ، وقوق ذلك هو حقيقة لا بد منها لإمكان تفسير العالم .
حتى العلم نفسه بدا يتراجع فى بعض نظرياته أو يؤمن بقصورها ، فنظرية النشوء والارتقاء قد تفسر التطور ، ولكن لا تفسر الحيــــــاة في الخلية الأولى ، حتى قال قائلهم - إن العالم على اختلاف بنائه وحيوانه وتدرجه يدل على أن كل نوع منه يؤدى عملا ويحمل رسالة ، وأنـها كلها تتساعد وتترابط ، وتـهدف إلى غرض حتى لا يستطيع عقلك مهما تشبعت من العلم إلا ان يؤمن بأن للعالم مؤلفا واحداً قويا حكيما عليما .
وهذه الدعوى بأن أساس الأديان الخوف قد أخذ بعض علماء النفس يشك فيها ؛ فالخوف قد يحرم على الانسان بعض الأعمال ، وقد يدفع إلى الاضطهاد والانتقام ، وقد يحمل على الـــكره والحرب ؛ ولكن هل هذا باعث الدين ؟ إن بابت الدين الراقى يدعو إلى إجلال إله خلق العالم ودوره ، إله قوى تستمد منه القوة ، عظيم تستمد منه الظلمة ، روحى تستمد منه الروح ، فيه كل صفات الكمال ؛ هو للعالم كإرادتنا فينا ، إن الدين الراقى يدعو إلى التسامح لا التعصب ، والعفو لا الانتقام ، والحب لا الكره ، وقد يصل بعض الناس فى الدين إلى حب الله كحبهم أنفسهم أو أشد حبا ، ويعجنى فى ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في وصف صهيب : " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " . فهل يمكن تفسير كل هذه الظواهر النفسية بدافع الخوف كما يقول بعض علماء النفس ؟ .
ثم إن الدين دائما كان من أهم البواعث على الفنون الجميلة ، فالقرآن أعجز بفنه ، والدين كان مبعث الفنون الجميلة فى فن عمارة المعابد وفى الموسيقى والتصوير ، فهل يتقن هذا ودعوى أن الدين خلقه الخوف ، والخوف لا ينتج فنا ؟ .
إن الدين الحق يوسع النظر فلا يحده بقبيلة ولا طائفة ولا جنس ولا أمة ، لأنه يدعو إلى أن الله رب العالمين ،
وهو وحده الحال والمحكومون متساوون أمامه ، كما يدعو إلى ســــعة العواطف فلا عصبية ولا انتقام ، ولكن أخوة وتعاون ورحمة .
الدين الحق يحى الضمير ، ويدعو للعدل بين الجميع ، بين من نحب ومن نــــكره ، ومن هو من جنسك ولونك ومن ليس من جنسك ولونك ، ويــهدم الأنانية الفردية والآنانية القومية ليحل محلها عاطفة الأخوة العالمية إن أهم وظيفة للدين الحق أنه يحول المعــــاطفة من أنانية شخصية إلى عاطفة إلهية تتجه إلى تحقيق الخير العام . إذا اراد المصلحون بث الشعور بوحدة الجمعية البشرية وتعاونـها وقطع دار أسباب الخصومة والانتقام فلن يجدوا أساساً خيراً من الدين الحق الذي يوحد العلاقة بين الإنسان والله الواحد ، ويوحد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان الذى هو من خلق إلـهه .
إن هذا الغرض يدعو إلى تغيير برامج التربية في العالم من اساسها ووضعها على أساس آخر هو حب الله خالق الناس أجمعين ، وحب الانسان للانسان من غير تفريق بين جنس وجنس ، وأمة وأمة ، ولغة ولغة ، ودين ودين ، وهذا وحده هو الذى بنقص العالم اليوم .
إن العالم محتاج إلى مصالحة بين العلم والدين ، فالعلم أن يبحث في المادة كما يشاء ويستكشف قوانينها كما استطاع ، ولكنه لا يتجاوز وابرته فينكر ما وراء مادته ؛ وللدين ان يؤمن بالروحانية ، وعالم الغيب وما إليه ، فهذه لا تناف مع العقل بل تكمله ، ولكن ليترك للعلماء بحوثـهم في مادتـهم ، فما جاء الدين لشرح نظريات العلم ، وليستفد منها بنظرته الروحية إليهـــا ، فهذه القوانين التى يستكشفها العلماء هى القوانين التى بنها الله فى كونه ، وما جاء العلم ليبحث فيما لا يستطيع من كشف ما وراء المادة ، إن العالم محتاج إلى تدين العقل وتعقيل الدين .
إن تم هذا ساد العالم عقل سليم يرقيه العلم وعاطفة
نبيلة يرقيها الدين إن ثم هذا فلا حرب ، لأن العاطفة النبيلة تمنعها والأخوة الإنسانية تحرمها ، والعقل لا يستسينها .
وإن تم هذا فلا خرافات حول الدين ، لأنها لا يرتضيها العقل الصحيح ولا الدين الصحيح .
وإن تم هذا فلا عاطفة وطنية ولكن عاطفة إنسانية . وإن ثم هذا فلا صهيونية لأنها مبعث فكر ضيق وعاطفة ضيقة وتحريك عقرب الساعة إلى الوراء ، ولاحروباً صليبية ولا غير صليبية ، لان مبعثها ضيق عقل فى تصور الدين ، وحماسة جاهلة فى خدمة الدين .
وعلى الجملة فلو ثم هذا لزالت العوائق التى تعوق الإنسانية ، ولتقدم العالم فى عام ما لم يتقدمه فى قرون .
فهل يتمخض القرن العشرون من هذه الموجة العالية يكتسح بها الموجة المنحطة التى خلقها أخوه القرن التاسع عشر ، أو لا يزال ذلك أملاً بعيدا ؟ .
علم ذلك عند الله . وإلى هنا تنتهى هذه الحلقة من أحاديث رمضان .
وكل عام والقراء بخير .
