ذهب " وردسورث " إلي أن لغة النثر لا تختلف ويجب الا تختلف من لغة النظم ، ومن ضمن ما استشهد به على هذا انه قد يجيء في سياق النثر نظام من الكلمات والجمل ، إذا نقل بنصه إلي النظم كان حسنا مناسبا ؛ وقد بعثر الباحث على عبارات جميلة ، وجمل كثيرة الورود في قصائد جيدة ، إذا ما نقلت إلي النثر كانت مناسبة وجيدة كذلك .
ولكن " كولردج " عارض صاحبه في هذا وناقش ادلته واحدا واحدا ، حتى إذا وصل إلي هذه النقطة ذكره الخطأ المنطقي الذي وقع فيه صاحبه بخطأ الفيلسوف المثالي الذي أراد أن يدلل علي صحة مذهبه فأشار إلي الحقيقة الواقعة وهي " أننا ونحن رقود كثيرا ما نعتقد انفسنا
ايقاظا " غير أن جاره الرجل البسيط أجابه على الفور : " حسن ، ولكن ايحدث ونحن ايقاظ ان نعتقد انفسنا نياما ؟ " ومثل هذا الاعتراض يمكن ان يوجه إلي " ورد سورث ، فيقال : أليست هناك احوال من التعبير أو أنظمة من الجمل تكون في مكانها الطبيعي المناسب في تأليف نثري جاد ، ولكنها تفقد حسن ائتلافها وتجانسها في الشعر الموزون ؟ ثم ألا يحدث أن تكون هناك في لغة القصيدة أنظمة مناسبة من الكلمات والجمل وصور الكلام ذات الجرس والنبرات الخاصة ، وهذه بعينها إذا ما نقلت إلي تأليف نثري جاد بدت غريبة نابية ؟ مثل هذا من غير شك - كما يقرر " كولردج " - يحدث - بل يجب أن يحدث .
وللتدليل على صحة هذا يثير ناقدنا مسألة الوزن من أساسها ليبحث نشأته وتأثيره ، وما يجب أن تكون عليه لغته وتعابيره . يرجع " كولردج " اصل الوزن إلي توازن
في العقل يحدثه المجهود الاختياري الذي يحاول أن يأخذ بزمام الانفعال ويلطف من حدته ؛ فأول التيار الشعري - كما أسلفنا - موجة تهز كيان النفس وتحرك موازين وجدانها واحاسيسها ، ونظم عواطفها ؛ ولكن تستعيد النفس هدوءها ونظامها ، يتدخل جانب الإرادة والحكم منها تدخلا واعيا . فينظم هذه الفورات الانفعالية ، ويضع لها معالم وحدودا تضبط سيرها ، وتؤدي بها إلي غايتها المنشودة وهي إحداث اللذة العقلية ؛ ومن هذا التوازن بين الحالتين المتعارضتين ، حالة التأثر الوجداني وحالة الضبط الإرادي ، ينشأ الوزن الشعري . وإذا صحت وجهة النظر هذه كان هناك في شرعة الناقد اعتباران وجيهان ، له ان ينتظر تحققهما في كل عمل موزون :
) الأول ( أنه إذا كانت عناصر الوزن مدينة بوجودها لحالة من التأثر ، فإن الوزن نفسه يجب أن يقترن باللغة المناسبة للتأثر .
) الثاني ( أنه إذا كان المجهود الإرادي هو الذي يصور هذه العناصر في صورة موزونة - قاصدا بذلك إلي التوفيق بين التأثر واللذة العقلية ، فمن الواجب - إذا - أن تتميز آثار الإرادة في اللغة الموزونة تميزا نسبيا
هاتان الناحيتان - ناحية الانفعال الطبيعي والغرض الإرادي - يجب أن تتوافقا وان تجتمعا ، لا اجتماع جوار فحسب ، ولكن اجتماع تمازج واتحاد وهذا الاتحاد إنما يظهر في تكرار هيئات الكلام ) التي كانت في الأصل وليدة الانفعال ثم تبنتها الإرادة ونظمت سيرها ( تكرارا أكبر مما يرغب ويحتمل لو لم يكن الموقف السيكلوجي على هذه الصورة ؛ اي لو لم يكن المقام مقام وجدان متأثر طامنت من جماحه يد القوة الضابطة ، وأخذت بزمامه إلي حيث يبلغ الهدف المطلوب .
هذا الاتحاد لا يستلزم - فحسب - ولكن يميل
إلي أن يحدث من نفسه استخداما للغة بديعة الصور محركة للذهن أكثر مما تستلزمه حالة أخري لم يجتمع فيها هذان العنصران . وليس الموقف الشعري في حقيقته إلا ميثاقا ضمنيا معقودا بين الشاعر والقارئ ، يأخذ فيه الشاعر علي عاتقه ان يوفر للقارئ نوعا ودرجة خاصين من التأثر اللذيذ ، وينتظر القارئ من الشاعر أن يفي له بذلك الميثاق
أما من حيث تأثير الوزن فيذهب ناقدنا إلي أنه يميل إلى زيادة الحيوية والحساسية في الانتباه والمشاعر العامة ؛ وهو إنما يحدث هذا الأثر بما يهيج - ثم يشبع - من انفعال الاستقراب ، ومما يتابع بين هذه الإثارة من ناحية والإشباع من ناحية أخري ، في نوبات صغيرة لا يكاد الشعور يقطن لها في لحظة من اللحظات ، ولكن تأثيرها المتجمع يصبح كبيرا ، مثلها مثل جرعات الشراب خلال محادثة جادة حافلة - تؤثر تأثيرا كبيرا وإن كانت غير ملاحظة - ومتى عملت هذه عملها كان لا بد من تقديم الطعام الصالح والمادة المناسبة للانتباه والأحاسيس المثارة ، وإلا تمخضت الحالة عن برم وامتعاض ، كمن يقفز في الظلام من آخر درجة من السلم وقد اعد عضلاته ليقفز من ثلاث أو أربع .
ويلاحظ (كولردج ) أن صاحبه لا يفتأ في كتاباته بني قيمة الوزن على المقدرة التي يؤثر بها خلال اتحاده مع العناصر الآخري للشعر ، ولكنه " ورد سورث " لا يتعرض للسؤال المهم وهو : " ما هي تلك العناصر التي لابد ان يتحد بها الوزن لكي يحدث تأثيره في تحقيق اللذة العقلية ؟ " إنما مثل الوزن في الأغراض الشعرية مثل الخميرة ) وكولردج يعتذر من تفاهة التشبيه ( ليس لها في نفسها كبير قيمة ، ولا لطعمها كبير لذة ، ولكنها تهب حيوية وروحا للسائل الذي تمزج معه مزجا مناسبا
إن الوزن منبه للانتباء - كما قلنا - ولكن ليس
ذلك للذة خفية فيه ، فقد أسلفنا أنه لابد لتوافر هذه اللذة من أفكار وتعابير مناسبة تصحب الوزن ؛ والوضع الصحيح للموضوع هو ان الشاعر إنما يلجأ إلي النظم لأنه سيستعمل لغة تختلف من لغة النثر ، وإذا لم تكن القصيدة على هذه الصورة جاء نظمها ضعيفا ، مهما كانت طرافة الفكر التى يستمدها العقل الفلسفي من حوادثها أو معانيها . إن من يقلب الموضوع علي وجوهه يجد الوزن هو الصورة الطبيعية للشعر ، ويجد الشعر من غير وزن ابتر ناقصا ؛ وإذا كانت الصلة على هذه الدرجة فكل ما يتحد مع الوزن - مهما كان في جوهره غير شعري - يجب ان يكون له اشتراك مع الشعر في بعض الصفات . وإذا كان الشعر - كما يقول " وردسورث " - يتضمن علي الدوام حالة مثارة من الآحاسيس والملكات ) Passion ( ولعلها هي التي يصفها عمر بن أبي ربيعة في قصيدته :
تقول وليدتي لما رأتني طربت وكنت قد أقصرت حينا
أراك اليوم قد أحدثت شوقا وهاج لك الهوي داء دفينا
فإن من المعروف المقرر في دراسات النفس أن لكل انفعال هزة نفسانية خاصة به ، وإذا فمن الواجب والطبيعي ان تكون له كذلك صورة خاصة به من التعبير ، ولكن حيث توجد تلك الموهبة او العبقرية التي تؤهل صانع الكلام لأن يتطلع إلي شرف الشعر ، تري عملية النظم نفسها تتطلب بل تحدث حالة غير عادية من التأثر ، وهذه بطبيعة الموقف تتطلب وتبرر خلافا بينا في تعابير اللغة . كما يحدث - على هيئة أصغر في الغالب - في انفعالات الحب والخوف والغضب والغيرة وما إليها ، " ولقد تسخن العجلات وترمي بالشرر من سرعة دورانها " .
إن الجبلة الروحية السامية عند الإنسان تحفزه على
الدوام إلي أن يتطلب الوحدة من طريق الملامسة والانسجام ، وهذه الفطرة الإنسانية تتكشف عن قانون مطرد هو ان اجزاء الشئ الواحد يجب أن يكون سائرها بحيث يوائم العناصر الجوهرية المهمة فيه . وهكذا يجب ان تكون القصيدة في تعابيرها ووزنها وسائر أجزائها ، يسودها جو من الإنسجام والتآلف .
وإذا كان لا بد من الاستشهاد بما جري عليه العرف بين احسن الشعراء في كل الممالك والعصور ، فإن المتتبع لهذا العرف لن يتردد في أن يقرر أنه قد يكون هناك - بل هو موجود فعلا وينبغي ان يوجد فرق اساسي بين لغة النثر ولغة التأليف المنظوم . ولقد يكون موضوع القصيدة جيدا طريفا ولغتها صحيحة رصينة ، وروحها حية نشيطة ، ولكن أسلوبها بالرغم من كل هذا لا يسلم من اللوم على أساس أنه نثري ، وإنما ذلك لان كلماته ونظامها يجدان مكانهما المناسب في النثر ، ولا ينطبقان وروح التأليف المنظوم
إن " ورد سورث " ينادي بتحاشي القاموس الشعري الخاص لأنه - في رأيه - لا ضابط له ولا قيود تحد من مقالاة الشاعر فيه ، وإذا يكون القارئ تحت رحمته فيما يخترع خياله من ضروب الصور والاساليب ١
ولا كذلك ، عنده الوزن والقافية ، فإنهما يجيئان طبيعة واختيارا ، ولهما مناهج مقررة موحدة ، لا مجال فيها للخروج على النظام المرسوم ، ولا لتحكم الشاعر في القارئ . ولكن " كولردج " لا يستطيع مع صاحبه صبرا علي هذه النقطة فينادي : أشاعر هذا الذي يتكلم عنه شاعر
لأولي به إن يسعى احمق أو مجنونا أو - على احسن حالاتة دعيا أو واهما جاهلا ، وهلا تستطيع مثل هذه الأدمغة أن تطلق يد الفوضى كذلك في الوزن والقافية وكيف يكون القارئ تحت رحمة أمثال هؤلاء ! وإذا استمر يقرأ هراءهم أفليست الغلطة إذا غلطته !
إن الهدف الرئيس للنقد هو ان يقرر مبادئ للكتابة الأدبية أكثر مما يضع قواعد للحكم على ما كتب الآخرون ) ٢ ( وإن كان الفصل بين الناحيتين غير مستطاع
ولكن إذا سأل سائل : " علي أي القواعد ينظم الشاعر أسلوبه إن لم يتمسك كل التمسك بما يسمع من الناس - في الأسواق والمجامع والطرقات والمزارع - من ألفاظ وعبارات ؟ " أجابه " كولردج " بلا تردد : " علي القواعد التي تجرده الجهالة بها أو إهمالها من صفة الشاعرية ، وتعرضه في صورة الابله او الدعي ؛ على قواعد تأليف الكلام والمنطق والسيكلوجيا ، وباختصار - علي أساس معرفة الحقائق المادية والروحية المتصلة كل الاتصال بفنه ، والتي ينظمها النظر السليم بين الناس ، ويستخدمها ويصيرها بالتعود غريزة وطبعا ، فتصبح ذخيرة ممثلة لآرائهم وخبراتهم ونتائجهم التي وصلوا إليها علي توالي الأيام ، وتكتسب بينهم اسم الذوق .
وعلي أي أساس ) لا يضع القارئ تحت رحمة الشاعر : ولا الشاعر تحت رحمة نفسه ( يستطيع الشاعر ان يميز - مثلا - بين اللغة المناسبة للغضب المكبوت والغضب المطلق السراح ؟ أو بين سورة الغضب وفورة الغيرة ؟
أيحصل هذا من طريق السبح في مناكب الأرض بحثا عن غضاب الناس وغياراهم في الجماعات غير المصقولة لكي يقلد كلامهم ؟ أم يحصله من طريق قوة الخيال التي تتجه إلي ما هو أصيل عام في الطبيعة الإنسانية ؟ أيحصله من طريق الملاحظة أم من طريق التأمل الذي يقرر لعيون الملاحظة ميدان نظرها ، ويمدها بقوة نفادة مبصرة ؟ إن " كولردج " لا يشك في أن قوة الخيال والتأمل وما يقوم عليهما من ملاحظة ، وما يحتويه عقل الشاعر من معرفة بأسرار الطبيعة الإنسانية ، هي مصادر التمييز الصحيح ، وعن طريق هذا التمييز ، وبنفس هذه الوسائل يستطيع الشاعر أن يتعرف نوع التأثر الذي يحدثه التأليف الشعري ، ويتبين درجته ؛ فهو يعرف من طريق انتقائة فروق الأسلوب التي توحيها عملية الشعر ، ويعرف المزيج المناسب لها من الإرادة الواعية ، وفي أي الأمثلة تنحط الوان العبارة وصورها إلى مجرد وسائل آلية للزينة وربط الكلام . إن الحقيقة هي لنفسها الضوء والدليل ، وهي تميز بذاتها بين نفسها وبين الزور والبهتان ؛ وكذلك العبقرية الشعرية تميز عن طريق غريزتها الأبوبة بين أطفالها الحقيقيين وبين الممسوخين والمنسوبين إلي اسمها كذبا ، والمحمولين إلي مهدها حملا ، علي يد جنبات الغرور ، وعرائس العرف الشائع
إن الشعر لا يقبل أن يفرض عليه مبدأ خارج عن طبيعته فإن ذلك يحوله إلى فن آلى ؛ وإن قواعد الخيال هي نفسها قوي النمو والإنتاج ، وليست الكلمات التي تظهر فيها إلا المعالم والظواهر الخارجية للثمرة ؛ وقد يكون من المستطاع أن تجسد صورة خادعة لشكل الثمرة وألوانها السطحية ، ولكن الخوخة الرخامية تبقى ابدا باردة جامدة ، لا يرفعها إلي فمه إلا الطفل الصغير .

