هذا هو الشيخ فى بيروت بعد أن قبض بابه لاشتراكه فى الثورة العرابية وأودع في السجن ثلاثة أشهر للتحقيق ، لاقى فيها الأمرين من اضطهاد وإهانة ، وشماتة أعداء وتنكر أصدقاء ، وتضييق بالأسئلة وإحراج فى الاستجواب ، ثم حكم عليه بالنفي ثلاث سنوات .
يقيم في بيروت نحو عام - سنة ١٨٨٣- وسنه إذ ذاك نحو أربع وثلاثين سنة .
ثم لا يلبث أن يدعوه أستاذه السيد جمال الدين ليوافيه إلى باريس قبلى الدعوة ، ويشتركان فى إخراج محلة " العروة الوثقى"(١) ، للسيد التوجيه والروح ورسم الخطط وإبداء الأفكار ، وللشيخ التحرير والصياغة وتفصيل المعانى .
إدارة الجريدة فى غرفة صغيرة ىي سطح منزل فى باريس ، هى مكان التحرير وملتقى الأبداع ، ومجمع الأفكار وهذه الغرفة الصغيرة آثارت الأفــــكار وأخافت الإنجليز والفرنسيين ، وأقلقت راحتهم ، أكثر مما أخافتهم عمارات ضخمة وإدارات فخمة ، بل أكثر مما اخافهم الجنود والبنود ، فالعبرة بالسكان لا بالمكان
وهذا الشيخ محمد عبده يتأثر بباريس ، بما يطلع على شؤونـها ومعيشة أهلها ، فيطيل شعر رأسه ويلبس الطريوش ويحتفظ بالحبة والقفطان . ولكن - مع الأسف - لم يكن له من الفراغ ما يتعلم فيه الفرنسية ، فهمته تستغرق كل وقته ، فهو وأستاذه وقليل من الأتباع يحملون عبء . التفكير والتحرير والتصدير ، وتمهد السبل السرية والعلنية لوصول المجلة إلى انحاء العالم الإسلامى ، وتأسيس فروع مركزية لمساعدتـها وانتشارها وتحقيق أغراضها .
والقارئ المقالات التى كان يحررها الشيخ محمد عبده فى الوقائع المصرية ومقالات "العروة الوثقى " يرى الفرق
الكبير بينهما فى الاتجاه والغرض والأسلوب والحرارة .
كانت مقالات (الوقائع) بحكم الطبيعة تقصد إلى الإصلاح الاجتماعى فى مصر وحدها بأسلوب هادى يغلب عليه العقل والتحفظ والتدرج ، ومقالات العروة الوثق تنظر إلى العالم الإسلامى كله على أنه وحدة ، فإن ذكرت مصر أو الهند فعلى سبيل المثال ، وكانت تقصد أول ما تقصد إلى مناهضة الاحتلال الأجنبى بجميع أشكاله ، وتهدف إلى رفع نيره عن العالم الإسلامى كله عن طريق ثورة الشعوب وبث روح العزة القومية بواسطة العقيدة الدينية الصحيحة ، وخلق الأمل فى النجاح مكان اليأس ، وتوثيق الصلات بين الشعوب الإسلامية كلها انتعاون على دفع الذى الأجنبى عنها ، والتخلص من المستبدين الظالمين من أهلها ، وتأسيس الحياة الاجتماعية والدينيـــــــة والسياسية على أسس أصول
الإسلام الأولى : من إعداد السلاح ومقابلة القوة بالقوة وطرح العقائد الدخيلة التى يدعو إلى الاستسلام ، مثل رمي العبء كله على القضاء والقدر ، وإفهام الشعوب أن الإسلام فى شكله الصحيح لا يتنافى مع المدنية ولا يعوق عن التقدم والوصول إلي ما وصلت إليه الامم الآخرى .
هذه المعانى القوية أكسبت أسلوب الشيخ محمد عبده قوة لا نجدها فى " الوقائع " ثم إننا نلاحظ أن " الشيخ " متى اتصل بالأستاذ قتاوى من ناره وتأثر من ثوراته وعاما فى من عاطفته ، فإذا انفصل عنه عاد إلى حكم العقل والمنطق وزالت ثورته ، وخفت حدته .
وحدث في هذه الأثناء أن سفر الشيخ محمد عبده إلى " لندن " وكانت الثورة الهدية في السودان ، والإتجليز لم يثبتوا أقدامهم في مصر ، ووعودهم بالجلاء تتابع ، فلعل فى رجال الإنجليز من اعضاء البرلمان من بصغي إلي صوت الإنسانية ، وحق البلاد فى الاستقلال ، فكان الشيخ محمد عبده - وقد عاد إلى عمامته - فى البرلمان الإتجلزى يحدث أعضاءه ، ويحدث رجال السياسة ، ورجال الصحافة - وهو فى كل ذلك وطنى مصرى مخلص يطلب الجلاء
والوفاء بالوعود ، ويوضح حقيقة الحال فى الثورة العرابيـــة ودسائس الأوربيين فيها ، وكراهية الشعب للحكم الأجنبى. وانـهم يفضلون استبداد الحـــــكام من أهلها على الأجنبى من غيرها مهما كانت سيرته ، ويهدد بأن المصريين سوف لا يدفعون الضرائب ، وسيجعلون حكم الأجانب مستحبلا سواء أكانوا إنجليزاً أو فرنسين ، ويقرر أن انتشار الأميــــــة في مصر لم يفقد اهلها الشعور الطبيعي برغبتها ان تحــكم نفسها ، والإسلام الذي بين جوائحها يحرم عليها الاستسلام لغيرها
ولكن من خضعت القوة للحق ، ومتى ضحيت المصلحة للانسانية ، ومتى عفا الأسد عن فريسته ؟
لقد عاد الشيخ محمد عبده إلى باريس بإئساً ، وزاد الأمر سوءاً أن نجحت إنجلترا فى اضطهاد (العروة الوثقى) والتضييق عليها ، فاحتجبت بعد ظهور ثمانية عشر عددا منها فى ثمانية أشهر ، وسافر السيد جمال الدين إلى فارس وعاد الشيخ محمد عبده إلى بيروت ، فإن كانت " العروة الوثقى " لم تخلق أشجاراً كما كانا يؤملان فقد ثثرت بذورا تنتظر الجو الطبيعي والغذاء الصالح لتبدأ فى النمو ولتكون بعد أشجارا وإن انتفع بـها الأعقاب .
سكن الشيخ محمد عبده بيروت فانقطع عنه مدد الثورة والهياج السياسى الذى كان يمده به السيد جمال الدين ، وعاد إلى طبيعته من ميــــله إلى الإصلاح العقلى والدينى وتجنب السياسة ، وكانت الظروف حوله تدعو إلى ذلك ؟ فقد فشلت الثورة العرابية وأقفت جريدة العروة الوثقي ولم تنجح مفاوضانه مع الإنجليز ، وهو الآن يقيم في بيروت حيث الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الذى يخنق الحرية وملأ البلاد بالجواسيس يحصون على الناس انفاسهم
لهذا كله كان الشيخ محمد عبده فى بيروت عالمناً ومعلماً فقط ، يملأ زمنـــه بالتأليف والتعليم ، شرح نـهج البلاغة ومقامات بديع الزمان ، واخذ يدرس تفسير القرآن فى مسجدين من مساجد بيروت على الطريقة التى اتبعها بعد
فى مصر ، لا يتقيد بكتاب فى التفسير خاص ، إنما بقرأ الآية من القرآن ويفسرها من عنده بمـــا يختار من التفسير ، ويستطرد فى شرح أحوال المسلمين ونقدهم حــــــما تلهمه الآية .
ودعى للتدريس فى المدرسة السلطانية فأصلح برامجها ونقلها إلى درجة أرقى بكثير مما كانت ، نقلها من شبه مدرسة أولية إلى شبه مدرسة عالية ، وشغل نفسه بالتدريس فيها أكثر الوقت ، فـــــــكان يدرس التوحيد والمنطق والبلاغة والتاريخ الإسلامى ، والفقه على مذهب أبى حنيفة ، وأتخذ بيته ندوة للحديث العلمى والادبى والسمر المفيده ، وكان لبقاً فى دروسه وأحاديثه ، يشتاق إليها المسلم والنصرانى .
وكان من آثار إملائه ودروسه ما كان أساساً لما نشره بعد فى مصر من رسالة التوحيد وشرح البصائر النصيرية فى المنطق .
وعلى الجملة فقد خلق فى بيروت حركة علمية راقية استفاد منها كثير من أهلها .
ولم بنس الجرائد ، فكان يكتب فى جريدة" ثمرات الفنون" مقالات تشبه تلك التى كان يحررها فى الوقائع ، مثل مقالته فى الدعوة إلى " النقد " والحث عليه وأنه أداة لتمحيص الآراء ومعرفة وجه الحق فى الأفكار الخ .
والنفت إلي الصالح العامة الدول الإسلامية ، فوضع لا تحتين في إصلاح التعليم الديني في مدارس المملكة العثمانية المناسبة صدور إرادة سفية من السلطان عبد الحميد بتشكيل لحنة تحت رياسة شيخ الإسلام لإصلاح البرامج في المدارس الإسلامية ، وقد رفعها الشيخ محمد عبده إلي شيخ الإسلام في الآستانة ، يري فيها أن ضعف المسلمين سببه سوء العقيدة والحهل بأصول الدين ، وان ذلك اضاع اخلاقهم وافسدها ، وان العلاج الوحيد هو اصلاح التعليم الديني ، وقد رسم لذلك خططه
ووضع لائحة أخرى رفعها إلى وإلى بيروت تتضمن إصلاح سوريا ووصف سوء حالها وتقسم النزعات السياسية
لها بانتشار المدارس الأجنبية فيها ، واقترح تعميم المدارس الوطنية ، وإصلاح برامج التعليم الدينى والعناية به .
ومع انقطاعه للعلم وبعده عن السياسة لم يخل من متاعب ، بسبب حسد من الضعفاء الجبناء ، او بسبب حدة مزاجة ، وكان إذا احتد جرح ، فاضطر إلى ترك التدريس فى المدرسة السلطانية لما شعر بسوء جوها .
كانت مدة نفيه التى حكم عليه بها ثلاث سنوات . ولكنه مكث فى المنفى نحو ست سنين ، لأن الأمر لم يكن حكما بالنفى فقط ، بل كان أكثر من ذلك غضب الخديو توفيق عليه ، لأنه كان ممن أنهم فى الثورة العرابية بجهره بخلع الخديو ؛ وربما كان هذا هو السبب الحقيقى فى محاكمته دون غيره ممن اشتر كوا فى الثورة العرابية مثل اشتراكه . وقد كرر هذا المعنى اثناء حديثه وهو فى إنجلترا مع بعض مكاتبي الجرائد ، فقد سأله مكاتب " البول ميل جازيت " عن رأيه فى الخديو ، فقال الشيخ : " إن توفيق باشا اساء
إلينا أكبر إساءة ، لأنه مهد لدخو لـــــــكم بلادنا ، ورجل مثله انضم إلى اعدائنا أيام الحرب لا يمكن أن نشعر نحوه بأدنى احترام ، ومع هذا إذا ندم على ما فرط منــــه وعمل على الخلاص منكم ربما عفرنا له ذنبه - إننا لا نريد خونة وجوههم مصرية وقلوبـهم إنجليزية " .
لهذا كان من العسير عودته إلى مصر فى عهد توفيق ، ولــكن عادت وزارة رياض باشا إلى الحـــــكم وسم عند الخديو جماعة فى العفو عنه ، منهم الآميرة نارلي ، ولم تكن تعرفه ولكنها سمعت عنه كثيراً من رجال منتداها ومنهم سعد زغلول ، وكانت حسنة الصلة مقبولة الرجاء عند اللورد كرومر ، ومنهم الغازي مختار باشا ، وأفعل شفاعة كانت - بطبيعة الحال - شفاعة اللورد كرومر ، وقد قال فى كتابه " مصر الحديثة " : " إن العفو صدر عن الشيخ محمد عبده بسبب الضغط البريطانى " . وينسب بعضهم الفضل الأول فى العفو لمختار باشا . والمطلع على الأحوال
فى ذلك الوقت يعرف أنه ما كان الخديو توفيق يعفو إلا برضا اللورد كرومر أو ضغطه
وهنا يصح أن نتساءل : ماذا كان وراء الستار واللورد كرومر لا يقدم على هذا بمجرد رجاء البرنسيس بازلى ورجال ندوتـها ، وهو يعلم ما كان من الشيخ محمد عبده مع السيد جمال الدين فى العروة الوثقى التى هاجمت إنحلترا أشد مهاجمة وعدتـها أكبر خصم للمسلمين ؟
الذى يظهر لى أن أصدقاء الشيخ محمد عبده فى مصر استوثقوا منه انه إن عاد لا يشتغل بالسياسة العليا فقد جربـها واكتوى بنارها ، ولم يفد منها ما وجو لأمته والعالم الإسلامى ، وإنما يعمل على الإصلاح الديني والنظم الدينية ، وهذا لا يضر موقف الإنجليز فى مصر فى شىء . وعلى هذا الاساس قبل اللورد كرومر شفاعة الاصدقاء ، وضغط على الخديو توفيق فسمح له بالعودة ، وسار الشيخ عبده على النحو الذى سنبينه
ونتساءل أيضاً : هل يلام الشيخ محمد عبده على هذا الموقف ؟ .
ونرى أيضاً أنه لو أعـــــد نفسه ليكون زعيما سياسياً يرمى إلى تحرير وطنه لـــــكان موضع اللوم فى هذه الخطـــــــة ولعد ذلك تراجـعاً ولـــكن يظهر من تاريخ الشيخ محمد عبده كله أنه لا يحب السياسة ويلعنهـــــا ويلعن مشتقاتـها ، ولم يشتغل بالسياسة إلا حين دفعه التيار فى الثورة العرابية أو حين كان تحت تأثير أستاذه السيد جمال الدين النادي الزاج فى" العروة الوثقى " . أما هو فيرى فى نفسه أنه معلم منير عقول ، مفهوم والواجبات ، مصلح للعقيدة الإسلامية ، مدافع عن الإسلام . كان كذلك قبل الثورة ، وكان كذلك فى بيروت ، فلم يتنكر لبادئه حين افهم اللورد كرومر موقفه بواسطة أصدقائه . ولعل هذا هو سبب ما نلحظه من فتور فى العلاقات بين السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده من ذلك الحين ، " وكل ميسر لما خُلق له " .
( يتبع )
