الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 37الرجوع إلى "الثقافة"

٥ - جناية الأدب الجاهلى على الأدب العربى أيضا

Share

يقسم علماء المنطق العمليات العقلية إلي نوعين عملية تركيبة وعملية تحليلية ؛ ولهذا نظائر في الحسيات ، فإذا انت الفت من ورد وفل وياسمين ونرجس ومنثور وبنفسج طاقة ازهار ، فهذه عملية تركيب ؛ وإذا انت فرقت هذه الطاقة ، وجعلت الورد وحده والفل وحده والنرجس وحده ، فهذه عملية تحليل ؛ وإذا انت ألفت من أكسجين وإيدروجين ماء ، فهذه عملية تركيب ، فإذا حللت الماء إلي عنصر به فهذه عملية تحليل .

وفي النحو - مثلا - بناء الجمل من ألفاظ ، أو الفقرة من جمل ، أو الفصل من فقر ، عملية تركيبية ؛ وتحليل الفصل إلي فقر ، والفقرة إلي جمل ، والجملة إلي ألفاظ ، عملية تحليلية .

وفي البلاغة - مثلا - عملية التشبيه والاستعارة

عملية تركيبية ، لانه يراد منها ضم شيء إلي شئ والحكم عليهما حكما واحدا من إحدي الجهات ، ومثل ذلك الموازنة في باب الأدب .

ويخيل إلي أن الأمم في بدء أمرها أميل إلي التركيب منها إلى التحليل ، لأن التحليل يتطلب دقة وحصافة ، وخلفا علميا أكثر مما يتطلبه التركيب ؛ والعقل البدائي يسرع في التركيب فيخطئ في الحكم ، لأنه يكتفى أن يري حادثة تحدث مع حادثة أخري ، فسرعان ما يعقد علاقة بينهما ويعممها من غير تدقيق فيري الجاهلي - مثلا - حادثة شفاء من كلب ارتبطت بدم ملك ، فيعمم الحكم بأن دم الملوك يشفي من الكذب ؛ أو يري حادثة حدثت اتفاقا في أن نوعا من الشجر اسمه العشر احترق وذيل البقر ، فامطرت السماء ، فيعمم ارتباط هذا الحادث بالمطر ، ويستسقي المطر بتكريره ، وربط العشر في اذناب البقر وإشعال النار فيها ، وهكذا

ومن أجل هذا كثرت الأساطير والخرافات بين الامم في حالة بداوتها ، لأنها اسرعت في التعميم من غير تحليل دقيق وامتحان لربط الحادث بالحادث .

وهذا ما حدث عند العرب في جاهليتهم ، وحدث عند اليونان في جاهليتهم ؛ فلما جاء فلاسفة اليونان كأرسطو ، رأوا أكداسا من الأحكام العامة الباطلة ، وأكداسا من الاعتقادات بارتباطات بين الأشياء

زائفة ، وأساطير تعمم في غير دقة ؛ فوضع ارسطو قواعد وقيودا للتعميمات ، كمطالبته بالأستقراء التام قبل التمعيم ، ونحو ذلك ، ولا يزال علماء المنطق إلي الآن يجدون في وضع الشروط الدقيقة لصحة التعميم .

يظهر لي أن هناك نوعين من الأدب متميزين كل التميز : ادب تركيبي وادب تحليلي ؛ فالقصة التي تصف وصفا دقيقا حال عاشقين ، وما ينتابهما من عواطف مختلفة ، وما يعرض لنفوسهما من مواقف متباينة ، وما يجري بينهما من احاديث تتفق مع كل موقف ، وما يبدو من تصرفات متناقضة تبعا لتناقض العواطف ونحو ذلك ، أدب تحليلي ؛ والمقالات الاجتماعية تعرض الشرح حال امة في موقف خاص من مواقفها ، وتصف المرض وصفا دقيقا ، وتضع العلاج في دقة وإحكام ، ادب تحليل ؛ وقصيدة الشاعر يصف منظرا طبيعيا ، ويحلل موقف المنظر من نفسه وموقف نفسه منه ، ادب تحليلي : ومقال الناقد بعرض للكتاب او المقال المنقود ، فيميز ما هو أساسي منه ، وما ليس بأسامي ، ويتبين أغراضه ومراميه ، ثم يحلل هذه الأغراض ويبين ما فيها من ضعف وما فيها من قوة ، أدب تحليلي ، وهكذا

والخطبة الوطنية العامة في تمجيد القومية والوطنية من غير بحث مسالة خاصة ، أو دعوة إلى منهج وطني معين ، ادب تركيبي ؛ والمقالة الأدبية التي ليس فيها فكرة ، أو فيها أفكار عامة ، وكل جمالها في تشبيهها واستعارتها وسجعها وبديعها ، ادب تركيبي ؛ ومقال الناقد يبني مقاله على ان الكتاب أو المقال المنقود يعجبه أو لا يعجبه ، وانه ينطبق او لا ينطبق على اصول الفن المتعارفة ، أدب تركيبي ، وهكذا

والأدباء انفسهم ينقسمون هذين القسمين ، فاديب

تغلب عليه نزعة التركيب ، وأديب تغلب عليه نزعة التحليل

إن كان هذا صحيحا فيخيل إلي أن اكثر الأدب الجاهلي أدب تركيبي لا تحليلي ، ويتجلي هذا في مظاهر مختلفة

فإنا لو استعرضنا الشعر الجاهلي وجدنا اكثره يعني بتصوير الأشياء صورا عامة ، ولا يعني فيها بالتفصيل والتدقيق ، واروع شئ فيه جمال الاستعارة والتشبيه ، وقد سبق ان اشرنا إلى ان هذا كله من قبيل الأدب التركيبي ، وأشهر أبوابه فخر ومديح وهجاء ، وقد عرضت بشكل عام تركيبي ، فهي في الأغلب فخر ومدح وهجاء ، للقبيلة جاءت في معان عامة مركبة ؛ خير المدح المدح بالكرم والشجاعة من غير تحليل لجزئيات ؛ ومن خير انواع المدح المدح بالمروءة وهو لفظ عام غير محدود ، ومر شر انواع الهجاء الهجاء باللؤم ، وهو كذلك لفظ غير محدود ؛ ونستعرض باب الصفات - وكنا نظن أن هذا باب يتأتي فيه التحليل الدقيق : فلا نجد تحليلا ولكن نجد وصفا مركبا .

نعم يجد قطعا متفرقة هنا وهناك فيها وصف تحليل كقول المنخل البشكري :

ولقد دخلت على الفتا ، الخدر في اليوم المطير

الكاعب الحسناء تر فل في الدمسقي وفي الحرير

فدفعتها فدافعت مشي القطاة إلى الغدير

ولئمتها فتنفست     كتنفس الظبي الغرير                                                                                                        فدنت وقالت يا متخ   بل ما بجسمك من حرور

ما شف جسمي غير حب  ك فاعدئي عني وسيري

ووصف بعض احداث لامرئ القيس ، ولكنها ليست كثيرة في الأدب الجاهلي ، إنما الكثير الغالب الأدب التركيبي ، وحتى هذه الأمثلة التي ذكرت من الأدب

التحليلي ليست طويلة النفس ولا مستقصية التحليل .

جاء الأدب العربي فتأثر كل التأثر بالأدب الجاهلي ، فكان أكثره أدبا تركيبيا لا أدبا تحليليا ، ونستعرضه فنري أن فيه كل مزايا الأدب التركيبي وكل العبوب الناشئة من قلة الأدب التحليلي .

نري الأدب العربي قد نبغ نبوغا عظيما في باب الأمثال والحكم ، حتى قل أن يساويه في ذلك أدب ، لأن ذلك نتيجة حتمية للأدب التركيبي ، فهي تجمع التجارب وتركزها في جملة موجزة قوية جميلة ، وكان من نبوغهم في هذا الباب وإعجابهم به أن نقلوا حكم اليونان إلي العربية ، مع أنهم أوصدوا الأبواب في وجه الأنواع الآخري من الأدب اليوناني ، وكان سيرهم في هذا الباب احتذاء لما فعل زهير ابن أبي سلمي في حكمه المشهورة ؛ وكان من نبوغهم في الأدب التركيبي أيضا ولوعهم الشديد بالجمل القصيرة القوية ، حتي لتكون الخطب والكتب في كثير من الأحيان عبارة عن جمل قصيرة مركزة محكمة ، كالذي تلاحظه في كتاب عمر بن الخطاب إلي أبي موسي الأشعري في القضاء ، وكخطبة زياد وخطبة الحجاج ؛ ولو تناول الأدب التحليلي كل جملة من هذه الجمل لصاغ منها صفحات ، ونري لهذا صدي في علم البلاغة العربية ، فإنهم عنوا بالإيجاز أكثر من عنايتهم بالاطناب ، وأعجبوا بجوامع الكلم أكثر من إعجابهم بالكلام الطويل المنبسط ، بل إن بعضهم كأبي هلال العسكري فهم أن الاطناب تكرار المعاني وطول الألفاظ وقال : " إن كتب الفتوح وما يجري مجراها مما يقرأ علي عوام الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنيا فيها " فكأنه يريد أن يجعل الاطناب أدب العامة والإيجاز أدب الخاصة

وألف العرب هذا النوع من الإيجاز في التعبير حتى

عدوا عبد الحميد الكاتب الفارسي الأصلي آنيا بجديد عندما فصل في كتابته وأطنب .

وكما أن في الأدب العربي مزايا الأدب التركيبي ففي معظمه عيوب نقص الأدب التحليلي

نرى مظاهر ذلك في ضعف القصة ، وقد اشرت قبل إلى بعض أسباب هذا الضعف ، وأزيد هنا هذا السبب ، فإن القصة تحتاج بجانب الخيال الواسع إلي إطناب في الوصف ، وتحليل الموقف ، وإجادة للعرض المفصل ولذلك كان اثار القصص العربي البحث ، كالذي روي في النقد والأغاني عن الأدب الجاهلي وايام العرب ونوادر المجان والممرورين ، موجزا قصيرا يتقي وذوق العربي في حبه الا يجاز ، وميله إلى التركيز والتركيب . أما ما عدا ذلك من قصص مطولة كالف ليلة وليلة ، فليس من اصل عربي ، أو هو من الحكايات الشعبية ، لا من الأدب الرسمي .

كما نري مظهر ذلك أيضا في باب تراجم الرجال ، كالذي في الأغاني ، ومعجم الأدباء ، ووفيات الاعيان ؛ فالناظر في كتب التراجم العربية يمتليء إعجابا وروعة بعظم هذه الثروة وعمومها ، وعناية جامعيها ، وسلوكهم المسالك المختلفة في التراجم ، ولكنه لا يعجب بها من حيث نظرها إلي المترجم كوحدة متماسكة ذات اجزاء مفصلة منسجمة ، إنما هي حادثة هنا وحادثة هناك ، وشئ ، في خلفه بجانب شئ في شكله ، ثم عودة إلي شئ في خلقه ، ثم عودة إلي شئ في شكله . وحوادث جزئية جمعت حيثما اتفق ، يحتاج الذي يريد الاستفادة منها ان ينظر إليها نظرا جديدا . ويرتبها ترتيبا جديدا ، ويعمل فيها خياله ليكمل مواضع النقص فيها ؛ ولم يأت هذا إلا بعد ان تثقفنا ثقافة جديدة فيها الكثير من منهج التحليل

وما قيل في باب التراجم يقال مثله في كتب الادب العربي : كالكامل ، والبيان والتبين ونحوهما ، وكتب التاريخ : كالطبري ، وابن الاثير . فعدم التزامها كلها منهج التحليل جعلها تعرض للأشياء والأحداث عرضا مبعثرا ، وجعلها تستطرد استعطرادا مفرطا ، وجعلها اكداسا فيها الذهب والفضة والنحاس ، وفيها الحب والتين ، وفيها غطاء الراس بجانب نعل القدم ؛ ولو اتبعت المنهج التحليلي لكان لها شأن آخر .

وكما نري مظهر ذلك في وفرة الشعر الذي سار علي نمط الشعر الجاهلي التركيبي من مدح وهجاء ، وفخر ، وضعفه فيما احتاج إلى التحليل ، كالوصف الدقيق المستقصى لمظاهر الطبيعة وتحليل النفس

وقد يكون من الإنصاف ان تستثني اديبين في الأدب العربي ، كان أدبهما ادبا تحليليا واضحا ، وقد نبغا فيه نبوغا عظيما ، احدهما شاعر ، والآخر تأثر ؛ فأما الشاعر فإن الروي ، فهو في شعره يعرض للفكرة او الصورة فيحللها ويفصلها ويولدها ، حتى لا يدع لأحد بعده فيها قولا . واما الكاتب فهو ابن خلدون في مقدمته ، فهو ياتي بالنظرية العامة ، ولا يزال يحللها ويضع فروضها ويقيم البراهين على صحتها ، حتى يصل في ذلك إلي الغاية ، شأنه في ذلك شأن الرياضي في التدليل على نظرية هندسية

ولكن مع الأسف لم يكن أحد منهما زعيم مدرسة ، وإنما كان معلما من غير متعلمين ، ومغنيا لغير سامعين .

إني اعتقد ان الأدب العربي مسئول إلي حد كبير عن انحطاط المسلمين في العصور الوسطى وما بعدها من الناحية الأخلاقية والاجتماعية .

فلما ساءت حالة المسلمين بعد العصر العباسي الأول ، كان ينبغي أن يكون هناك أدب تحليلي وشعر تحليلي ،

يصف حال المجتمع السيئة وصفا دقيقا مستقصيا ، ويشرح اسباب الفساد وعلله شرحا مستفيضا وافيا ، ويرسم للناس المثل الأعلى الذي ينشدونه رسما دقيقا شافيا ، ويحث الناس على أن يثوروا على من هم سبب ما هم فيه من مذلة وضنك وبؤس ، وان يبيعوا أرواحهم في سبيل تحقيق مثلهم ! ولو كان ذلك لكف الظالمون عن الظلم ، وعملوا على إصلاح الفاسد ، وتحسين المجتمع ؛ ولكن تعال معي نستعرض الأدب العربي من العصور الوسيطي إلي العصر الحديث ، فهل تري تأثرا اثار بأدبه على الظالم ، وحلل موقف الناس في بؤسهم تحليلا دقيقا ؟ وهل تري اديبا وصف مجتمعه وصفا عميقا مستقصيا ، يحرك النفوس ؟ وهل تري شاعرا رسم المثل الأعلى للحكام والمحكومين ودعا إليه ؟

إنى مع الاسف - لا أجد شيئا من ذلك أجد الشعراء وشعرهم مملوء بالملق لكل خليفة ، ولكل سلطان ، وكل امير ، فهو الشمس ، وهو القمر ، وهو حاتم في الجود ، وهو الاسد في الشجاعة ؛ فأما ما أصاب الناس من ظلم على يديه ، فقد ضاع في دراهم معدودة نالها منه الشاعر ؛ ومن خرج على الخليفة أو السلطان هجا هجاء جاهليا مركبا لا تحليليا مفصلا .

النظر إلي قول دعبل الخزاعي في هجاء المعتصم :

ملوك بني العباس في الكتب سبعة

ولم تأتنا من ثامن لهم كتب

كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة

                            خيار إذا عدوا وثمنهم كلب

وإني لأعلى كلبهم عنك رفعة

                         لأنك ذو ذنب وليس له ذنب

فهل هذا نقد تحليلي يراد به الإصلاح ، أو هو نسب

جاهلي مركب كقولهم :

تميم بطرق اللؤم أهدي من القطا

فإن سلكت سبل المكارم زلت

وهل يري كاتبا عرض تفصيلا وتحليلا لحال الناس وبؤسهم وفسادهم ، أو تري أن أشجعهم ججم ولم يفصح ، وعمم ولم يبين ؟

نعم قد تعرض لنقد الحالة الاجتماعية في عصره ابو العلاء المري ، ولكنه لم يحقق غرضنا من ناحيتين من ناحية أنه فصل في تعديد نواحي الفساد ، ولكنه لم يحلل كل ناحية كما ينبغى ؛ قال بفساد القضاة وفساد رجال الدين وفساد الأمراء وفساد المرأة ، ولكنه لم يحلل تحليلا تفصيليا نواحي هذا الفساد وأسبابه وجنايته على العالم وله بعض العذر في ذلك لان الشعر لا يفسح المجال لهذا التحليل ؛ ولو عالج هذه الموضوعات نثرا مرسلا لتأني له ذلك . وثاني الأمرين في شعر أبي العلاء أن نزعته لم تكن نزعة إيجابية في الدعوة إلى الثورة وإصلاح الحال ، ولكنها دعوة سلبية إلي الزهد وترك الدنيا ، ونحن إنما ننشد العمل الإيجابي والإصلاح الإيجابي والانغماس في الحياة لمعالجتها لا الهروب منها .

إن المثل الأعلى لآداب الأمة يجب أن يكمل فيه النوعان من الأدب التركيبي والأدب التحليلي . والأدب العربي في حاجة إلي المزيد من الأدب التحليلي حتى يرقي فيه القصص والوصف الدقيق المفصل والنقد العميق الواسع ونحو ذلك . ولولا نزعة الجمود على القديم والالتزام الشديد للسير علي مناهج الأقدمين ، وتعمد المحدثين أن يصبوا الأدب في نفس القوالب التي صاغها الجاهليون لكان للأدب العربي شأن غير هذا الشأن

إن الأمم الآخري الحية وقفت زمنا مثل موقفنا ، ولكنها بعد برهة تحللت منه ، وجارت الزمان ، وسايرت الأذواق ، واستغلت الحياة الواقعية ، لقد سيطر الأدب اليوناني والأدب اللاتيني علي الحياة الأدبية الأوربية

كل السيطرة حينا من الزمان ، وكان كل هم الأديب أن يحذو حذو الأدب اليوناني او اللاتينبي حذوا دقيقا ، وكلما كان التقليد اثم كانت القطعة الفنية في نظرهم أجمل واروع . وكان الناقد الادبي إذا نقد قطعة ادبية قاسها بمقياس قربها من هذين الأدبين ؛ فكلما قربت منه كانت أجود وأرقي ، وكلما بعدت كانت أضعف وأسمج ، شأنهم في ذلك شأننا مع الأدب الجاهلي

ثم وقفوا بعد ذلك موقفا ينقصنا الآن ، ذلك أنهم مخضوا الأدب اليوناني واللاتيني واخذوا زبدتهما ورموا تفلهما وتناولوا هذه الزبدة فهضموها ، وزادوا إلي طعامهم هذا القديم في اصله الجديد في استخلاصه ، طعاما جديدا مشتقا من بيئتهم ومدنيتهم وحياتهم واحداثهم وطبيعة ارضهم ونوع معيشتهم ؛ فصنعوا من كل ذلك موائد مختلفة الألوان متعددة الطعوم تشهيها اذواقهم وتستسيقها معدهم ، وهذا ما ينبغي ان يحدث في أدبنا العربي حتى يحقق غايته .

وإلي هنا أختم القول في بحثي هذا ولعل الكلمة الأولى التي تعرضت لوضع الأدب العربي في الميزان ، نقدته في صراحة من غير تحيز ، وخالفت المأثور في ان الأدب العربي خير الآداب وانه مبرا من كل عيب منزه عن كل نقص ، وأنا ما دمنا عربا يجب أن نشيد بمحاسن الأدب العربي ونغض الطرف عن عيوبه ، بل يجب أن نستعمل بلاغتنا وخطابتنا في قلب العيوب محاسن والمآخذ مفاخر . وليس يمكن ان نثمر الكلمة الأولى ثمرتها في موضوع إلا إذا أعقبتها كلمات تفصل  مجملها وتكمل نقصها وتظهر خطأها وتؤيد صوابها ، فيكون ذلك كله تمهيدا للكلمة الأخيرة إن كان في العلم كلمة أخيرة .

اشترك في نشرتنا البريدية